المشروع يشدد عقوبة الاعتداء بـ"الإشارة أو القول أو التهديد" على الموظفين العموميين
المشروع يشدد عقوبة الاعتداء بـ"الإشارة أو القول أو التهديد" على الموظفين العموميين

بين التأكيد على "الضرورة"، والمخاوف من "قمع الحريات"، أثار مشروع قانون مقدم من الحكومة المصرية إلى مجلس النواب، حالة من الجدل في مصر، بينما يكشف مسؤولون ومختصون تحدث معهم موقع "الحرة"، ما وراء ذلك المشروع وتداعياته المجتمعية.

إهانة "الموظف العام"

ونص مشروع القانون على تشديد عقوبة الاعتداء بـ"الإشارة أو القول أو التهديد" على الموظفين العموميين، وبينهم "أفراد الشرطة"، لتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد على سبع سنوات، وذلك وفقا للمواد التي وافقت عليها اللجنة التشريعية بمجلس النواب المصري، من حيث المبدأ، بحسب موقع "القاهرة 24".

وتضمن مشروع القانون تعديل المادة 133 من قانون العقوبات، بالنص على أن "كل من أهان بـ(الإشارة أو القول أو التهديد)، موظفا عموميا أو أحد رجال الضبط أو مُكلفا بخدمة عامة أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

وتضمن المشروع تعديل المادة 137 مكرر من قانون العقوبات، والنص على أنه "يعاقب مرتكب الجرائم المنصوص عليها في المواد 133 و136 و137 من القانون بالحبس الذي لا تقل مدته عن خمس سنوات ولا تزيد على سبع سنوات".

وذلك إذا كان المجني عليه من "أعضاء هيئة الشرطة، أو رجال الضبط، أو أعضاء هيئة التعليم، أو أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، أو العاملين بالمنشآت الصحية العامة، أو موظفا عموميا أو مكلفا بخدمة عامة بالسكك الحديدية أو غيرها من وسائل النقل العام، إذا وقع الاعتداء أثناء سيرها أو توقفها بالمحطات"، حسبما ذكرت "وسائل إعلام مصرية" بينها صحيفة "المصري اليوم" و "موقع مصراوي".

جدل تشريعي؟

خلال اجتماعها القادم، تحسم لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب المصري، "مواد مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل قانون العقوبات"، والخاص بتغليظ عقوبة "إهانة الموظفين العموميين"، بحسب ما ذكرته صحيفة "اليوم السابع".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، كشف النائب إيهاب الطماوي، وكيل لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب المصري، عن "إرجاء مشروع القانون لموعد يحدد فيما بعد"، دون الكشف عن المزيد من التفاصيل.

ومن جانبه، يشير النائب عاطف المغاوري، عضو لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب المصري، إلى أن إرجاء مناقشة مشروع القانون بمثابة "محاولة لحشد موافقة أكبر عدد من النواب داخل اللجنة".

وهناك سعى لتمرير مشروع القانون داخل لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بالبرلمان المصري، وإذا وصل مشروع القانون إلى الجلسة العامة للبرلمان، فهو محكومة بـ"آليات الأغلبية"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشدد المغاوري على "عدم وجود مبرر لإصدار القانون، بينما يعاني المجتمع من أزمات متعاقبة".

ولا يليق بالحكومة أو مجلس النواب " إقرار مشروع قانون يعاقب المواطن بالحبس 7 سنوات لمجرد اعتبار الإشارة أو القول إهانة، بينما عقوبة القتل الخطأ 3 سنوات"، وفق المغاوري.

ماذا يقول "قانون العقوبات"؟

يوضح المحامي المصري بمحكمة النقض والدستورية العليا، حسن أبوالعينين، أن الاعتداء على الموظف العام أثناء تأدية عمله "مجرم بقوة القانون".

وينطبق ذلك على "جميع الموظفين العموميين"، سوءً كان الموظف "ضابط أو محاسب بإدارة حكومية أو عامل بمنشأة صحية"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وفي جرائم "السب والقذف"، يشدد قانون العقوبات العقوبة إذا كان المجني عليه "موظف عام"، و"ضابط الشرطة في الأصل أحد الموظفين العموميين"، حسبما يوضح أبوالعنيين.

ويشير المحامي بالنقض والدستورية العليا إلى وجود نص قانوني قائم خاص بـ"الإهانة أو التعدي قولا أو بالإشارة على أحد أعضاء الهيئات القضائية".

ويرى أن تشديد العقوبة المرتقب "تطور طبيعي"، نظرا للتطور الحادث في المجتمع وكذلك التطورات التكنولوجية خاصة بمواقع التواصل الاجتماعي.

ضرورة أم "قمع للحريات"؟

يشير الكاتب والمحلل السياسي المصري، مجدي حمدان، إلى أن "المشروع مجحف ويمس الحريات، ويهد مسمى الدولة المدنية، ويخالف الدستور والقانون".

وإقرار هذا القانون سيكون "شديد الخطورة"، لأنه يضع الشرطة في مواجهة مباشرة مع الشعب، ما يقود لتداعيات مجتمعية خطيرة، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير إلى أن المشروع "يجرم التعامل باللفظ والقول مع رجال الشرطة"، في محاولة لـ"تحجيم وتلجيم المواطن"، ويخالف ذلك "القانون والدستور".

لكن على جانب أخر، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المصري، أحمد الباشا، أن "مصر في حاجة ماسة لإصدار هذا القانون، بعد حالة الفوضى التي عاشتها البلاد في أعقاب أحداث يناير  2011".

والموظف العام عرضة للكثير من "المخاطر" نتيجة تعامله المباشر مع الجماهير، وأحيانا يتعرض بعض "الموظفين العموم لاعتداءات"، وقد شاهدنا ذلك سابقا خاصة في المستشفيات، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير باشا إلى تعرض بعض أعضاء "الأطقم الطبية" لاعتداءات داخل المستشفيات، ولذلك فقد طالبوا أكثر من مرة بـ"توفير حماية لهم"، وينطبق الأمر ذاته على "الكثير من الموظفين بالمصالح الحكومية".

لكن المعالجة الإعلامية لمثل هذه القوانين تحاول "اختزال الأمر فيما يتعلق برجال الشرطة المصرية"، حسبما يؤكد المحلل السياسي المصري.

ما وراء مشروع القانون؟

تعاني مصر واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها بعدما سجل معدل التضخم السنوي مستوى قياسيا يبلغ حاليا 35.2 في المئة مدفوعا بتراجع قيمة العملة المحلية ونقص العملة الأجنبية في ظل استيراد القسم الأكبر من الغذاء، وفق وكالة "فرانس برس".

ومع وصول عدد سكان البلاد إلى 106 ملايين نسمة، تشير تقديرات إلى أن نحو 60 في المئة من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر أو يقتربون منه.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار 1.6 في المئة في يناير، مقارنة مع زيادة 1.4 بالمئة في ديسمبر، حسب "بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر".

وارتفعت أسعار المواد الغذائية 1.4 في المئة، مقارنة بالارتفاع 2.1 في المئة في ديسمبر، حسب المصدر ذاته.

ويربط المغاوري توقيت تقديم المشروع بـ"الارتفاع غير المسبوق لأسعارالسلع والخدمات".

وفي ظل "توقعات بالمزيد من الارتفاعات خلال الفترة القادمة"، ما قد يتسبب في "ردود أفعال بالشارع المصري"، وفق عضو مجلس النواب المصري.

ويشير المغاوري إلى أن واقعة التظاهر في مواجهة وزير التموين، علي مصيلحي، عند افتتاح "معارض أهلا رمضان" بمنطقة شبرا الخيمة، وتدخل قوات الأمن والشرطة لإخراجه بصعوبة بعيدا عن "الجمهور"، قد يكون "بداية حالة غضب في الشارع المصري".

وهناك توجه حكومي لـ"تشديد العقوبات، لتحذير كل من تسول له نفسه بالتعبير عن مشاعره"، على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الشرطة تمتلك بالفعل "سلطة" والمغالاة في تمكينها "تجبر"، ويقول:" السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".

ويرى عضو مجلس النواب المصري أن ملابس الشرطي بالفعل لها "وضع خاص في المجتمع، وإضفاء المزيد من الصلاحيات على رجل الشرطة، يجعل المواطن خائفا ومرعوبا عند التعامل مع أحد أفراد الهيئات الشرطية".

ويتفق معه حمدان، الذي يشدد على أن الدستور نظم العلاقة بين المواطن وأجهزة الدولة، لكن القانون يستبق "مواجهة انفجار مرتقب للشارع المصري".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي أن هناك حالية غليان متصاعدة في الشارع المصري، والمواطن لا يستطيع الحصول على "قوت يومه"، بعد الارتفاع المضطرد في أسعار "السلع والخدمات".

وبالتالي هناك محاولات لـ"السيطرة على المواطن المصري الذي في طريقه للانفجار والخروج للشوارع"، على حد تعبيره.

لكن على جانب أخر، يشدد باشا على أن الشرطة المصرية "تطورت بشكل كبير في التعامل مع الجمهور، والكثير من الأساليب التي اعترض عليها المواطنين سابقا وكانت تأخذ على الجهاز الشرطي لم تعد موجودة".

ولم يعد هناك "اعتداءات شرطية على المواطنين"، ولكن على النقيض أصبحت الشرطة "تتحرك وفق آليات القانون"، ويحاسب أفرادها بقوانين "شديدة الصرامة"، بحسب الكاتب والمحلل السياسي.

ويوضح باشا أن القوانين مطالبة بـ"حماية رجال الشرطة"، لأنه "يتعامل يوميا مع المواطنين".

ويشير إلى تعدد مهام رجل الشرطة وزيادة الأعباء الكبيرة الملقاة على عاتقها، والمتعلقة بـ"ضبط الأسواق، وتنظيم المرور، والقيام بحملات يومية لضبط المحتكرين والخارجين على القانون".

وهذا يضع "رجل الشرطة في مخاطر"، وبالتالي فهو يحتاج لـ"الحماية الكاملة"، ليستطيع أداء مهام عمله بـ"حماية المواطنين والحفاظ على أمن وسلامة المجتمع"، وفق المحلل السياسي المصري.

مخاوف وتحذيرات

يؤكد المغاوري أن الاتجاه لتغليظ العقوبات وحالة "الشمول والتعدد" للكثير من الفئات، يعني أن "الموظف فوق المواطن"، ما يخلق "حالة تقسيم غير مبررة للمجتمع".

وتغليظ العقوبات بـ"تهم مطاطة لا يمكن حصرها أو مراقبتها أو يمكن تفسيرها، أمر غير محمود ويوتر العلاقة بين الشعب وأجهزة الدولة وفي مقدمتها أجهزة الشرطة"، وفق عضو مجلس النواب المصري.

ويقول المغاوري:" يجب التذكير بأن اختيار يوم 25  يناير 2011 للتظاهر، والمتزامن مع (عيد الشرطة) كان احتجاجات على الممارسات الشرطية وتغولها على المواطن"، على حد تعبيره.

لكنه باشا ينفي هذا الطرح، ويقول:" في كافة أنحاء العالم هناك قوانين "تجرم الاعتداء على الموظفين العمومين، قولا أو لفظا أو بالإشارة"، وهذا معمول به في الكثير من دول العالم.

ويؤكد أن الموظف الحكومي الذي يقدم الخدمة للمواطن "محصن بقوة القانون، فهو يمثل "الدولة أثناء تأدية الخدمة للمواطنين"، ويجب حمايته ليستطيع أداء مهام عمله على أكمل وجه، سوء كان الموظف بهيئة "حكومية أو طبية أو شرطية".

ويرى باشا أن العقوبات بالقوانين الحالية "غير كافية"، وتحتاج لـ"التشديد والتغليظ"، خاصة بعد حوادث "الاعتداء على موظفين عموم وأطباء في الفترة الماضية".

ومن جانبه، يرى أبو العنيين أن وصول العقوبة التي تصل إلى ٧ سنوات "مغلظة وشديدة".

ويقول:" كان يمكن الإبقاء على العقوبة لتكون مماثلة لعقوبة إهانة القضاء وتكون في مجال الجنح التي عقوبتها من أسبوع إلى 3 سنوات".

ويشير إلى أن "رجال الشرطة" يمثلون "السلطة التنفيذية التي تتصل بالجمهور مباشرة"، والهيئات الشرطية هي القائمة بـ"تنفيذ القانون والبحث عن أدلة الجريمة، وجمع الاستدلالات".

وأوقات عمل "رجال الشرطة" ليست محددة، فهم يعملون "فجرا وظهرا وليلا"، ما يتطلب "توفير حماية لهم، حتى يستطيعون تحقيق الردع العام قبل الخاص".

ويؤكد أبو العنيين أن الدستور وقانون الإجراءات الجنائية، بمثابة "ضمانة للمواطن"، بالحصول على إجراءات محاكمة وتحقيق "عادلة".

والدستور الحالي يضمن "وجود درجات تقاضي مختلفة"، وعلى رأسها "استئناف الجناية"، وفق المحامي بالنقض والدستورية العليا.

وإذا صدر على المتهم "حكما لم يلقى قبولا منه"، يمكن "الطعن بالاستئناف أمام المحكمة الأعلى"، ثم يمكنه "الطعن عليه بالنقض أمام المحكمة الأعلى"، حسبما يوضح.

ويشير المحامي بالنقض والدستورية العليا إلى أن ضمانات قانون الإجراءات الجنائية تضمن لـ"المتهم قبل المجني عليه، الحصول على محاكمة وتحقيقات عادلة أمام النيابة العامة".

متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا
متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا

في السادس من مارس الماضي، سمح البنك المركزي المصري بانخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60 بالمئة، لتنفيذ إصلاح اقتصادي طالما طالب به صندوق النقد الدولي القاهرة، منذ الاتفاق على برنامج تمويلي قبل عام ونصف العام تقريبا.

وجاءت خطوة البنك المركزي لتخفيض العملة المحلية إلى نحو 49.5 جنيه للدولار الواحد من مستوى 30.85 الذي أبقاه عنده في الشهور السابقة، في أعقاب الاتفاق مع دولة الإمارات على ضخ 35 مليار دولار استثمارات مباشرة، لتنمية منطقة "رأس الحكمة" على البحر المتوسط بشمال غرب البلاد، وهي الأموال التي اعتبرت القاهرة أنها ستساعد في حل أزمة نقص العملات الأجنبية التي انتعشت بفضلها السوق الموازية في الأشهر الماضية.

ونتيجة لذلك، أعلنت الحكومة وصندوق النقد الدولي، توصلهما إلى اتفاق لزيادة حجم التمويل ضمن البرنامج الذي اُتفق عليه في ديسمبر 2022، ليزيد من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات.

ويقول صندوق النقد الدولي إن أهم الإصلاحات الاقتصادية ضمن البرنامج، تشمل التحول إلى نظام سعر صرف مرن، وتشديد السياسة النقدية وسياسة المالية العامة، وإبطاء الإنفاق على البنية التحتية للحد من التضخم، والمحافظة على استدامة القدرة على تحمل الديون، مع تعزيز بيئة تمكن القطاع الخاص من ممارسة نشاطه.

ويضيف وفق بيان نشر على موقعه الإلكتروني: "ستساعد هذه السياسات في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي، واستعادة الثقة، كما ستمكن مصر من مواجهة التحديات التي اقترنت بالصدمات الخارجية في الآونة الأخيرة".

بعد قرارات الحكومة.. ما السر وراء ازدياد تحويلات المصريين؟
ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج منذ الخفض الأخير في العملة المحلية، وذلك بعد انهيار للسوق السوداء التي طالما التهمت الحجم الأكبر من أموال المصريين في الخارج بعيدا عن القطاع المصرفي الرسمي، في خطوة اعتبر اقتصاديون أنها إيجابية لكن لا يمكن الحكم عليها في ظل استمرار هذه الزيادة لأيام قليلة حتى الآن.

الأزمة لم تنته

ويعتبر خبراء تحدثوا مع موقع "الحرة"، أن الأزمة الاقتصادية بالنسبة لمصر "لم تنته بعد"، وأن هناك المزيد من التحديات والمتغيرات التي قد تؤثر على آفاق الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.

وفي حديثه مع موقع الحرة، يقول الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، إن "ما حدث بعد الاتفاق على صفقة رأس الحكمة يشبه ذوبان قمة جبل الثلج. لكن الكثير من الأمور لا تزال غير واضحة".

ويضيف: "الحكومة حتى الآن في مرحلة تمهيدية.. صحيح البعض يتحدث عن نوع من الاستقرار في سوق الصرف، واختفاء المضاربة في السوق السوداء على الدولار، لكن هذه ليس المرة الأولى، فقد حدث هذا الأمر عام 2016 حينما تم تنفيذ إصلاحات مشابهة لسعر الصرف، ثم تجددت الأزمة مرة أخرى قبل عامين".

ويرى عبد المطلب أن "من المبكر الحديث عن انتهاء الأزمة، خصوصا في ظل تعهد الحكومة بالمزيد من التدابير الاقتصادية لإصلاح الخلل في ميزان المدفوعات المصري، ومنظومة الدعم".

ويؤكد هذا أيضا الخبير الاقتصادي، السيد خضر، الذي يقول إن "التحول الاقتصادي يستغرق وقتا وجهودا مستمرة لتحقيق نتائج إيجابية قابلة للقياس"، مشيرا إلى أن "مصر تواجه منذ عقود تحديات كبيرة فيما يتعلق بارتفاع التضخم والبطالة، وتصاعد مستويات الدين العام".

ويتابع لموقع الحرة: "الحكومة المصرية تنفذ برامج إصلاح اقتصادي شامل بهدف تحسين الوضع وتعزيز النمو المستدام، ومع ذلك فإن هذه الإصلاحات قد تواجه عدة عوائق".

ومن بين العوائق المحتملة التي يمكن أن تقف أمام الإصلاحات، "المقاومة السياسية أو الاجتماعية" للتغيير، حسب خضر، مشيرا إلى أنها "قد تحد من تنفيذ الإصلاحات، خاصة المتعلقة بتخفيض الدعم".

صندوق النقد يكشف توقعاته للتضخم في مصر.. ويتحدث مجددا عن "دعم الوقود"
قالت مسؤولة بصندوق النقد الدولي، الاثنين، إن المراجعة المقبلة لبرنامج قرض الصندوق لمصر من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية يونيو، وهو الوقت الذي ستتمكن فيه سلطات البلاد من سحب 820 مليون دولار أخرى، وذلك بعد الاتفاق الشهر الماضي على زيادة حجم برنامج القرض.

على النقيض، يعتقد الباحث الاقتصادي أحمد أبو علي، أنه لا "توجد عوائق فيما يتعلق بتطبيق الإصلاحات. لكن قد يتطلب الأمر آليات تطبيق واضحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإجراءات التي تمس المواطنين ومنظومة الدعم وأسعار السلع".

ويضيف لموقع الحرة: "شروع مصر في تعويم العملة والاتفاق بعد ذلك مع صندوق النقد على زيادة حجم التمويل، ساهم في استقرار الاقتصاد المصري بشكل نسبي".

ويعتبر أبو علي أن بلاده "ليست الوحيدة" التي تواجه تحديات اقتصادية، ويقول: "العالم أجمع أمام تحديات مستمرة في ظل الأزمات السياسية العالمية المتلاحقة في أوكرانيا وغزة، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم.. ليست هناك دولة واحدة لا تواجه تحديات أو أزمة اقتصادية".

المزيد من الإصلاحات "الصعبة"

ويشدد صندوق النقد الدولي على أن دعم أسعار البنزين في مصر "تصب بشكل رئيسي في صالح الأغنياء على حساب الفقراء" الذين لا يملك معظمهم سيارات، وفق وكالة رويترز.

وفي مؤتمر صحفي قبل أسبوعين تقريبا، تحدثت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، عن ضرورة تنفيذ السلطات إصلاحات فيما يتعلق بدعم الوقود، واستبداله بالإنفاق الاجتماعي الموجه للأسر الأكثر احتياجا.

وتظهر بيانات موازنة العام المالي الحالي 2023/2024 أن مصر رفعت الدعم المخصص للطاقة والمواد البترولية والكهرباء بنسبة 150 بالمئة تقريبا، من 48 مليار جنيه (1.01 مليار دولار) إلى 119.4 مليار جنيه (2.52 مليار دولار).

ويؤكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في أكثر من مناسبة، أن الحكومة المصرية تعمل على ترشيد الدعم ضمن خطط تقليل الإنفاق من أجل إصلاح الاقتصاد.

معاناة المواطن

ويتوقع الخبراء خلال حديثهم مع موقع الحرة، إقدام الحكومة المصرية على المزيد من التدابير الاقتصادية خلال سنوات الاتفاق مع صندوق النقد، من أجل ترشيد الدعم، خاصة فيما يتعلق بالمحروقات والكهرباء وبعض الخدمات الحكومية، مما يؤثر على الأوضاع المعيشية في البلاد.

ويقول عبد المطلب إن "ما تعهدت به مصر من إجراءات صعبة يتوافق مع رؤية صندوق النقد الدولي، خصوصا فيما يتعلق بإلغاء الدعم كليا، بما في ذلك دعم الوقود والكهرباء".

ويتابع: "إلغاء الدعم أو رفع أسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة أو تحتكرها، من مترو الأنفاق والسكك الحديدية والكهرباء والغاز والمياه، سيزيد بالتبعية من معاناة المواطن المصري".

ويرى عبد المطلب أن "المواطن المصري حاليا يحاسب طبقا للأسعار العالمية ولا يمكن زيادة الأسعار بأي شكل؛ لأنه عند حساب الأسعار التي يدفعها المواطن مقابل الكهرباء أو الوقود أو المواصلات يجب مراعاة القوة الشرائية للجنيه، وما يستطيع أن يدفعه مقابل حصوله على السلع والخدمات".

ويستطرد عبد المطلب: "يتراوح متوسط الأجور في مصر بين 100 و120 دولارا شهريا، لذلك لا يمكن أن يحاسب بالأسعار التي يحاسب بها المواطن في أوروبا، الذي يتقاضى هذا الأجر خلال يوم عمل أو أقل من ذلك".

وبلغ معدل التضخم في مصر، التي يعاني ثلث سكانها تقريبا من الفقر، نحو 33.7 بالمئة في مارس الماضي، وفق ما أظهرت بيانات البنك المركزي قبل أيام. فيما يقول البنك الدولي إن مصر من بين البلدان العشر الأكثر تضررا من تضخم الغذاء في العالم.

ورفعت الحكومة المصرية مؤخرا الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص إلى 6000 جنيه شهريا (126.49 دولار)، فيما يشتكي مواطنون يعملون بالقطاع الخاص من رفض بعض الشركات زيادة الحد الأدنى من المستوى السابق عند 3500 جنيه شهريا (73.78 دولار).

بدوره، يتفق خضر مع ما يقول عبد المطلب، ويوضح: "من المهم أن يتم تنفيذ إصلاحات الدعم بشكل تدريجي ومتوازن، مع وضع آليات للتخفيف والحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرا".

ويجب أن تراعي الحكومة في مصر الآثار الاجتماعية المحتملة لهذه الإجراءات" حسب خضر، الذي يضيف: "ومن الضروري تعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين لشرح الأسباب والفوائد المرتقبة للإصلاحات".

ويؤكد أبو علي على وجود "إجراءات تقشفية" اتفقت عليها مصر مع صندوق النقد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، لكنه يقول إن الحكومة "لديها قدر من الحكمة للتعامل في هذا الملف، لأنه يمس فئة كبيرة من المجتمع، خصوصا أنها رفضت في أكثر من مناسبة توصيات صندوق النقد بشأن إلغاء الدعم بشكل كامل عن المحروقات".

ويستطرد: "حتى لو كانت هناك موافقة على تقليص برامج الدعم العيني، فهي بكل تأكيد ترتبط بالخطط المالية المستقبلية لتحويلها إلى دعم نقدي للأسر الأكثر احتياجا. وما هو قائم قبل اتفاق صندوق النقد الدولي لن يتم المساس به".

ويستبعد أبو علي اتجاه الحكومة المصرية لإلغاء دعم الكهرباء بشكل كامل، لكنه يشير إلى أنه "حتى في الجولات الأخيرة من رفع أسعار الكهرباء أو حتى المحروقات، كان هناك تقبل من الرأي العام لهذه الخطوات، كما هو الحال مع قرار التعويم والاتفاق مع صندوق النقد".

وفي مطلع العام الحالي، قررت مصر رفع أسعار الكهرباء بنسب تتراوح ما بين 16و 26 بالمئة اعتبارا من بداية يناير وحتى نهاية يونيو المقبل.

كما قررت وزارة البترول المصرية قبل نهاية مارس الماضي، زيادة أسعار المحروقات للمرة التاسعة في 3 أعوام، حيث رفعت أسعار البنزين بمختلف أنواعه بنسبة 10 بالمئة، وسعر السولار بنسبة 21 بالمئة إلى 10 جنيهات (0.21 دولار) من 8.25 جنيه (0.17 دولار)، وسعر أسطوانة غاز الطهي بنسبة 33 بالمئة إلى 100 جنيه (2.11 دولار) من 75 جنيها (1.58 دولار).

وفي كل الأحوال "يعاني المواطن المصري"، سواء كان هناك تحرير لأسعار الطاقة أم لا، حسب عبد المطلب، الذي يقول: "الدخل في مصر منخفض للغاية ومهما حاولت الدولة إصلاحه في الوقت الحالي، فإنه سيتراجع مع أول انخفاض في قيمة الجنيه أمام الدولار، وسيفقد كل ما تم من إجراءات زيادة الأجور. وبالتالي يستمر عدد الفقراء في التزايد".

ويتابع: "صحيح أن هناك مؤشرات على تراجع معدلات الفقراء، لكن أعدادهم تتزايد مقارنة بأعداد السكان، لأن معدل الفقر حاليا تقريبا 30 بالمئة، ونحن نتحدث عن 30 مليون فقير مقارنة بنحو 28 مليونا في عام 2017 حينما كان عدد السكان 80 مليون نسمة ونسبة الفقر 35 بالمئة تقريبا".

ومنذ 4 أعوام، لم تنشر السلطات المصرية بيانات الفقر في البلاد. وكان آخر تحديث نشره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتقرير "بحث الدخل والإنفاق" في عام 2020، والذي أظهر تراجع نسبة الفقر إلى 29.7 بالمئة من أعلى مستوى في نحو 18 عاما عند 32.5 بالمئة والمسجل في عام 2018.

وحينها كان خط الفقر للفرد في مصر، وفق "بحث الدخل والإنفاق"، نحو 857 جنيها للفرد شهريا (55 دولارا بأسعار الصرف في نهاية 2020، و18 دولارا بأسعار الصرف الحالية).

شبكة الحماية الاجتماعية

يؤكد صندوق النقد الدولي على ضرورة أن تقوم مصر بتحويل الدعم العيني للمحروقات والكهرباء إلى دعم نقدي من خلال برامج شبكة الحماية الاجتماعية، في ظل برنامج تكافل وكرامة وتوسيع نظام التأمين الصحي الشامل، إلى جانب التوسع في السجل الاجتماعي لتوجيه برامج الحماية الاجتماعية لمستحقيها على نحو أدق.

وتعليقا على ذلك يقول عبد المطلب: "هذه الخطوة تهدف إلى تقليل الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي على الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل. لكن التحول إلى الدعم النقدي يجب أن يرافقه دراسات حقيقية وموسعة للتعرف على دخل الأسر، ووجود بيانات متكاملة بشأن معدلات الفقر والفقراء".

ويستطرد: "إذا كان هناك رؤية حقيقة لتحويل الدعم العيني إلى نقدي، يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات متكاملة حول الفقراء في مصر، والتي ستسهم بدورها في القضاء على الفساد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، فمثلا الأموال المخصصة لدعم السلع التموينية لا يصل منها إلا 20 بالمئة فقط للمستحقين".

"معركة الدولار والجنيه".. ثلاثة سيناريوهات لأزمة النقد الأجنبي في مصر
رغم التدفقات المليارية الدولارية التي دخلت مصر خلال الفترة الماضية، وتوحيد سعر صرف الجنيه أمام الدولار في السوق الرسمية والموازية، تتوقع مؤسسة اقتصادية دولية "تراجع قيمة العملة المصرية أمام نظيرتها الأميركية مرة أخرى"، فهل يمكن أن يحدث ذلك؟ ولماذا؟ وما تداعيات ذلك السيناريو؟

فيما يعتبر خضر أن التحول إلى الدعم النقدي سيكون طريقة فعالة لتحسين المعيشة وتعزيز القدرة الشرائية للأسر المستهدفة. لكنه يقول: "إن ذلك يجب أن ينفذ بحذر وبشكل متوازن، مع وضع آليات رصد وتقييم فعالة للتأكد من وصول الدعم النقدي إلى المستحقين الفعليين وتلافي أي تجاوزات أو انحرافات".

ويضيف خلال حديثه: "تجربة (تكافل وكرامة) الحالية تواجه تحديات تنفيذية وتنظيمية، ومن المهم تقييم البرنامج واستخلاص الدروس المستفادة منه لتحسين تنفيذ وتوجيه الدعم في المستقبل".

ومنذ سنوات تقريبا تنفذ مصر برنامج "تكافل وكرامة"، الذي تقدم الحكومة من خلاله مساعدات نقدية مشروطة لمساعدة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجا، وفق ما تقول وزارة التضامن الاجتماعي. لكن عدة تقارير محلية تشير إلى "وجود بعض أشكال الفساد والمحسوبية في المحليات، تحول دون وصول الدعم إلى مستحقيه".

التراجع عن الإصلاحات؟

اتفق الخبراء خلال حديثهم على صعوبة أن تتراجع الحكومة المصرية عن الإصلاحات والتعهدات التي اتفقت عليها مع صندوق النقد، حيث سيكون لذلك تأثيرات عكسية على الظروف الاقتصادية في البلاد. ويقول عبد المطلب: "إذا لم تتمكن مصر من الوفاء بتعهداتها، فسنعود إلى نفس المشاكل السابقة".

ويضيف: "برنامج مصر مع صندوق النقد يشترط إجراءات تنفذ على الأرض مقابل الإفراج عن الشرائح. وبالتالي مسألة الاكتفاء بالتعهدات لم تعد كافية حتى يقوم صندوق النقد الدولي بتوفير التمويل والإفراج عن الشرائح التمويلية المتفق عليها".

وتسلمت مصر في نهاية مارس الماضي، شريحة من صندوق النقد الدولي بنحو 820 مليون دولار، ومن المقرر أن تتم المراجعة ربع السنوية المقبلة بحلول نهاية يونيو 2024، التي ستحصل بموجبها مصر على شريحة جديدة بنحو 820 مليون دولار.

ويقول خضر لموقع الحرة: "التراجع عن أي إصلاحات يمكن أن يؤثر سلبا على وضع الاقتصاد، حيث إن عكس الإصلاحات بشكل غير مدروس، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الديون العامة وتفاقم الصعوبات الاقتصادية بالبلاد".

بدوره، يعتبر أبو علي أن ليس هناك أي احتمالية لتراجع بلاده عن الإصلاحات، ويقول: "هذا البرنامج وضعته مصر وتم التوافق عليه مع صندوق النقد، بعد مناقشات استمرت لفترات طويلة".

ومن المقرر أن يجري صندوق النقد الدولي، مراجعات كل 6 أشهر مع السلطات المصرية لتقييم التقدم المحرز فيما يتعلق بالإصلاحات التي تم الاتفاق عليها في البرنامج، على أن تتم المراجعة الأخيرة في خريف عام 2026.