مواطنون تخلوا عن توزيع كراتين رمضانية بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية
مصريون تخلوا عن توزيع كراتين رمضانية بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية (صورة تعبيرية)

بدأت الحكومة المصرية خلال الأيام الأخيرة في توجيه اهتمامها الأكبر نحو توفير السلع والمواد الأساسية قبل دخول شهر رمضان مارس المقبل، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية وارتفاع أسعار دفع بعض المواطنين إلى الابتعاد عن عادة رمضانية سنوية.

المصريون لديهم عادة سنوية تسبق شهر رمضان (يتوقع أن يبدأ 11 مارس 2024)، تتمثل في توزيع سلات غذائية تعرف باسم "شُنَط رمضان" على المواطنين الفقراء الأكثر حاجة للسلع الأساسية في الدولة البالغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة.

لكن الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها القاهرة جعلت بعض المصريين يتخلون عن هذه العادة ورفعت من الأعباء على الجمعيات الخيرية التي تعمل في هذا المجال.

وتعاني مصر واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها بعدما سجل معدل التضخم السنوي مستوى قياسيا جديدا ناهز الـ 40 بالمئة في سبتمبر الماضي، قبل أن يتراجع حاليا إلى 35.2 بالمئة.

وتضاعفت ديون مصر الخارجية أكثر من 3 مرات في العقد الأخير لتصل إلى 164,7 مليار دولار، وفقا للأرقام الرسمية، بينها أكثر من 42 مليار دولار مستحقة هذا العام.

وتحدث موقع "الحرة" مع مواطنين مصريين ومؤسستين خيريتين لمعرفة تداعيات الأزمة على عملهم، وأكد القائمون عليها أن أسعار السلع التي يوزعونها على المحتاجين خلال شهر رمضان أو غيره، زادت بدرجة كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي الحالي، بل وأيضا زادت أعداد المستحقين أو المتقدمين للحصول على مثل هذه المساعدات.

فقراء أكثر وأزمة أكبر

وأرجع مواطنون تحدثوا لموقع "الحرة" ابتعادهم عن عادة "كراتين رمضان" إلى الارتفاع الكبير في أسعار السلع، بجانب تأثير الأزمة الاقتصادية عليهم بشكل خاص ما جعل من الصعب اقتطاع جزء كبير من رواتبهم وتوجيهها بالكامل إلى هذا الأمر.

وقال إسلام محمد، وهو مواطن في منتصف الثلاثينات من عمره اعتاد على التعاون مع أصدقائه، لتعبئة وتوزيع كراتين رمضانية، إنه توقف عن الأمر بسبب ارتفاع الأسعار والضغوط المادية التي يواجهها.

ولفت في حديثه لـ "الحرة" إلى أن الأمر لا يتعلق بشهر رمضان فقط، بل يمتد إلى طقوس عيد الأضحى فبعدما اعتاد مع أسرته على ذبح عجل كأضحية وتوزيع لحومها على الفقراء، ساهمت الأزمة الاقتصادية وغلاء الأضاحي في توقفهم عن الأمر.

وكانت وزارة التموين والتجارة الداخلية في مصر، أعلنت خلال منتصف فبراير، انطلاق معارض "أهلا رمضان"، بحد أدنى 3 معارض في كل محافظة بجانب وجود ما يعرف محليا بـ "شوادر" وسيارات متنقلة ومنافذ لبيع السلع الأساسية بأسعار مخفضة.

لكن خلال افتتاح وزير التموين، علي المصيلحي، لأحد تلك المعارض في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، هتف مواطنون ضده بسبب عدم توفر السلع وغلاء الأسعار، ما أجبره على مغادرة المكان.

وتزامن ذلك مع إعلان رئاسة الجمهورية في مصر، رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في الدولة بنسبة 50 بالمئة ليصل إلى 6 آلاف جنيه شهريا (193.88 دولار).

وقال محمد جندي، وهو مواطن مصري يعيش في القاهرة، إنه اعتاد بمعية بعض من المعارف والأصدقاء على المشاركة في تجميع وتوزيع حقائب رمضانية مليئة بالسلع، لكنهم توقفوا هذا العام بسبب الغلاء الكبير في الأسعار.

ويأتي التضخم في مصر مدفوعا بتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار ونقص احتياطيات العملة الأجنبية لبلد يعتمد على الاستيراد من الخارج لتأمين حاجياته الأساسية.

وتعود آخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر حول معدلات الفقر إلى ديسمبر 2020 عندما كانت عند عتبة 29.7 بالمئة.

ولكن في أكتوبر 2023، توقعت دراسة مستقلة لمستشارة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، هبة الليثي، أن ارتفاع مستوى الفقر في العام المالي 2022/2023، إلى 35.7 بالمئة.

واعتبرت تلك الدراسة أن خط الفقر في مصر يبلغ 1478 جنيها شهريا (نحو 47.76 دولار وفق السعر الرسمي)، في حين يصل خط الفقر المدقع لمن لا يتجاوز مدخوله الشهري 1069 جنيها (34.54 دولار)، علما بأن خط الفقر الدولي عند 2.15 دولار للفرد في اليوم، ما يعني هذا أن مَن يعيش على أقل من هذا المبلغ يوميا يُعد فقيرا فقرا مدقعا، بحسب البنك الدولي.

وفي ندوة حول الدراسة، توقعت أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية، عالية المهدي، أن نسبة الفقر المتوقعة في عام 2025 تصل إلى 36 بالمئة، مشيرة إلى أن التقديرات توضح أن الفقراء يشكلون في عام 2023 نحو 33.3 بالمئة من إجمالي السكان مقابل 29.5 بالمئة عام 2019.

ويعني ذلك أن نحو 37 مليون شخص يعيشون حالة فقر في عام 2023، بحسب ما نقله موقع "القاهرة 24" المحلي حول تفاصيل الندوة.

مؤسسات خيرية تكافح

المؤسسات الخيرية التي تقدم المعونات للفقراء في مصر تكافح هي الأخرى، خاصة في شهر رمضان الذي يزداد فيه الطلب على المواد الغذائية مع استمرار الأزمة الاقتصادية.

وتدعو جميعة "الأورمان" الخيرية في مصر، المواطنين إلى التبرع للمساهمة في توفير "كراتين رمضانية" للأسر الفقيرة في جميع أنحاء البلاد.

وتظهر أن الكرتونة التي تزن 10 كيلوغرامات من السلع الأساسية تكون بقيمة 455 جنيها (14.70 دولار)، بينما الكرتونة التي تزن 14 كيلوغراما تصل قيمتها إلى 645 (20.84 دولار). يعني ذلك أن راتب موظف بالحد الأدنى للأجور (6 آلاف جنيه) يمكنه توفير 9 كراتين فقط من وزن 14 كيلوغراما.

وقعت مصر والإمارات مشروع تطوير رأس الحكمة في فبراير
مشروع "رأس الحكمة".. "فرصة أخيرة" أمام اقتصاد مصر
بعد إعلان مصر لصفقة استثمارية ضخمة مع الإمارات، سرعان ما انخفض سعر الدولار الأميركي أمام العملة المحلية في السوق السوداء بواقع بضعة جنيهات، ما فتح التساؤلات بشأن قدرة مثل هذه المشاريع على معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها القاهرة.

وقال مدير عام جمعية "الأورمان"، ممدوح شعبان، في تصريح لموقع "الحرة"، إنهم يعملون على توزيع مليون كرتونة مواد غذائية على مليون أسرة في جميع أنحاء البلاد، ويتواصلون مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية حتى لا تستفيد أسرة بأكثر من مرة.

وواصل حديثه بالقول إن تلك الكراتين تشمل سلع مثل الأرز والمعكرونة والسكر وغيرها من المواد الأساسية، لكنها في الأغلب لا تشمل اللحوم. كما أوضح أن تكلفة الكرتونة الواحدة ارتفعت بسبب التضخم بنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 40 بالمئة عن العام الماضي.

يذكر أن مصر أعلنت عن صفقة استثمارية كبرى يدخل بموجبها خزينة الدولة نحو 35 مليار دولار خلال شهرين، وهي الاتفاق مع الإمارات على تطوير مشروع "رأس الحكمة" على ساحل البحر المتوسط شمال غربي البلاد.

وتوقعت المهدي في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" أن تؤثر هذه الأموال على الأسعار ويشعر بها المواطن خلال فترة من 6 أشهر إلى عام.

مؤسسة "أبواب الخير" تعمل، من جانبها، على توفير "شنط رمضان ومساعدات غذائية ونقدية" خلال الشهر المقدس لدى المسلمين هذا العام، وذلك لما يقرب من 4400 أسرة في 19 محافظة بتكلفة تصل إلى 3.3 مليون جنيه.

وقال المدير التنفيذي للمؤسسة، هيثم التابعي، لموقع "الحرة"، إنهم يواجهون تحديا دائما "يتمثل في تراجع التبرعات كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في مصر، بجانب ارتفاع أسعار السلع".

وأضاف: "نوفر ما يطلق عليه كوبونات (بطاقات) قيمتها كانت في الماضي 300 جنيه، وحاليا نحتاج إلى أن تصل إلى 500، ما زاد التكلفة بشكل عام علينا". وتلك البطاقات توفرها المؤسسات الخيرية للمحتاجين ليشتروا بها سلعا بما يعادل قيمتها.

كما أشار التابعي إلى أن "حجم التبرعات تراجع كثيرا، كما زاد عدد المستحقين، فتضاعف عدد المتقدمين للحصول على مساعدات 3 مرات خلال الفترة الأخيرة"، موضحا: "لم نصل إلى حد وقف العمل أو رفض حالات".

لكن مدير المؤسسة الخيرية، أكد أنهم أوقفوا أي خطة "لتوسيع العمل أو زيادة عدد المستحقين في محافظات جديدة، وذلك منذ ديسمبر"، مضيفا: "آخر 3 أشهر بالتحديد كانت صعبة جدا على الناس، وزاد احتياجهم، وباتت ميزانية أي تحرك نقوم به الضعف على أقل تقدير".

أما شعبان، فقال إن عدد المستحقين وفق إحصائيات تجريها جمعيته زاد مقارنة بالعام الماضي، "لكن التبرعات زادت أيضا، لأن المصري إنسان مسؤول وخيّر رغم الأزمة الاقتصادية".

متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا
متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا

في السادس من مارس الماضي، سمح البنك المركزي المصري بانخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60 بالمئة، لتنفيذ إصلاح اقتصادي طالما طالب به صندوق النقد الدولي القاهرة، منذ الاتفاق على برنامج تمويلي قبل عام ونصف العام تقريبا.

وجاءت خطوة البنك المركزي لتخفيض العملة المحلية إلى نحو 49.5 جنيه للدولار الواحد من مستوى 30.85 الذي أبقاه عنده في الشهور السابقة، في أعقاب الاتفاق مع دولة الإمارات على ضخ 35 مليار دولار استثمارات مباشرة، لتنمية منطقة "رأس الحكمة" على البحر المتوسط بشمال غرب البلاد، وهي الأموال التي اعتبرت القاهرة أنها ستساعد في حل أزمة نقص العملات الأجنبية التي انتعشت بفضلها السوق الموازية في الأشهر الماضية.

ونتيجة لذلك، أعلنت الحكومة وصندوق النقد الدولي، توصلهما إلى اتفاق لزيادة حجم التمويل ضمن البرنامج الذي اُتفق عليه في ديسمبر 2022، ليزيد من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات.

ويقول صندوق النقد الدولي إن أهم الإصلاحات الاقتصادية ضمن البرنامج، تشمل التحول إلى نظام سعر صرف مرن، وتشديد السياسة النقدية وسياسة المالية العامة، وإبطاء الإنفاق على البنية التحتية للحد من التضخم، والمحافظة على استدامة القدرة على تحمل الديون، مع تعزيز بيئة تمكن القطاع الخاص من ممارسة نشاطه.

ويضيف وفق بيان نشر على موقعه الإلكتروني: "ستساعد هذه السياسات في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي، واستعادة الثقة، كما ستمكن مصر من مواجهة التحديات التي اقترنت بالصدمات الخارجية في الآونة الأخيرة".

بعد قرارات الحكومة.. ما السر وراء ازدياد تحويلات المصريين؟
ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج منذ الخفض الأخير في العملة المحلية، وذلك بعد انهيار للسوق السوداء التي طالما التهمت الحجم الأكبر من أموال المصريين في الخارج بعيدا عن القطاع المصرفي الرسمي، في خطوة اعتبر اقتصاديون أنها إيجابية لكن لا يمكن الحكم عليها في ظل استمرار هذه الزيادة لأيام قليلة حتى الآن.

الأزمة لم تنته

ويعتبر خبراء تحدثوا مع موقع "الحرة"، أن الأزمة الاقتصادية بالنسبة لمصر "لم تنته بعد"، وأن هناك المزيد من التحديات والمتغيرات التي قد تؤثر على آفاق الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.

وفي حديثه مع موقع الحرة، يقول الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، إن "ما حدث بعد الاتفاق على صفقة رأس الحكمة يشبه ذوبان قمة جبل الثلج. لكن الكثير من الأمور لا تزال غير واضحة".

ويضيف: "الحكومة حتى الآن في مرحلة تمهيدية.. صحيح البعض يتحدث عن نوع من الاستقرار في سوق الصرف، واختفاء المضاربة في السوق السوداء على الدولار، لكن هذه ليس المرة الأولى، فقد حدث هذا الأمر عام 2016 حينما تم تنفيذ إصلاحات مشابهة لسعر الصرف، ثم تجددت الأزمة مرة أخرى قبل عامين".

ويرى عبد المطلب أن "من المبكر الحديث عن انتهاء الأزمة، خصوصا في ظل تعهد الحكومة بالمزيد من التدابير الاقتصادية لإصلاح الخلل في ميزان المدفوعات المصري، ومنظومة الدعم".

ويؤكد هذا أيضا الخبير الاقتصادي، السيد خضر، الذي يقول إن "التحول الاقتصادي يستغرق وقتا وجهودا مستمرة لتحقيق نتائج إيجابية قابلة للقياس"، مشيرا إلى أن "مصر تواجه منذ عقود تحديات كبيرة فيما يتعلق بارتفاع التضخم والبطالة، وتصاعد مستويات الدين العام".

ويتابع لموقع الحرة: "الحكومة المصرية تنفذ برامج إصلاح اقتصادي شامل بهدف تحسين الوضع وتعزيز النمو المستدام، ومع ذلك فإن هذه الإصلاحات قد تواجه عدة عوائق".

ومن بين العوائق المحتملة التي يمكن أن تقف أمام الإصلاحات، "المقاومة السياسية أو الاجتماعية" للتغيير، حسب خضر، مشيرا إلى أنها "قد تحد من تنفيذ الإصلاحات، خاصة المتعلقة بتخفيض الدعم".

صندوق النقد يكشف توقعاته للتضخم في مصر.. ويتحدث مجددا عن "دعم الوقود"
قالت مسؤولة بصندوق النقد الدولي، الاثنين، إن المراجعة المقبلة لبرنامج قرض الصندوق لمصر من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية يونيو، وهو الوقت الذي ستتمكن فيه سلطات البلاد من سحب 820 مليون دولار أخرى، وذلك بعد الاتفاق الشهر الماضي على زيادة حجم برنامج القرض.

على النقيض، يعتقد الباحث الاقتصادي أحمد أبو علي، أنه لا "توجد عوائق فيما يتعلق بتطبيق الإصلاحات. لكن قد يتطلب الأمر آليات تطبيق واضحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإجراءات التي تمس المواطنين ومنظومة الدعم وأسعار السلع".

ويضيف لموقع الحرة: "شروع مصر في تعويم العملة والاتفاق بعد ذلك مع صندوق النقد على زيادة حجم التمويل، ساهم في استقرار الاقتصاد المصري بشكل نسبي".

ويعتبر أبو علي أن بلاده "ليست الوحيدة" التي تواجه تحديات اقتصادية، ويقول: "العالم أجمع أمام تحديات مستمرة في ظل الأزمات السياسية العالمية المتلاحقة في أوكرانيا وغزة، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم.. ليست هناك دولة واحدة لا تواجه تحديات أو أزمة اقتصادية".

المزيد من الإصلاحات "الصعبة"

ويشدد صندوق النقد الدولي على أن دعم أسعار البنزين في مصر "تصب بشكل رئيسي في صالح الأغنياء على حساب الفقراء" الذين لا يملك معظمهم سيارات، وفق وكالة رويترز.

وفي مؤتمر صحفي قبل أسبوعين تقريبا، تحدثت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، عن ضرورة تنفيذ السلطات إصلاحات فيما يتعلق بدعم الوقود، واستبداله بالإنفاق الاجتماعي الموجه للأسر الأكثر احتياجا.

وتظهر بيانات موازنة العام المالي الحالي 2023/2024 أن مصر رفعت الدعم المخصص للطاقة والمواد البترولية والكهرباء بنسبة 150 بالمئة تقريبا، من 48 مليار جنيه (1.01 مليار دولار) إلى 119.4 مليار جنيه (2.52 مليار دولار).

ويؤكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في أكثر من مناسبة، أن الحكومة المصرية تعمل على ترشيد الدعم ضمن خطط تقليل الإنفاق من أجل إصلاح الاقتصاد.

معاناة المواطن

ويتوقع الخبراء خلال حديثهم مع موقع الحرة، إقدام الحكومة المصرية على المزيد من التدابير الاقتصادية خلال سنوات الاتفاق مع صندوق النقد، من أجل ترشيد الدعم، خاصة فيما يتعلق بالمحروقات والكهرباء وبعض الخدمات الحكومية، مما يؤثر على الأوضاع المعيشية في البلاد.

ويقول عبد المطلب إن "ما تعهدت به مصر من إجراءات صعبة يتوافق مع رؤية صندوق النقد الدولي، خصوصا فيما يتعلق بإلغاء الدعم كليا، بما في ذلك دعم الوقود والكهرباء".

ويتابع: "إلغاء الدعم أو رفع أسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة أو تحتكرها، من مترو الأنفاق والسكك الحديدية والكهرباء والغاز والمياه، سيزيد بالتبعية من معاناة المواطن المصري".

ويرى عبد المطلب أن "المواطن المصري حاليا يحاسب طبقا للأسعار العالمية ولا يمكن زيادة الأسعار بأي شكل؛ لأنه عند حساب الأسعار التي يدفعها المواطن مقابل الكهرباء أو الوقود أو المواصلات يجب مراعاة القوة الشرائية للجنيه، وما يستطيع أن يدفعه مقابل حصوله على السلع والخدمات".

ويستطرد عبد المطلب: "يتراوح متوسط الأجور في مصر بين 100 و120 دولارا شهريا، لذلك لا يمكن أن يحاسب بالأسعار التي يحاسب بها المواطن في أوروبا، الذي يتقاضى هذا الأجر خلال يوم عمل أو أقل من ذلك".

وبلغ معدل التضخم في مصر، التي يعاني ثلث سكانها تقريبا من الفقر، نحو 33.7 بالمئة في مارس الماضي، وفق ما أظهرت بيانات البنك المركزي قبل أيام. فيما يقول البنك الدولي إن مصر من بين البلدان العشر الأكثر تضررا من تضخم الغذاء في العالم.

ورفعت الحكومة المصرية مؤخرا الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص إلى 6000 جنيه شهريا (126.49 دولار)، فيما يشتكي مواطنون يعملون بالقطاع الخاص من رفض بعض الشركات زيادة الحد الأدنى من المستوى السابق عند 3500 جنيه شهريا (73.78 دولار).

بدوره، يتفق خضر مع ما يقول عبد المطلب، ويوضح: "من المهم أن يتم تنفيذ إصلاحات الدعم بشكل تدريجي ومتوازن، مع وضع آليات للتخفيف والحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرا".

ويجب أن تراعي الحكومة في مصر الآثار الاجتماعية المحتملة لهذه الإجراءات" حسب خضر، الذي يضيف: "ومن الضروري تعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين لشرح الأسباب والفوائد المرتقبة للإصلاحات".

ويؤكد أبو علي على وجود "إجراءات تقشفية" اتفقت عليها مصر مع صندوق النقد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، لكنه يقول إن الحكومة "لديها قدر من الحكمة للتعامل في هذا الملف، لأنه يمس فئة كبيرة من المجتمع، خصوصا أنها رفضت في أكثر من مناسبة توصيات صندوق النقد بشأن إلغاء الدعم بشكل كامل عن المحروقات".

ويستطرد: "حتى لو كانت هناك موافقة على تقليص برامج الدعم العيني، فهي بكل تأكيد ترتبط بالخطط المالية المستقبلية لتحويلها إلى دعم نقدي للأسر الأكثر احتياجا. وما هو قائم قبل اتفاق صندوق النقد الدولي لن يتم المساس به".

ويستبعد أبو علي اتجاه الحكومة المصرية لإلغاء دعم الكهرباء بشكل كامل، لكنه يشير إلى أنه "حتى في الجولات الأخيرة من رفع أسعار الكهرباء أو حتى المحروقات، كان هناك تقبل من الرأي العام لهذه الخطوات، كما هو الحال مع قرار التعويم والاتفاق مع صندوق النقد".

وفي مطلع العام الحالي، قررت مصر رفع أسعار الكهرباء بنسب تتراوح ما بين 16و 26 بالمئة اعتبارا من بداية يناير وحتى نهاية يونيو المقبل.

كما قررت وزارة البترول المصرية قبل نهاية مارس الماضي، زيادة أسعار المحروقات للمرة التاسعة في 3 أعوام، حيث رفعت أسعار البنزين بمختلف أنواعه بنسبة 10 بالمئة، وسعر السولار بنسبة 21 بالمئة إلى 10 جنيهات (0.21 دولار) من 8.25 جنيه (0.17 دولار)، وسعر أسطوانة غاز الطهي بنسبة 33 بالمئة إلى 100 جنيه (2.11 دولار) من 75 جنيها (1.58 دولار).

وفي كل الأحوال "يعاني المواطن المصري"، سواء كان هناك تحرير لأسعار الطاقة أم لا، حسب عبد المطلب، الذي يقول: "الدخل في مصر منخفض للغاية ومهما حاولت الدولة إصلاحه في الوقت الحالي، فإنه سيتراجع مع أول انخفاض في قيمة الجنيه أمام الدولار، وسيفقد كل ما تم من إجراءات زيادة الأجور. وبالتالي يستمر عدد الفقراء في التزايد".

ويتابع: "صحيح أن هناك مؤشرات على تراجع معدلات الفقراء، لكن أعدادهم تتزايد مقارنة بأعداد السكان، لأن معدل الفقر حاليا تقريبا 30 بالمئة، ونحن نتحدث عن 30 مليون فقير مقارنة بنحو 28 مليونا في عام 2017 حينما كان عدد السكان 80 مليون نسمة ونسبة الفقر 35 بالمئة تقريبا".

ومنذ 4 أعوام، لم تنشر السلطات المصرية بيانات الفقر في البلاد. وكان آخر تحديث نشره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتقرير "بحث الدخل والإنفاق" في عام 2020، والذي أظهر تراجع نسبة الفقر إلى 29.7 بالمئة من أعلى مستوى في نحو 18 عاما عند 32.5 بالمئة والمسجل في عام 2018.

وحينها كان خط الفقر للفرد في مصر، وفق "بحث الدخل والإنفاق"، نحو 857 جنيها للفرد شهريا (55 دولارا بأسعار الصرف في نهاية 2020، و18 دولارا بأسعار الصرف الحالية).

شبكة الحماية الاجتماعية

يؤكد صندوق النقد الدولي على ضرورة أن تقوم مصر بتحويل الدعم العيني للمحروقات والكهرباء إلى دعم نقدي من خلال برامج شبكة الحماية الاجتماعية، في ظل برنامج تكافل وكرامة وتوسيع نظام التأمين الصحي الشامل، إلى جانب التوسع في السجل الاجتماعي لتوجيه برامج الحماية الاجتماعية لمستحقيها على نحو أدق.

وتعليقا على ذلك يقول عبد المطلب: "هذه الخطوة تهدف إلى تقليل الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي على الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل. لكن التحول إلى الدعم النقدي يجب أن يرافقه دراسات حقيقية وموسعة للتعرف على دخل الأسر، ووجود بيانات متكاملة بشأن معدلات الفقر والفقراء".

ويستطرد: "إذا كان هناك رؤية حقيقة لتحويل الدعم العيني إلى نقدي، يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات متكاملة حول الفقراء في مصر، والتي ستسهم بدورها في القضاء على الفساد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، فمثلا الأموال المخصصة لدعم السلع التموينية لا يصل منها إلا 20 بالمئة فقط للمستحقين".

"معركة الدولار والجنيه".. ثلاثة سيناريوهات لأزمة النقد الأجنبي في مصر
رغم التدفقات المليارية الدولارية التي دخلت مصر خلال الفترة الماضية، وتوحيد سعر صرف الجنيه أمام الدولار في السوق الرسمية والموازية، تتوقع مؤسسة اقتصادية دولية "تراجع قيمة العملة المصرية أمام نظيرتها الأميركية مرة أخرى"، فهل يمكن أن يحدث ذلك؟ ولماذا؟ وما تداعيات ذلك السيناريو؟

فيما يعتبر خضر أن التحول إلى الدعم النقدي سيكون طريقة فعالة لتحسين المعيشة وتعزيز القدرة الشرائية للأسر المستهدفة. لكنه يقول: "إن ذلك يجب أن ينفذ بحذر وبشكل متوازن، مع وضع آليات رصد وتقييم فعالة للتأكد من وصول الدعم النقدي إلى المستحقين الفعليين وتلافي أي تجاوزات أو انحرافات".

ويضيف خلال حديثه: "تجربة (تكافل وكرامة) الحالية تواجه تحديات تنفيذية وتنظيمية، ومن المهم تقييم البرنامج واستخلاص الدروس المستفادة منه لتحسين تنفيذ وتوجيه الدعم في المستقبل".

ومنذ سنوات تقريبا تنفذ مصر برنامج "تكافل وكرامة"، الذي تقدم الحكومة من خلاله مساعدات نقدية مشروطة لمساعدة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجا، وفق ما تقول وزارة التضامن الاجتماعي. لكن عدة تقارير محلية تشير إلى "وجود بعض أشكال الفساد والمحسوبية في المحليات، تحول دون وصول الدعم إلى مستحقيه".

التراجع عن الإصلاحات؟

اتفق الخبراء خلال حديثهم على صعوبة أن تتراجع الحكومة المصرية عن الإصلاحات والتعهدات التي اتفقت عليها مع صندوق النقد، حيث سيكون لذلك تأثيرات عكسية على الظروف الاقتصادية في البلاد. ويقول عبد المطلب: "إذا لم تتمكن مصر من الوفاء بتعهداتها، فسنعود إلى نفس المشاكل السابقة".

ويضيف: "برنامج مصر مع صندوق النقد يشترط إجراءات تنفذ على الأرض مقابل الإفراج عن الشرائح. وبالتالي مسألة الاكتفاء بالتعهدات لم تعد كافية حتى يقوم صندوق النقد الدولي بتوفير التمويل والإفراج عن الشرائح التمويلية المتفق عليها".

وتسلمت مصر في نهاية مارس الماضي، شريحة من صندوق النقد الدولي بنحو 820 مليون دولار، ومن المقرر أن تتم المراجعة ربع السنوية المقبلة بحلول نهاية يونيو 2024، التي ستحصل بموجبها مصر على شريحة جديدة بنحو 820 مليون دولار.

ويقول خضر لموقع الحرة: "التراجع عن أي إصلاحات يمكن أن يؤثر سلبا على وضع الاقتصاد، حيث إن عكس الإصلاحات بشكل غير مدروس، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الديون العامة وتفاقم الصعوبات الاقتصادية بالبلاد".

بدوره، يعتبر أبو علي أن ليس هناك أي احتمالية لتراجع بلاده عن الإصلاحات، ويقول: "هذا البرنامج وضعته مصر وتم التوافق عليه مع صندوق النقد، بعد مناقشات استمرت لفترات طويلة".

ومن المقرر أن يجري صندوق النقد الدولي، مراجعات كل 6 أشهر مع السلطات المصرية لتقييم التقدم المحرز فيما يتعلق بالإصلاحات التي تم الاتفاق عليها في البرنامج، على أن تتم المراجعة الأخيرة في خريف عام 2026.