محاولات الناس للخروج إلى مصر من معبر رفح جعلهم في "أكبر سجن مفتوح في العالم" حسب تعبير منظمات حقوقية

بينما تمكن الشاب حسين المقيم في ألمانيا من إخراج زوجته من قطاع غزة عبر معبر رفح مقابل ثمانية آلاف دولار، لاتزال الشابة الفلسطينية عائشة المقيمة في مدينة إسطنبول تنتظر إدراج اسم أبيها ضمن كشوفات شركة "هلا للاستشارات والخدمات السياحية"، بعد دفعها 5 آلاف دولار.  

عمار كلفته النجاة مع شقيقته عشرة آلاف دولار عبر الشركة نفسها، لكن الغصّة لاتزال تلازمه، كون إخراج أمه وأبيه وبقية أفراد أسرته وعددهم 8 تتطلب دفع 40 ألف دولار أميركي، ناهيك عن مصاريف أخرى أو كما أطلق عليها: "دولارات تحت الطاولة". 

أما حسن وفرح، ولكل منهما عائلة في غزة تضم صغارا وكبارا، فيسعيان، عن بُعد حيث يقيمان في الولايات المتحدة، إلى إخراجهم من جحيم الحرب الدائرة هناك، لكن الأرقام والمبالغ المراد دفعها داخل مكتب "هلا" في القاهرة تجعلهما مكبّلين وعاجزين. 

يكشف موقع "الحرة" بناء على شهادات لخمسة أشخاص من قطاع غزة يتوزعون ما بين الولايات المتحدة والقاهرة وألمانيا وتركيا، عملية استغلال تتقاطع جميع خيوطها في مكتب شركة "هلا"، الكائن في شارع معز الدولة-مكرم عبيد بالعاصمة المصرية القاهرة.  

الحرب المستمرة منذ أشهر شردت الآلاف.

ويوثق استنادا لوثائق وتسجيلات اضطرار فلسطينيين إلى دفع مبالغ طائلة بآلاف الدولارات في مكتب الشركة المذكورة، من أجل إدراج أسماء أفراد عوائلهم ضمن الكشوفات التي تصدر من معبر "رفح" يوميا، وكخطوة أساسية لإخراجهم عبره، كونه شريان النجاة الوحيد. 

والتزاما بحق الرد، تواصل موقع "الحرة" مع "هلا" عبر بريدها الإلكتروني الرسمي، ولم يتلق ردا من جانبها حتى ساعة نشر هذا التحقيق. كما أرسلنا عبر البريد الإلكتروني طلبا للتعليق لمجموعة "عرجاني غروب" التي تتبع لها الشركة السياحية دون أي رد أيضا.

وحاولنا التواصل مع رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ضياء رشوان، للتعليق على هذه المعلومات إلا أنه لم يرد على اتصالاتنا الهاتفية.

أما الشيخ علي فريج، رئيس مجلس شيوخ القبائل العربية في سيناء، فقد أرسلنا له مجموعة من الأسئلة عبر واتساب يوم الأربعاء الماضي، فطلب بعض الوقت نظرا لكونه في "اجتماع حزبي"، إلا أنه لم يرد فعاودنا الاتصال به هاتفيا إلا أنه لم يرد.

جدير بالذكر أن الهيئة العامة للاستعلامات كانت قد نشرت بيانا في 10 يناير 2024، ردا على تقارير عن استغلال ما يطلق عليه بالمنسقين لفلسطينيين يحاولون الخروج من غزة عبر معبر رفح لقاء مبالغ مالية باهظة.

ويومها وصف البيان المعلومات حول تحصيل رسوم على المسافرين عبر منفذ رفح من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية بـ "ادعاءات كاذبة". 

وأوضح البيان أن "ما يتم تحصيله من الجهات الرسمية هو فقط الرسوم المقررة طبقا للقوانين المصرية المنظمة لعمل المعبر من قبل هيئة الموانئ البرية، وهي ثابتة ولم تطرأ عليها أية زيادة مطلقا". 

"الحرب جاءت.. وانخربت الدنيا"

قبل الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023، كانت "هلا" معروفة على نطاق واسع وكبير عند أهالي القطاع والغزاويين في الخارج على حد سواء، إذ كانت تقدم خدمة "تنسيق" تُدرج صنف منها تحت نطاق "vıp"، لمن يريد الدخول والخروج عبر معبر رفح بسهولة ودون معوقات.

ورغم أن عملية الدفع لقاء "الخدمة" ليست بجديدة على الداخلين والخارجين من أبناء غزة وعبر الشركة، تختلف المجريات الآن بالنظر إلى الرواية الرسمية المعلنة والحرب وتداعياتها، التي وصلت إلى حد الكارثة الإنسانية والمجاعة.

وتنفي مصر رسميا منذ اليوم الأول للحرب إغلاق معبر رفح، وتقول إنه مفتوح من جانبها أمام المساعدات الإنسانية، ولأكثر من مرة أكدت على فكرة أنها "مستهدفة من الإعلام الغربي"، وأن "التحصيل الرسمي وغير الرسمي لأية رسوم إضافية على القادمين من غزة مجرد مزاعم".

لكن الشهادات التي حصل عليها موقع "الحرة" تذهب باتجاه آخر، بينها رواية حسين أحد الشبان الغزاويين المقيمين في ألمانيا، والذي كان ينتظر لم شمله مع زوجته في مطلع نوفمبر 2023 "لكن الحرب جاءت.. وانخربت الدنيا"، على حد تعبيره. 

ومنذ اليوم الأول للحرب وما تبعها من قتل وتشريد وحركات نزوح كبيرة، وصولا إلى تجمّع من بقي على قيد الحياة في غزة برفح  والشاب يبحث عن طريقة لإخراج زوجته، رغم وجود عدد آخر من أفراد عائلته. 

وبعد اتصالات و"مبازرات" هنا وهناك تمكن من إخراجها عن طريق شركة "هلا"، قبل أسبوعين.  ويقول لموقع "الحرة" إن العملية "كلفته دفع 8 آلاف دولار أميركي"، بعدما قاد خطواتها ابن خاله المقيم في القاهرة.

"للفلسطيني سعر خاص" 

للشركة السياحية صفحة معروفة على "فيسبوك" وموقع رسمي أتاحت عبره نموذجا إلكترونيا للراغبين بالحجز الأولي. 

لكنها أغلقته قبل أسبوعين بسبب الاكتظاظ الحاصل أمام مقرها في شارع معز الدولة بالقاهرة، وهو ما وثقه تسجيل مصور حصل عليه موقع "الحرة". 

ومع ذلك تشير فرح وحسن وكذلك الشاب عمار إلى أن إغلاق التسجيل الأولي له "غايات أخرى"، مدللين بذلك إلى "عملية التنسيق الإكسترا" التي عرضت عليهم، ولا تزال قائمة حتى الآن. 

تضع الشركة عدة شروط غير معلنة أمام الفلسطينيين الراغبين بالتسجيل من خلالها، وبينها ذهاب أقرباء من الدرجة الأولى للأشخاص المراد إخراجهم من غزة إلى مكتبها، بناء على الشهادات التي وصلتنا. 

وهؤلاء الأقارب يراد منهم تقديم الوثائق من جوازات سفر وغيرها، ودفع المبالغ المالية المحددة بالدولار داخل مكتبها الكائن في القاهرة، قبل أن يتم تضمين أسمائهم في الكشوفات للخروج من المعبر. 

تفرض "هلا" على وضع اسم الفلسطيني في كشوفاتها الخاصة بالمرور من رفح مبلغا ماليا يفوق 5 آلاف دولار لمن تتجاوز أعمارهم 16 عاما وألفين و500 دولار لمن تقل عن ذلك، كما حالة الشاب عمار والشابة عائشة، خلافا للأرقام التي كانت تحددها كخدمة "تنسيق" قبل الحرب. 

ويوضح عمار أن خالته الموجودة في القاهرة اتجهت إلى مقر شركة "هلا" في القاهرة قبل أسبوعين، ودفعت 5 آلاف دولار أميركي عنه وذات الرقم عن شقيقته، وحصلت على فواتير موثقة تثبت ذلك، ووصلت نسخ منها لموقع "الحرة". 

وتشرح عائشة المقيمة في إسطنبول أن شقيقتها اتبعت ذات الآلية، واضطرت لدفع خمسة آلاف دولار في مقر الشركة الكائن في شارع معز الدولة، مقابل تسجيل اسم أبيها الموجود في رفح على قائمة الكشوفات.  وإلى تاريخ اليوم، تنتظر الشابة وضع اسم أبيها في قائمة كشوفات "هلا". 

وتضيف أن وصل الدفع الذي أعطاه لها الموظفين داخل مكتب الشركة ممهور بختمها وبرقم 600 دولار وفق نسخة اطلع عليها موقع الحرة، وليس المبلغ الحقيقي الذي استوفته الشركة والبالغ 5 آلاف دولار، على حد قولها. 

الشاب عمار من جانبه، يشير إلى أن عملية دخوله إلى مصر مع شقيقته استغرقت عشرة أيام منذ تاريخ دفع خالته المبلغ. 

ويقول لـ"الحرة" إن إيقاف التسجيل الأولي عبر موقع الشركة دفعه للتواصل مع "منسقين" كي يضمنوا له في وقت لاحق الدخول إلى المكتب، من أجل دفع المبالغ المخصصة لإخراج بقية أفراد عائلته. 

"الآن وعندما تذهب إلى الشركة نفسها يأخذون فلوس زيادة (أموال) لكي يقدّموا طلبك"، حسبما يتابع الشاب. 

ويشير إلى عروض تلقاها خلال الأيام الماضية من "سماسرة" ينتشرون أمام مكتب "هلا"، من أجل تمرير طلبه للموظفين داخل الشركة، وإتمام عملية التسجيل مقابل "مبلغ مالي من تحت الطاولة". 

ويوضح الشاب حسين الذي وصلت زوجته إليه في ألمانيا بالقول إنه "لا يوجد أحد يذهب إلى مكتب الشركة الآن ويدفع فقط 5 آلاف دولار.. هناك أشخاص بين الطوابير ويخبرون من يريد الدخول بإعطائه (حل) من منطلق أنهم يعرفون الموظفين داخل (هلا)". 

ويتابع حديثه: "زوجتي خرجت بعد دفعي 7 آلاف، بينما حصل موظف التسجيل داخل الشركة على ألف أخرى من ابن خالتي في وقت متأخر من الليل، لقاء وضع اسمها (زوجتي) في المقدمة لكي تتسرع عملية خروجها". 

"تنسيق فوق تنسيق" 

وكانت محاولات النزوح قد توقفت منذ أكثر من شهر عند الحدود المصرية حيث لا يخرج من معبر رفح سوى أعداد قليلة، مقارنة بنحو 2.1 مليون فلسطيني بات أغلبهم في مناطق قرب الحدود.  

وأجمع كل من تحدث إليهم موقع "الحرة" على فكرة أن المبلغ الذي تفرضه "هلا" أمام الفلسطينيين الراغبين بالخروج عبرها أصبح يزداد بشكل طردي، مع تفاقم المعاناة الحاصلة على الطرف الآخر من الحدود. 

صورة نشرتها شركة ماكسار تكنولوجيز للمنطقة الحدودية في رفح

وأكدت شهاداتهم أيضا أن إيقاف التسجيل الأولي عبر موقع الشركة فتح الباب أمام منسقين جدد. البعض منهم يتواجد أمام مكتبها الكائن في القاهرة، وآخر يقود عملية التسجيل مقابل الدفع الجديد عبر أرقام وحسابات منتشرة بكثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

هذه الحالة تكشفت بعد اتصال صوتي أجراه موقع "الحرة" مع أحد "المنسقين"، حيث طلب 200 دولار أميركي على كل جواز يتم تسجيله في "هلا" من خلاله، ودون الاضطرار للذهاب بشكل شخصي إلى مكتب القاهرة، قائلا إنهم يتعاملون مع "وسيط له حصة في الشركة".  كما أضاف أنهم "سيكملون العملية بطريقتهم الخاصة". 

المنسق أرسل صورة تعهد خطي من أجل التوقيع عليه (يورد اسم هلا) وشدد على ضرورة فعل ذلك، قبل الانتقال للمرحلة الثانية. كما بعث بفاتورة ممهورة بختم الشركة وتظهر عشر أسماء تم إدراجها حديثا ضمن الكشوفات. 

كما وعد بعد إتمام عملية الدفع عبر حساب بنكي بـ"إرسال كشف وفاتورة رسمية تضم أسماء المراد إدراجهم عبر معبر رفح ومن خلال كشوفات الشركة (هلا)". 

قبل أن يتم وضع اسم زوجته تحدث حسين أن ابن خالته كان يذهب على مدار أسبوع إلى مقر "هلا" من أجل التسجيل، ويُقَابل دون أي نتيجة بعبارة "اكتفينا. روح وتعال بكرا". 

لكن شيئا فشيئا اكتشف أن الدخول إلى الشركة بات محصورا عبر "منسقين"، مضيفا بالقول: "لا يسامحون لا صغير ولا كبير.. الافتراء اللي صاير حاليا مش طبيعي". 

أما الشاب عمار فيقول إنه بينما يواصل البحث عن طريقة لتسجيل أفراد عائلته: "يجب أن تدفع لأحد تحت الطاولة لتدفع على كل جواز 500 دولار.. لا مفر من الدفع كي تقدم طلبك الآن داخل الشركة". 

ويتابع: "أعرف كثيرا من الناس اضطروا لبيع ممتلكاتهم الخاصة كي يخرجوا. خالتي تدينت وخرجت. الناس ما معها وتبحث عن الأموال بأي طريقة..". 

"العرجاني الأب والابن" 

تأسست شركة "هلا للسياحة" لتسهيل السفر بين مصر وفلسطين، حسب نبذة تعريفية منشورة على "عرجاني غروب"، التي يترأس مجلس إدارتها رجل الأعمال المصري، إبراهيم العرجاني.  

في حين يتولى منصب المدير التنفيذي للمجموعة نجله عصام الدين العرجاني، الذي يلقب أيضا بـ"الكابتن"، كما يظهر في التعليقات على حسابه الشخصي في "فيسبوك". 

وتورد النبذة التعريفية أيضا أن "خبرتنا (في إشارة إلى هلا) الممتدة تتيح لنا تسهيل تأشيرات السفر ووثائق الإقامة لضمان عملية خالية من المتاعب لأولئك الذين يسعون للسفر". 

ليست "هلا" الوحيدة التي تديرها مجموعة "العرجاني"، بل هناك شركات أخرى مثل: "إتوس" المتخصصة في الحراسة والأمن و"أبناء سيناء للتجارة والمقاولات". 

إضافة إلى شركة "أبناء سيناء للتشييد والبناء" و"مؤسسة سيناء للخير والتنمية" التي يتم تشغيلها من قبل مركز الخدمات الوطنية المصري لاستخراج وتوريد الرخام الصناعي لتقليل استيراد الإمدادات الصناعية. 

 

وفي العام 2022 نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتس" تقريرا توصلت خلاصته الرئيسية إلى أن "القيود المفروضة على خروج الناس من معبر رفح جعلت الناس في غزة ضمن أكبر سجن مفتوح في العالم". 

بداية جديدة لمرحلة جديدة من تطوير أرض سيناء.

بداية جديدة لمرحلة جديدة من تطوير أرض سيناء. #ابراهيم_العرجاني

Posted by ‎ابراهيم العرجاني‎ on Sunday, November 5, 2023

وبينما "تقع المسؤولية الكبرى على إسرائيل كونها القوة المحتلة وتسيطر على الحدود وكذلك المجال البحري والجوي لغزة"، حسبما يعتبر أحمد بن شمسي، مدير التواصل والمرافعة بقسم الشرق الأوسط في "رايتس ووتش" إلا أنه لم يكن بوسع إسرائيل فعل ذلك بهذه الطريقة "لو لم تكن هناك مساعدة كبيرة من السلطات المصرية". 

وفي الواقع، "هناك طريقتان للخروج من غزة: إما تسجيل طلب الخروج عبر سلطات الحدود المصرية مباشرة وفق عمليات وصفتها الأمم المتحدة بالمرتبكة والغامضة"، وفق ما يقول بن شمسي لموقع الحرة. 

ويردف قائلا إن الطريقة الثانية تتمثل بالتسجيل غير الرسمي من خلال ما يسمى بـ"التنسيق" أي من خلال دفع مبالغ باهظة لوكالات سفر خاصة تقول إنها "تنسق" الرحلة مع السلطات المصرية. 

"علاقة بين سلطتين" 

يقول المسؤول في المنظمة الحقوقية إن أهالي غزة دائما ما كانوا يتجهون إلى الخيار الثاني أي التسجيل عبر وكالات السفر الخاصة، لتجنب الانتظار والرفض كون هذه الحالة "واردة". 

ويشير إلى أن الكثير من الوكالات تزعم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنها قادرة على ضمان السفر لمن يدفع خلال أيام قليلة، علما أن الطريق الأول (الرسمي) قد تستغرق عملية البت بالطلب أسابيع وربما أشهر بدون أي ضمان أن يقبل الطلب، ويُرفض في كثير من الأحيان. 

وخلال العقد الماضي، تراوحت التكلفة عبر وكالات السفر من عدة مئات إلى عدة آلاف من الدولارات الأميركية، وفق بن شمسي.

ويوضح أن تقرير "رايتس ووتش" الأخير ركز على إحدى هذه الوكالات الكائن مقرها في القاهرة، واسمها شركة "هلا"، وأنه وفقا لناشط حقوقي وصحفي حقق في القضايا وتحدث للمنظمة بشرط عدم الكشف عن هويته فإن للأخيرة "علاقات وثيقة بأجهزة الأمن المصرية". 

الأمر الأكثر إثارة هو أن "طاقم هلا يتكون إلى حد كبير من ضباط سابقين من الجيش المصري"، حسب حديث المسؤول في "راتيس ووتش".  

ويتابع: "لهذه الوكالة حسب مصادرنا علاقات برجل الأعمال المصري المعروف باسم إبراهيم العرجاني، والذي تربطه علاقات وثيقة بالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي بنفسه". 

ويعتبر العرجاني أحد رجال الأعمال المصريين القلائل الحاصلين على ترخيص لتصدير البضائع إلى غزة من مصر، وهو أحد قيادات قبيلة الترابين في سيناء. 

ويمتلك كذلك شركة تتولى الإدارة الحصرية لجميع العقود المتعلقة بجهود إعادة الإعمار في غزة، وفق تقرير لهيومن رايتس ووتش نشر في 14 يونيو 2022. 

ويتابع بن شمسي: "نتحدث عن رجل له علاقات وطيدة في هرم السلطة في مصر، سواء السلطة السياسية من رئيس الدولة أو السلطة العسكرية". 

"أنت تدفع ثمن حياتك!" 

"ما يحصل جريمة من جرائم الحرب، لأن الشركة مشاركة في المعاناة بالكثير من الانحطاط والاستغلال"، كما يقول الشاب حسين، معتبرا من جانب آخر أن حاله يكاد يكون أفضل من أولئك العاجزين عن دفع المبالغ الباهظة بآلاف الدولارات. 

ومن بين أولئك حسن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، ما دفعه لإطلاق حملة إلكترونية لتأمين 70 ألف دولار أميركي من أجل إخراج عائلته، المكونة من 15 فردا.  

ويقول لـ"الحرة" إن هذا الرقم لا يعني الخدمة الكاملة، وإنه "يشمل فقط إدراج أسمائهم من قبل شركة هلا على المعبر وتأمين نقلهم إلى الأراضي المصرية". 

لا تتوقف معاناة الشاب عند ذلك الحد فحسب، وفي حال أراد الذهاب من واشنطن إلى مصر من أجل التسجيل في مقر الشركة ستواجهه مشكلة ترتبط بإدخال المبلغ بالدولار عبر المطار، وأخرى تتعلق بكيفية دخوله إلى مكتب الشركة في ظل الطوابير المتشكلة أمامها"، على حد قوله. 

ويضيف: "الموضوع ليس فقط تسجيل الاسم ومن الخروج. لكي تصل وتسجل أسماء أفراد عائلته تكون قد دخلت في حلقة هامشية من الدفع والرشاوى والمحاولات". 

الشابة فرح والمقيمة في الولايات المتحدة الأميركية أيضا تواجه ذات الحالة المأساوية، وترى في حديثها لموقع "الحرة" أن ما يحصل "عبارة عن تجارة"، وهو استنتاج خلصت إليه بعد أسابيع من التواصل مع عدد المنسقين في محاولة لإخراج ذويها. 

لدى الشابة 6 أفراد من عائلتها داخل غزة، وبحسبة بسيطة أجرتها بعد التواصل مع "منسقين" والشركة المذكورة تفاجأت أنه يستوجب عليها دفع 22 ألف و500 دولار. 

ولا يشمل الرقم المذكور "المبالغ الإكسترا" التي يجب دفعها لـ"منسقين" كي يسهلوا عملية التسجيل داخل الشركة في ظل الاكتظاظ الحاصل أمامها، وفق الشابة الفلسطينية. 

وتعود بالوراء إلى ما قبل الحرب، وتؤكد أن "هلا" كانت موجودة ومعروفة، وأنها كانت خيارا لمن يريد الدخول والخروج عبر رفح، عن طريق دفع الأموال.  

لكن بعد الحرب تضاعفت الأرقام، وانعدم خيار النوم على المعبر والانتظار تجنبا للدفع واتخاذ خيار الخروج عبر الشركة المختصة بـ"التنسيق". 

وتضيف: "الآن يوما بعد يوم يزداد السعر ولا يوجد أي خيار آخر سوى أن تدفع كي تسافر.. الهروب من الموت لا يتم إلا بالدفع.. ما يحصل هو أن الناس تدفع ثمن حياتها!". 

"تجارة حرب" 

ويعتبر حسن أن ما يجري في رفح هو "تعطيل كل شيء بالمجان لكي تنحصر الأمور في الدفع فقط".

"خدمة كان ثمنها 300 دولار قبل الحرب لماذا تضاعف لتصل إلى 6 آلاف دولار أميركي؟"، يقول حسن. 

ويضيف طارحا تساؤلات: "من لديه 70 ألف دولار في غزة هل يقيم في خيمة؟.. عائلتي لا تملك ثمن إيجار غرفة. أحاول إخراجهم لكن أخي يخبرني بأن الموت أرخص من المبلغ المراد دفعه". 

الشاب عمار المقيم في القاهرة الآن أخبر موقع "الحرة" أن كثير من الناس الذين يعرفهم في غزة اضطروا لبيع ممتلكاتهم الخاصة لكي يجمعوا ثمن الخروج الذي تفرضه شركة "هلا". 

وكذلك الأمر بالنسبة للشاب حسين، معتبرا أن عمليات الاستغلال المرتبطة بـ"هلا" "جريمة من جرائم الحرب" الدائرة. 

ويضيف: "بدلا من تخفيف المعاناة يمصّون دماءنا ويأخذون تحويشة عمرنا. من لديه أموال وفي حال بقي في غزة سيموت.. ولذلك يدفع ويخرج بكرامته". 

"المال يفعل كل شيء" 

مع بداية السماح بالخروج أوائل الحرب، كانت تُعلق في معبر رفح قائمتان: "الرعايا الأجانب"، وقائمة الجوازات المصرية.

وبعدها، أصبح هناك 3 قوائم: "الرعايا الأجانب" و"الخارجية" وقائمة "هلا"، وهو ما توضحه القوائم الاسمية التي يتم نشرها بشكل يومي على الصفحات الرسمية الخاصة بمعبر "رفح" وتحقيق سابق لموقع "مدى مصر". 

قوائم المغادرين وفق تحقيق سابق لموقع "مدى مصر"

ورغم أن اسم "هلا" لم يكن يتردد قبل بداية العام، حيث كانت الأضواء مسلطة على "المنسقين" الفرديين يعتقد من تحدث إليهم موقع "الحرة" أنها كانت في الكواليس. 

وأصبح "التنسيق" محصورا بها الآن، نظرا للاندفاعة الكبيرة الحاصلة للراغبين بالخروج، في ظل التهديدات الإسرائيلية بتنفيذ عملية عسكرية في رفح المكتظة بالنازحين داخليا. 

ورفح التي كان عدد سكانها 250 ألف نسمة تكتظ الآن بـ1.5 مليون شخص اضطر غالبيتهم إلى النزوح إليها سعيا للأمان، حسب مسؤولي الأمم المتحدة

وكانوا قد حذروا قبل أسابيع من احتمال تنفيذ عملية هجومية واسعة النطاق بالمدينة وآثارها المدمرة على المدنيين. 

وقال منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة، مارتن غريفيثس، إن "العمليات العسكرية في رفح قد تؤدي إلى مذبحة في غزة، وقد تترك العملية الإنسانية الهشة بالفعل على أعتاب الموت".  

وفي غضون ذلك، يواجه النازحون ظروفا مزرية داخل آلاف الخيام المنتشرة في جميع أنحاء المدينة، حتى إن الأرصفة ازدحمت بتلك الخيام.  

كما تحولت الطرق الرئيسية إلى أسواق مكتظة، تعكس العجز في جميع جوانب الحياة والاحتياجات اليومية للنازحين. 

وقبل أن تندلع الحرب كان لـ"هلا" وكلاء في غزة، الأولى هي شركة "المشتهى" و"حمد ستار". 

لكن بعدها انقطعت هذه العلاقة، حسب مراسلة أجراها موقع "الحرة" مع الشركة الأولى عبر تطبيق واتساب، إذ قالت إن "التسجيل للخروج عبر رفح محصور فقط بنفس الشركة (هلا)". 

لكن التواصل مع شركة سياحية أخرى تحمل اسم "شركة أسامة محمد مشتهى للسياحة والسفر وشؤون الحج والعمرة" فتح باب تنسيق عبر رفح بمبلغ باهظ جدا، ويصل إلى حد 12 ألف دولار للشخص الكبير و2500 دولار للطفل الواحد. 

وتواصل موقع الحرة على الرقم الموجود على صفحة "شركة أسامة محمد مشتهى للسياحة والسفر وشؤون الحج والعمرة" في فيسبوك، ليرد شخص عرف عن نفسه بأنه مدير الشركة المذكورة. 

وقال إن "العملية المذكورة (تنسيق خاص) وليس عن طريق (هلا) التي تفرض شروطا خاصة بها"، وأضاف: "الدفع يكون في غزة والتنسيق عن طريقنا كشركة. أنا أتابع التنسيقات بشكل شخصي. بعد يوم واحد من الدفع تحسب سبعة أيام ومن ثم تدرج الأسماء في الكشوفات". 

ويعتبر الشاب حسن أن "ما يحصل تجارة حرب من الدرجة الأولى وضد كل قوانين العالم". 

ويشير إلى قصة ابنة خالته التي سافرت قبل أسبوع من رفح دون أن تحمل جواز سفر، مسلطا الضوء على هذه الحالة وكيف يمكن عبور الحدود بين دولتين بلا وثائق رسمية.  

ويقول: "هذا يعطي انطباعا بأن المال يفعل كل شيء لا يمكن فعله.. الناس تبيع ممتلكاتها كي توفر ثمن التنسيق للوصول إلى مصر حيث لا وجود للقتل.. دون أن يعني ذلك غياب الاستغلال ومص الدماء". 

الخارجية المصرية: سنتخذ إجراءات بحق المتورطين

وكانت شبكة "سكاي نيوز" البريطانية نشرت الجمعة تحقيقا مماثلا عن استغلال مأساة الغزيين، وسألت وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إن كانت الحكومة المصرية تتغاضى عن فرض شركة "هلا" مبلغ 5000 دولار أميركي لكل فرد يحاول الخروج من قطاع غزة. 

كشوفات خروج من معبر رفح حصل عليها موقع الحرة

وردّ وزير الخارجية المصري: " بالطبع لا، سنتخذ الإجراءات اللازمة التي نراها ضرورية لمنع تلك الممارسات وإيقافها بشكل كامل."

فواتير مرتبطة بعملية الخروج من غزة حصل عليها موقع الحرة

وأضاف: " يجب أن لا يكون هناك أي استغلال للظروف الحالية في غزة من أجل تحقيق مكاسب مادية."
وردا على سؤال فيما إذا كانت الحكومة ستنظر في هذه الاتهامات، قال شكري: " هي فعلا بدأت النظر فيها وستتحذ إجراءات ضد المتورطين بهذه النشاطات."

متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا
متوسط الأجور في مصر يتراوح بين 100 و120 دولارا شهريا

في السادس من مارس الماضي، سمح البنك المركزي المصري بانخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60 بالمئة، لتنفيذ إصلاح اقتصادي طالما طالب به صندوق النقد الدولي القاهرة، منذ الاتفاق على برنامج تمويلي قبل عام ونصف العام تقريبا.

وجاءت خطوة البنك المركزي لتخفيض العملة المحلية إلى نحو 49.5 جنيه للدولار الواحد من مستوى 30.85 الذي أبقاه عنده في الشهور السابقة، في أعقاب الاتفاق مع دولة الإمارات على ضخ 35 مليار دولار استثمارات مباشرة، لتنمية منطقة "رأس الحكمة" على البحر المتوسط بشمال غرب البلاد، وهي الأموال التي اعتبرت القاهرة أنها ستساعد في حل أزمة نقص العملات الأجنبية التي انتعشت بفضلها السوق الموازية في الأشهر الماضية.

ونتيجة لذلك، أعلنت الحكومة وصندوق النقد الدولي، توصلهما إلى اتفاق لزيادة حجم التمويل ضمن البرنامج الذي اُتفق عليه في ديسمبر 2022، ليزيد من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات.

ويقول صندوق النقد الدولي إن أهم الإصلاحات الاقتصادية ضمن البرنامج، تشمل التحول إلى نظام سعر صرف مرن، وتشديد السياسة النقدية وسياسة المالية العامة، وإبطاء الإنفاق على البنية التحتية للحد من التضخم، والمحافظة على استدامة القدرة على تحمل الديون، مع تعزيز بيئة تمكن القطاع الخاص من ممارسة نشاطه.

ويضيف وفق بيان نشر على موقعه الإلكتروني: "ستساعد هذه السياسات في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي، واستعادة الثقة، كما ستمكن مصر من مواجهة التحديات التي اقترنت بالصدمات الخارجية في الآونة الأخيرة".

بعد قرارات الحكومة.. ما السر وراء ازدياد تحويلات المصريين؟
ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج منذ الخفض الأخير في العملة المحلية، وذلك بعد انهيار للسوق السوداء التي طالما التهمت الحجم الأكبر من أموال المصريين في الخارج بعيدا عن القطاع المصرفي الرسمي، في خطوة اعتبر اقتصاديون أنها إيجابية لكن لا يمكن الحكم عليها في ظل استمرار هذه الزيادة لأيام قليلة حتى الآن.

الأزمة لم تنته

ويعتبر خبراء تحدثوا مع موقع "الحرة"، أن الأزمة الاقتصادية بالنسبة لمصر "لم تنته بعد"، وأن هناك المزيد من التحديات والمتغيرات التي قد تؤثر على آفاق الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.

وفي حديثه مع موقع الحرة، يقول الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، إن "ما حدث بعد الاتفاق على صفقة رأس الحكمة يشبه ذوبان قمة جبل الثلج. لكن الكثير من الأمور لا تزال غير واضحة".

ويضيف: "الحكومة حتى الآن في مرحلة تمهيدية.. صحيح البعض يتحدث عن نوع من الاستقرار في سوق الصرف، واختفاء المضاربة في السوق السوداء على الدولار، لكن هذه ليس المرة الأولى، فقد حدث هذا الأمر عام 2016 حينما تم تنفيذ إصلاحات مشابهة لسعر الصرف، ثم تجددت الأزمة مرة أخرى قبل عامين".

ويرى عبد المطلب أن "من المبكر الحديث عن انتهاء الأزمة، خصوصا في ظل تعهد الحكومة بالمزيد من التدابير الاقتصادية لإصلاح الخلل في ميزان المدفوعات المصري، ومنظومة الدعم".

ويؤكد هذا أيضا الخبير الاقتصادي، السيد خضر، الذي يقول إن "التحول الاقتصادي يستغرق وقتا وجهودا مستمرة لتحقيق نتائج إيجابية قابلة للقياس"، مشيرا إلى أن "مصر تواجه منذ عقود تحديات كبيرة فيما يتعلق بارتفاع التضخم والبطالة، وتصاعد مستويات الدين العام".

ويتابع لموقع الحرة: "الحكومة المصرية تنفذ برامج إصلاح اقتصادي شامل بهدف تحسين الوضع وتعزيز النمو المستدام، ومع ذلك فإن هذه الإصلاحات قد تواجه عدة عوائق".

ومن بين العوائق المحتملة التي يمكن أن تقف أمام الإصلاحات، "المقاومة السياسية أو الاجتماعية" للتغيير، حسب خضر، مشيرا إلى أنها "قد تحد من تنفيذ الإصلاحات، خاصة المتعلقة بتخفيض الدعم".

صندوق النقد يكشف توقعاته للتضخم في مصر.. ويتحدث مجددا عن "دعم الوقود"
قالت مسؤولة بصندوق النقد الدولي، الاثنين، إن المراجعة المقبلة لبرنامج قرض الصندوق لمصر من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية يونيو، وهو الوقت الذي ستتمكن فيه سلطات البلاد من سحب 820 مليون دولار أخرى، وذلك بعد الاتفاق الشهر الماضي على زيادة حجم برنامج القرض.

على النقيض، يعتقد الباحث الاقتصادي أحمد أبو علي، أنه لا "توجد عوائق فيما يتعلق بتطبيق الإصلاحات. لكن قد يتطلب الأمر آليات تطبيق واضحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإجراءات التي تمس المواطنين ومنظومة الدعم وأسعار السلع".

ويضيف لموقع الحرة: "شروع مصر في تعويم العملة والاتفاق بعد ذلك مع صندوق النقد على زيادة حجم التمويل، ساهم في استقرار الاقتصاد المصري بشكل نسبي".

ويعتبر أبو علي أن بلاده "ليست الوحيدة" التي تواجه تحديات اقتصادية، ويقول: "العالم أجمع أمام تحديات مستمرة في ظل الأزمات السياسية العالمية المتلاحقة في أوكرانيا وغزة، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم.. ليست هناك دولة واحدة لا تواجه تحديات أو أزمة اقتصادية".

المزيد من الإصلاحات "الصعبة"

ويشدد صندوق النقد الدولي على أن دعم أسعار البنزين في مصر "تصب بشكل رئيسي في صالح الأغنياء على حساب الفقراء" الذين لا يملك معظمهم سيارات، وفق وكالة رويترز.

وفي مؤتمر صحفي قبل أسبوعين تقريبا، تحدثت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، عن ضرورة تنفيذ السلطات إصلاحات فيما يتعلق بدعم الوقود، واستبداله بالإنفاق الاجتماعي الموجه للأسر الأكثر احتياجا.

وتظهر بيانات موازنة العام المالي الحالي 2023/2024 أن مصر رفعت الدعم المخصص للطاقة والمواد البترولية والكهرباء بنسبة 150 بالمئة تقريبا، من 48 مليار جنيه (1.01 مليار دولار) إلى 119.4 مليار جنيه (2.52 مليار دولار).

ويؤكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في أكثر من مناسبة، أن الحكومة المصرية تعمل على ترشيد الدعم ضمن خطط تقليل الإنفاق من أجل إصلاح الاقتصاد.

معاناة المواطن

ويتوقع الخبراء خلال حديثهم مع موقع الحرة، إقدام الحكومة المصرية على المزيد من التدابير الاقتصادية خلال سنوات الاتفاق مع صندوق النقد، من أجل ترشيد الدعم، خاصة فيما يتعلق بالمحروقات والكهرباء وبعض الخدمات الحكومية، مما يؤثر على الأوضاع المعيشية في البلاد.

ويقول عبد المطلب إن "ما تعهدت به مصر من إجراءات صعبة يتوافق مع رؤية صندوق النقد الدولي، خصوصا فيما يتعلق بإلغاء الدعم كليا، بما في ذلك دعم الوقود والكهرباء".

ويتابع: "إلغاء الدعم أو رفع أسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة أو تحتكرها، من مترو الأنفاق والسكك الحديدية والكهرباء والغاز والمياه، سيزيد بالتبعية من معاناة المواطن المصري".

ويرى عبد المطلب أن "المواطن المصري حاليا يحاسب طبقا للأسعار العالمية ولا يمكن زيادة الأسعار بأي شكل؛ لأنه عند حساب الأسعار التي يدفعها المواطن مقابل الكهرباء أو الوقود أو المواصلات يجب مراعاة القوة الشرائية للجنيه، وما يستطيع أن يدفعه مقابل حصوله على السلع والخدمات".

ويستطرد عبد المطلب: "يتراوح متوسط الأجور في مصر بين 100 و120 دولارا شهريا، لذلك لا يمكن أن يحاسب بالأسعار التي يحاسب بها المواطن في أوروبا، الذي يتقاضى هذا الأجر خلال يوم عمل أو أقل من ذلك".

وبلغ معدل التضخم في مصر، التي يعاني ثلث سكانها تقريبا من الفقر، نحو 33.7 بالمئة في مارس الماضي، وفق ما أظهرت بيانات البنك المركزي قبل أيام. فيما يقول البنك الدولي إن مصر من بين البلدان العشر الأكثر تضررا من تضخم الغذاء في العالم.

ورفعت الحكومة المصرية مؤخرا الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص إلى 6000 جنيه شهريا (126.49 دولار)، فيما يشتكي مواطنون يعملون بالقطاع الخاص من رفض بعض الشركات زيادة الحد الأدنى من المستوى السابق عند 3500 جنيه شهريا (73.78 دولار).

بدوره، يتفق خضر مع ما يقول عبد المطلب، ويوضح: "من المهم أن يتم تنفيذ إصلاحات الدعم بشكل تدريجي ومتوازن، مع وضع آليات للتخفيف والحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرا".

ويجب أن تراعي الحكومة في مصر الآثار الاجتماعية المحتملة لهذه الإجراءات" حسب خضر، الذي يضيف: "ومن الضروري تعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين لشرح الأسباب والفوائد المرتقبة للإصلاحات".

ويؤكد أبو علي على وجود "إجراءات تقشفية" اتفقت عليها مصر مع صندوق النقد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، لكنه يقول إن الحكومة "لديها قدر من الحكمة للتعامل في هذا الملف، لأنه يمس فئة كبيرة من المجتمع، خصوصا أنها رفضت في أكثر من مناسبة توصيات صندوق النقد بشأن إلغاء الدعم بشكل كامل عن المحروقات".

ويستطرد: "حتى لو كانت هناك موافقة على تقليص برامج الدعم العيني، فهي بكل تأكيد ترتبط بالخطط المالية المستقبلية لتحويلها إلى دعم نقدي للأسر الأكثر احتياجا. وما هو قائم قبل اتفاق صندوق النقد الدولي لن يتم المساس به".

ويستبعد أبو علي اتجاه الحكومة المصرية لإلغاء دعم الكهرباء بشكل كامل، لكنه يشير إلى أنه "حتى في الجولات الأخيرة من رفع أسعار الكهرباء أو حتى المحروقات، كان هناك تقبل من الرأي العام لهذه الخطوات، كما هو الحال مع قرار التعويم والاتفاق مع صندوق النقد".

وفي مطلع العام الحالي، قررت مصر رفع أسعار الكهرباء بنسب تتراوح ما بين 16و 26 بالمئة اعتبارا من بداية يناير وحتى نهاية يونيو المقبل.

كما قررت وزارة البترول المصرية قبل نهاية مارس الماضي، زيادة أسعار المحروقات للمرة التاسعة في 3 أعوام، حيث رفعت أسعار البنزين بمختلف أنواعه بنسبة 10 بالمئة، وسعر السولار بنسبة 21 بالمئة إلى 10 جنيهات (0.21 دولار) من 8.25 جنيه (0.17 دولار)، وسعر أسطوانة غاز الطهي بنسبة 33 بالمئة إلى 100 جنيه (2.11 دولار) من 75 جنيها (1.58 دولار).

وفي كل الأحوال "يعاني المواطن المصري"، سواء كان هناك تحرير لأسعار الطاقة أم لا، حسب عبد المطلب، الذي يقول: "الدخل في مصر منخفض للغاية ومهما حاولت الدولة إصلاحه في الوقت الحالي، فإنه سيتراجع مع أول انخفاض في قيمة الجنيه أمام الدولار، وسيفقد كل ما تم من إجراءات زيادة الأجور. وبالتالي يستمر عدد الفقراء في التزايد".

ويتابع: "صحيح أن هناك مؤشرات على تراجع معدلات الفقراء، لكن أعدادهم تتزايد مقارنة بأعداد السكان، لأن معدل الفقر حاليا تقريبا 30 بالمئة، ونحن نتحدث عن 30 مليون فقير مقارنة بنحو 28 مليونا في عام 2017 حينما كان عدد السكان 80 مليون نسمة ونسبة الفقر 35 بالمئة تقريبا".

ومنذ 4 أعوام، لم تنشر السلطات المصرية بيانات الفقر في البلاد. وكان آخر تحديث نشره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتقرير "بحث الدخل والإنفاق" في عام 2020، والذي أظهر تراجع نسبة الفقر إلى 29.7 بالمئة من أعلى مستوى في نحو 18 عاما عند 32.5 بالمئة والمسجل في عام 2018.

وحينها كان خط الفقر للفرد في مصر، وفق "بحث الدخل والإنفاق"، نحو 857 جنيها للفرد شهريا (55 دولارا بأسعار الصرف في نهاية 2020، و18 دولارا بأسعار الصرف الحالية).

شبكة الحماية الاجتماعية

يؤكد صندوق النقد الدولي على ضرورة أن تقوم مصر بتحويل الدعم العيني للمحروقات والكهرباء إلى دعم نقدي من خلال برامج شبكة الحماية الاجتماعية، في ظل برنامج تكافل وكرامة وتوسيع نظام التأمين الصحي الشامل، إلى جانب التوسع في السجل الاجتماعي لتوجيه برامج الحماية الاجتماعية لمستحقيها على نحو أدق.

وتعليقا على ذلك يقول عبد المطلب: "هذه الخطوة تهدف إلى تقليل الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي على الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل. لكن التحول إلى الدعم النقدي يجب أن يرافقه دراسات حقيقية وموسعة للتعرف على دخل الأسر، ووجود بيانات متكاملة بشأن معدلات الفقر والفقراء".

ويستطرد: "إذا كان هناك رؤية حقيقة لتحويل الدعم العيني إلى نقدي، يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات متكاملة حول الفقراء في مصر، والتي ستسهم بدورها في القضاء على الفساد فيما يتعلق بمنظومة الدعم، فمثلا الأموال المخصصة لدعم السلع التموينية لا يصل منها إلا 20 بالمئة فقط للمستحقين".

"معركة الدولار والجنيه".. ثلاثة سيناريوهات لأزمة النقد الأجنبي في مصر
رغم التدفقات المليارية الدولارية التي دخلت مصر خلال الفترة الماضية، وتوحيد سعر صرف الجنيه أمام الدولار في السوق الرسمية والموازية، تتوقع مؤسسة اقتصادية دولية "تراجع قيمة العملة المصرية أمام نظيرتها الأميركية مرة أخرى"، فهل يمكن أن يحدث ذلك؟ ولماذا؟ وما تداعيات ذلك السيناريو؟

فيما يعتبر خضر أن التحول إلى الدعم النقدي سيكون طريقة فعالة لتحسين المعيشة وتعزيز القدرة الشرائية للأسر المستهدفة. لكنه يقول: "إن ذلك يجب أن ينفذ بحذر وبشكل متوازن، مع وضع آليات رصد وتقييم فعالة للتأكد من وصول الدعم النقدي إلى المستحقين الفعليين وتلافي أي تجاوزات أو انحرافات".

ويضيف خلال حديثه: "تجربة (تكافل وكرامة) الحالية تواجه تحديات تنفيذية وتنظيمية، ومن المهم تقييم البرنامج واستخلاص الدروس المستفادة منه لتحسين تنفيذ وتوجيه الدعم في المستقبل".

ومنذ سنوات تقريبا تنفذ مصر برنامج "تكافل وكرامة"، الذي تقدم الحكومة من خلاله مساعدات نقدية مشروطة لمساعدة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجا، وفق ما تقول وزارة التضامن الاجتماعي. لكن عدة تقارير محلية تشير إلى "وجود بعض أشكال الفساد والمحسوبية في المحليات، تحول دون وصول الدعم إلى مستحقيه".

التراجع عن الإصلاحات؟

اتفق الخبراء خلال حديثهم على صعوبة أن تتراجع الحكومة المصرية عن الإصلاحات والتعهدات التي اتفقت عليها مع صندوق النقد، حيث سيكون لذلك تأثيرات عكسية على الظروف الاقتصادية في البلاد. ويقول عبد المطلب: "إذا لم تتمكن مصر من الوفاء بتعهداتها، فسنعود إلى نفس المشاكل السابقة".

ويضيف: "برنامج مصر مع صندوق النقد يشترط إجراءات تنفذ على الأرض مقابل الإفراج عن الشرائح. وبالتالي مسألة الاكتفاء بالتعهدات لم تعد كافية حتى يقوم صندوق النقد الدولي بتوفير التمويل والإفراج عن الشرائح التمويلية المتفق عليها".

وتسلمت مصر في نهاية مارس الماضي، شريحة من صندوق النقد الدولي بنحو 820 مليون دولار، ومن المقرر أن تتم المراجعة ربع السنوية المقبلة بحلول نهاية يونيو 2024، التي ستحصل بموجبها مصر على شريحة جديدة بنحو 820 مليون دولار.

ويقول خضر لموقع الحرة: "التراجع عن أي إصلاحات يمكن أن يؤثر سلبا على وضع الاقتصاد، حيث إن عكس الإصلاحات بشكل غير مدروس، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الديون العامة وتفاقم الصعوبات الاقتصادية بالبلاد".

بدوره، يعتبر أبو علي أن ليس هناك أي احتمالية لتراجع بلاده عن الإصلاحات، ويقول: "هذا البرنامج وضعته مصر وتم التوافق عليه مع صندوق النقد، بعد مناقشات استمرت لفترات طويلة".

ومن المقرر أن يجري صندوق النقد الدولي، مراجعات كل 6 أشهر مع السلطات المصرية لتقييم التقدم المحرز فيما يتعلق بالإصلاحات التي تم الاتفاق عليها في البرنامج، على أن تتم المراجعة الأخيرة في خريف عام 2026.