بطل فيلم "آخر المعجزات" في ملصقه الدعائي
بطل فيلم "آخر المعجزات" في ملصقه الدعائي

يثير منع عرض فيلم "آخر المعجزات" في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي جدلا في مصر.

وقبل ساعات من انطلاق الدورة السابعة من مهرجان الجونة السينمائي، عدّل المسؤولون عن الحدث الفني برنامج حفل الافتتاح بحذف الفيلم المصري من العرض، واستبداله بالفيلم القصير "الرجل الذي لم يستطع أن يبقى صامتًا".

وتضاربت الأنباء حول أسباب منع الفيلم من العرض، وهو القرار الذي أعاد فتح النقاش حول "الرقابة على الأعمال الفنية" في مصر.

قصة نجيب محفوظ

اقتُبس فيلم "آخر المعجزات" من القصة القصيرة "معجزة" ضمن المجموعة القصصية "خمارة القط الأسود" للأديب الروائي نجيب محفوظ، وتدور أحداثه الفيلم حول العلاقة بين "العالمين المادي والروحي". 

ويتناول الفيلم قصة صحفي أربعيني يحرر صفحة الوفيات يُدعى يحيى، يتلقى مكالمة هاتفية من أحد شيوخ الصوفية يخبره برغبته في مقابلته، ولكن تتطور الأحداث عندما يكتشف يحيى أن الشيخ متوفى.

العمل الفني من إخراج عبد الوهاب شوقي، وبطولة خالد كمال الذي تصدرت صورته الملصق الدعائي للفيلم.

قرار بلا أسباب 

ولم يُعلن عن أسباب عدم عرض الفيلم في افتتاح مهرجان الجونة كما كان مقررا، وهو ما أكده مخرجه، عبد الوهاب شوقي، في تدوينة بفيسبوك، قائلا إنه "لا يملك أي إجابة رسمية أو واضحة" عن سبب حجب الفيلم من العرض. 

من جانبها، تقول الناقدة الفنية المصرية، ماجدة خير الله، إن عدم عرض فيلم "آخر المعجزات" خلال حفل افتتاح مهرجان الجونة "جاء دون أسباب معلنة".

وعبرت خير الله لموقع "الحرة" عن "أسفها" للقرار الذي وصفته بـ"غير الإنساني وغير الحضاري."

وحصل الفيلم، على حد قول الناقدة الفنية، على إجازة الرقابة منذ كان مجرد سيناريو على ورق، متسائلة "كيف يمكن منعه من العرض في افتتاح مهرجان أو منعه من العرض في أي وسيلة عرض أخرى دون مبررات".

واقعة تتكرر

وليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها السينما المصرية حجب عرض عمل فني، ففي منتصف أغسطس الماضي تقرر عدم عرض فيلم "الملحد" دون توضيح الأسباب.

ويتناول فيلم "الملحد" قضية التطرف الديني والإلحاد لدى الشباب. 

وتوضح خير الله أن أغلب الأعمال الفنية تخضع الآن لتصنيفات تحدد الفئات العمرية المناسبة لمشاهدتها، قائلة إن "الرقابة ومنع الأعمال الفنية والأدبية لا تفيد المجتمع في شيء."

وتلفت خير الله إلى "الخسائر المادية وغير المادية" التي يتكبدها المشاركون والقائمون على أي عمل فني حصل على موافقة من الرقابة قبل حتى تصويره ثم يتقرر حجبه، داعية إلى "احترام القوانين المنظمة".

كما يعبر الناقد الفني طارق الشناوي بدوره عن موقف رافض لمنع الأعمال الفنية "في المطلق"، ويقول إنه "شاهد بنفسه الفيلم، وما من شيء فيه يجعل الرقيب يتخوف" من عرضه.

ويعتقد الشناوي أن قرار عدم عرض فيلم "آخر المعجزات" ناتج عن "خشية" الرقابة في مصر من "أي صوت يرتدي زيا دينيا من الممكن أن يتسبب في إثارة".

ويستشهد بما حصل مع فيلم "الملحد"، فـ"رغم حصوله على الموافقات المطلوبة من الرقابة، جاءت تعليمات شفهية للمنتج أحمد السبكي، بوقف عرضه قبيل ذلك".

ورغم أن فيلم "الملحد" هو "ينتقد الأفكار الإلحادية"، على حد قول الناقد الفني، لكن "العنوان لوحده أصاب الرقيب بالخوف، فأعاد التفكير في قراره السابق بالموافقة.

ويقول "التدخلات الرقابية في مصر عادة ما تأخذ بالأحوط، فإن كان الفيلم أو مشهد فيه من الممكن أن يثير حفيظة جهة ما، فمن الأفضل منعه".

عبدالناصر

التسجيل يعود للثامن من أغسطس 1970، ثلاث سنوات تقريباً بعد حرب عام 1967 التي سطّرت هزيمة قاسية لمصر، أطلق عليها العرب مصطلح "النكسة"، وقبل أقل من شهرين على وفاته في 28 من سبتمبر من ذلك العام.

جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي نال شعبية كبيرة في العالم العربي، بسبب أفكاره "العروبية"، وخطاباته الحماسية التي تدعو إلى النضال والقتال من أجل نيل الحقوق، ظهر في التسجيل المأخوذ من لقاء جمعه بـ"تلميذه" الزعيم الليبي معمر القذافي، وكأنه شخصيه أخرى غير معروفة لملايين العرب. 

وأثار التسجيل جدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالشائع عن الرجل مقولات من وزن "ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة"، و"القومية العربية هي التي تقرر كل شيء"، و"الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين، وعودة حقوق شعب فلسطين". لكن التسجيل أظهر عبد الناصر في شخصية سياسية بعيدة عن هذه المقولات التي تعجّ بالحماسة والطوباوية. 

ظهر في التسجيل شخصاً أكثر واقعية، وأقل حماسة للحلول الراديكالية، منتقداً المزايدات على مصر، بشأن الحرب، ومعلناً أنه لا يريد أن يحارب: "من يريد أن يحارب، فليأت ويحارب، وحلوا عنا بقى".

في مقطع آخر من التسجيل يسأل القذافي عبد الناصر عن مشروع روجرز (مبادرة لوقف اطلاق النار بين مصر واسرائيل قدمها وزير خارجية الولايات المتحدة وليام روجرز في الخامس من يونيو 1970) وعما إذا كان عبد الناصر مستعداً للمضي فيه. فيجيب بالإيجاب. 

يسأل القذافي: "ممكن تعترف بإسرائيل"، فيرد عبد الناصر: "اتفاقية الهدنة فيها إقرار بإسرائيل، أنا ماضي مع إسرائيل سنة 49 عن الحكومة المصرية ده اسمه acknowledgement وفيه فرق بينه وبين الـ recognition (الاعتراف)". 

ثم يأتي دور عبد الناصر ليسأل: "إذا خيرت بين الإقرار بوجود إسرائيل وتحرير الضفة الغربية والقدس وغزة، أو لا تقر بوجود إسرائيل وتبقى القدس وغزة والضفة الغربية جزء من اسرائيل؟ فيسأله القذافي: "ليه نفترض هذا الافتراض مش ضروري تبقى محتلة؟". 

"هتبقى يا أخ معمر" يقول ناصر، "قولي هنحرر امتى؟ يا أخ معمر هنحرر بعد 20 سنة؟ عملية قيام إسرائيل خدت 50 سنة والتوسع الجديد خد 20 سنة، مفيش خطة عربية ولن تكون هناك خطة عربية موحدة أبداً، ده واقع العالم العربي". 

بدا عبد الناصر في التسجيل، بالنسبة إلى كثير من المعجبين بشخصه ومشروعه السياسي، وكأنه يخون نفسه وأفكاره. وانقسمت الآراء، لا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة، بين من وجد في تصريحه انقلاباً على الصورة الشائعة عنه، وبين من رأى في وجود خطابين، واحد جماهيري وآخر براغماتي في الغرف المغلقة، أمراً شائعاً في السياسة ويعبر عن واقعية عبد الناصر. 

وعقب نشر التسجيل، دعا عدد من أعضاء البرلمان المصري إلى إقرار قانون لحرية المعلومات يتيح وصولاً أوسع إلى السجلات الحكومية التاريخية.

الجدل حول التسجيلات كان له وقعه في المجتمع المصري، خصوصاً لجهة السؤال عن كيفية استجابة مصر للتطورات على الساحة الفلسطينية، وعما إذا كان يجب أن تقف على الحياد، أو تستجيب للمطالب بالتدخل، مع ما يحمله ذلك من احتمالات جر البلاد إلى صراعات إقليمية مستقبلية، وهي المعضلة نفسها التي دارت حولها تسجيلات عبد الناصر.

ابنة الزعيم المصري الراحل، هدى جمال عبد الناصر أدلت بدلوها مدافعة عن أبيها: "الزعيم الراحل لم يتخل يوماً عن دعم القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة في كل الأوقات وكانت في صدارة المشروع القومي العربي".

لكن الواقع أن عبد الناصر معروف بالنسبة لدارسيه من المؤرخين، ببراغماتيته، وفي تقبله لوجود دولة إسرائيل، ولم يكن يدعو إلى "ازالتها من صفحة الوجود" كما فعل بعده روح الله الخميني ونظامه في إيران.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، يقول في إحدى مقابلاته إن عبد الناصر كان يخوض مفاوضات مكثفة مع الإسرائيليين في الخمسينيات، وأن هذا الأمر غير معروف بشكل واسع لدى الجمهور العربي.

وبحسب بابيه، عبّر عبد الناصر في جولات المفاوضات تلك عن قبوله بدولة إسرائيلية من دون النقب (لكي يبقي على ممر بين مصر والعالم العربي)، وقبوله فكرة وجود كيان سياسي إسرائيلي يشعر فيه اليهود بالأمان، وأن عبد الناصر لم يكن معادياً لليهود ولم يكن يريد الحرب، لكنه كان يقول إنه لا يستطيع تخطي المسألة الفلسطينية. 

ويقول بابيه إن إسرائيل في حينها هي التي كانت ترفض مبادرات السلام، ولكن غالبية الناس في الشرق الأوسط يعتقدون بالعكس. 

وليس بعيداً عن هذا السياق، يذكر الباحث الأميركي دانيال غورديس في كتابه "إسرائيل: تاريخ موجز لأمة تولد من جديد"، معلومة عن دعوة وجهها جمال عبد الناصر في نيسان من العام 1070 إلى ناحوم غولدمان رئيس المجلس الصهيوني العالمي (الذي عقد هرتزل أولى جلساته في بازل في العام 1897)، للسفر إلى القاهرة لبحث احتماليات إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

رئيسة وزراء إسرائيل في حينها غولدا مائير، لاعتقادها أن دعوة عبد الناصر بمثابة فخ، ضغطت على غولدمان كي لا يلبي الدعوة، بحسب غورديس. 

ويتحدث الكاتب الأميركي عن أمر لافت حدث بعد رفض هذه الدعوة، يتمثل في قيام مجموعة من الطلاب الاسرائيليين بإرسال رسالة إلى مائير في ٢٨ من شهر أبريل نفسه، سألوا فيها عن أفق الصراع في ظل حرب بلا مستقبل، "بينما أضاعت حكومتنا العديد من فرص السلام"، كما جاء في الرسالة.

بعدها بشهور قليلة توفي عبد الناصر بذبحة قلبية. لكن هذه الحادثة التي يذكرها غورديس، ومعها تسجيلات ناصر مع القذافي المثيرة للجدل، تغري بافتراض ان ناصر مات وفي نفسه شيء مما ذهب إليه من بعده خليفته في حكم مصر أنور السادات في العام 1977، حينما ذهب إلى إسرائيل ووقع معها معاهدة سلام تاريخية. 

فهل كان سلام السادات، امتداداً لرغبة ناصر بعقد سلام مع إسرائيل؟