ذكرى احتجاجات 25 يناير في عام 2014 - المصدر: رويترز
ذكرى احتجاجات 25 يناير في عام 2014 - المصدر: رويترز

قبل يومين من اختفاء الناشط محمد أحمد علام، نشر فيديو مداهمة القوات الأمنية منزله في العاصمة القاهرة.

تحدث عن تدمير ممتلكات المنزل، واعتقال شقيقه الذي أفرج عنه لاحقا.

في الفيديو أيضا، هاجم الناشط المصري السلطات الأمنية، ورئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.

قالت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان في بيان صحفي الأحد، إن "الناشط المصري في تيك توك، تعرض للاختفاء القسري".

وأبدت الشبكة الحقوقية "مخاوفها" على حياته.

ينشر علام المعروف بـ"ريفالدو" نسبة إلى نجم الكرة البرازيلية ريفالدو، مقاطع فيديو بين فترة وأخرى، ينتقد فيها سياسة النظام المصري، والسيسي أيضا.

اعتقل "ريفالدو" بعد محاولات عدة لم يتمكن فيها جهاز الأمن الوطني من اعتقاله.

قالت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان: "رغم مرور أكثر من 24 ساعة على اعتقاله تعسفيا، لم يتم عرضه على أي جهة تحقيق رسمية حتى الآن".

عدم عرضه على التحقيق، يثير "قلق" حقوقيين مصريين بشأن "حياته وسلامته".

واحد من آلاف

هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها "ريفالدو" للاعتقال.

في نوفمبر 2022، داهم الأمن منزل عائلته، في محاولة لاعتقال شقيقه الناشط السياسي يوسف، الذي لم يكن متواجدا آنذاك.

خلال المداهمة، تم تفتيش هاتف "ريفالدو" فعُثر على فيديو ساخر سجّله مع أصدقائه حول مظاهرات 11 نوفمبر من ذات العام.

وفق بيان الشبكة الحقوقية، أُجبر الناشط المصري، على حذف الفيديو والخروج بآخر يهاجم فيه دعوات التظاهر.

لكن ذلك، لم يمنع السلطات من اعتقاله، قبل أن تفرج عنه في مايو 2023.

وفي أغسطس 2024، اعتقل شقيقه يوسف، الذي لا يزال رهن الحبس الاحتياطي، وهو ما دفع "ريفالدو" لاحقا، لانتقاد جهاز الأمن الوطني والسلطات، علنا.

تحدث نشطاء مصريون، عن "حملات" اعتقال نفذتها السلطات المصرية خلال الأيام الماضية.

من بين المعتقلين، أشخاص اعتقلوا قبل 5-6 سنوات، ظنوا أن ملفاتهم وقضاياهم أغلقت، لكنهم صُدِموا.

وفقا للمعلومات المتداولة، حين سأل بعضهم عن سبب الاعتقال، أخبرتهم السلطات، بأن ما يحدث إجراء احترازي بسبب اقتراب ذكرى 25 يناير.

لكن رئيس مجلس النواب المصري حنفي جبالي، نفى الثلاثاء، حدوث أي اعتقالات "في ظل الجمهورية الجديدة" في إشارة إلى عهد السيسي.

جاء ذلك خلال جلسة برلمانية لمناقشة المادة (144) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية المثير للجدل، حقوقيا.

قال جبالي: "لا يوجد ما يسمى اعتقالات، ولكن تطبيق القانون كما يجب، فنحن في دولة سيادة القانون".

اعتقالات بلا مصير

قال مدير الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، أحمد العطّار خلال مقابلة مع موقع "الحرة": "حتى اليوم لم نرصد من أسرة ريفالدو أنه ظهر".

قال أيضا إن "المنظمة تسجل حالات الاختفاء القسري من خلال تواصلها مع عائلات المختفين أنفسهم. بعضهم مجهول المصير منذ 13 عاما".

أكد العطار المعلومات عن "حملات" الاعتقال التي جرت في الأيام الماضية، وقال إن "الأمن المصري لا يحتاج ذريعة للاعتقال" في إشارة إلى تزامنها مع ذكرى 25 يناير.

في 21 أكتوبر 2024، اعتُقل الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق.

قبل أيام، جُدد حبسه، لذلك أعلن في التاسع من الشهر الحالي، إضرابه عن الطعام.

قال العطار عن فاروق: "رجل اقتصادي، يكتب في الاقتصاد فقط".

وفي السابع من يناير الحالي، اعتقل أيضا "اليوتيوبر" الشهير أحمد أبو اليزيد.

كانت تهمته "قبض الدولار من جهة خارجية"، بسبب الأموال التي يحصل عليها من موقع "يوتيوب" لقاء المحتوى الذي يبثه على قناته.

دعوات للتظاهر

منذ بداية يناير الحالي، صدرت عشرات الدعوات للتظاهر.

جهات عدة زعمت أنها "تمثل" نشطاء شاركوا في احتجاجات 25 يناير، بمسميات عديدة، مثل: لجان وتنسيقيات الثورة.

انتشرت الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتداولها كثيرون. بعضهم ربطها بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، على "أمل" أن يحدث أمر مواز في مصر.

وإن كان الرأي العام المصري عرف بقصة "ريفالدو"، وعدد آخر قبله، لكن عشرات القصص لمعتقلين ومغيبين قسريا، ما زالت مجهولة.

من انتشرت قصصهم، بلغ أقرباؤهم وأصدقاؤهم عن حالاتهم، لذلك، اضطرت السلطات بسبب التفاعل مع قضاياهم، الكشف عن مصيرهم، وفقا للعطار.

ما حدث في منزل عائلة "ريفالدو" من "تكسير" لمحتوياته، يحدث "دائما" مع المعتقلين والمغيبين لدى السلطات المصرية، بحسب الحقوقي المصري.

تروع السلطات المصرية العائلات أثناء عمليات الاعتقال، وتدمر أثاث المنازل وتسرق ممتلكات، كالمصوغات الذهبية والأجهزة المحمولة، وفقا للعطار.

وثقت الشبكة، اختفاء 6 أشخاص مع مركباتهم (ميكروباص، سيارة، دراجة نارية)، وجميعها كانت بالتقسيط.

اضطرت عائلاتهم رغم أوضاعها المالية الصعبة، دفع الأقساط، بحسب الشبكة.

لا أعداد!

تقدر منظمات حقوقية مصرية، عدد معتقلي الرأي والمختفين قسرا في مصر، بعشرات الآلاف.

هذه الإحصائية التقريبية، منذ تولي السيسي السلطة عام 2013، وحتى الآن.

قال العطار: "لا رقما محددا ومعروفا لهؤلاء، بسبب رفض الجهات الرسمية الكشف عن ذلك".

قال أيضا: "الجهة الوحيدة التي تملك معلومات عن أعداد المعتقلين والمختفين قسرا، هي وزارة الداخلية المصرية".

ورغم رفع ذوي المغيبين قضايا عديدة ضد وزارة الداخلية في مجلس الدولة، لكنها لم تنفذ أي قرار موجب صدر عن المجلس، بشأن الكشف عن مصائرهم، وفقا للحقوقي المصري.

وفي فبراير 2023، طالبت 9 منظمات حقوقية في بيان مشترك، السلطات المصرية بزيادة الشفافية ونشر أعداد المحتجزين والسجناء في البلاد.

قال عمرو مجدي، باحث أول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش: "تحجب الحكومة المصرية معلومات حول أعداد السجناء وكأنها أسرار دولة".

قال أيضا: "من حق المصريين، معرفة عدد الأشخاص الذين تحتجزهم حكومتهم، وكيف تعاملهم".

السجن أهون

يشارك رئيس الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، قصة حدثت قبل سنوات.

خرجت امرأة من منزلها وهي ترقص و"تزغرد". 

كل ذلك، لأنها عرفت فقط من خلال مكالمة هاتفية مع الشبكة أن ابنها "في سجن طرة".

سبقت "زغاريدها"، أشهر من اللوعة على اختفاء ابنها الطالب في كلية الهندسة بجامعة الأزهر.

قال العطار: "إلى هذا الحال وصلنا. أن السجن أهون من الموت. مؤلم جدا".

عبدالناصر

التسجيل يعود للثامن من أغسطس 1970، ثلاث سنوات تقريباً بعد حرب عام 1967 التي سطّرت هزيمة قاسية لمصر، أطلق عليها العرب مصطلح "النكسة"، وقبل أقل من شهرين على وفاته في 28 من سبتمبر من ذلك العام.

جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي نال شعبية كبيرة في العالم العربي، بسبب أفكاره "العروبية"، وخطاباته الحماسية التي تدعو إلى النضال والقتال من أجل نيل الحقوق، ظهر في التسجيل المأخوذ من لقاء جمعه بـ"تلميذه" الزعيم الليبي معمر القذافي، وكأنه شخصيه أخرى غير معروفة لملايين العرب. 

وأثار التسجيل جدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالشائع عن الرجل مقولات من وزن "ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة"، و"القومية العربية هي التي تقرر كل شيء"، و"الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين، وعودة حقوق شعب فلسطين". لكن التسجيل أظهر عبد الناصر في شخصية سياسية بعيدة عن هذه المقولات التي تعجّ بالحماسة والطوباوية. 

ظهر في التسجيل شخصاً أكثر واقعية، وأقل حماسة للحلول الراديكالية، منتقداً المزايدات على مصر، بشأن الحرب، ومعلناً أنه لا يريد أن يحارب: "من يريد أن يحارب، فليأت ويحارب، وحلوا عنا بقى".

في مقطع آخر من التسجيل يسأل القذافي عبد الناصر عن مشروع روجرز (مبادرة لوقف اطلاق النار بين مصر واسرائيل قدمها وزير خارجية الولايات المتحدة وليام روجرز في الخامس من يونيو 1970) وعما إذا كان عبد الناصر مستعداً للمضي فيه. فيجيب بالإيجاب. 

يسأل القذافي: "ممكن تعترف بإسرائيل"، فيرد عبد الناصر: "اتفاقية الهدنة فيها إقرار بإسرائيل، أنا ماضي مع إسرائيل سنة 49 عن الحكومة المصرية ده اسمه acknowledgement وفيه فرق بينه وبين الـ recognition (الاعتراف)". 

ثم يأتي دور عبد الناصر ليسأل: "إذا خيرت بين الإقرار بوجود إسرائيل وتحرير الضفة الغربية والقدس وغزة، أو لا تقر بوجود إسرائيل وتبقى القدس وغزة والضفة الغربية جزء من اسرائيل؟ فيسأله القذافي: "ليه نفترض هذا الافتراض مش ضروري تبقى محتلة؟". 

"هتبقى يا أخ معمر" يقول ناصر، "قولي هنحرر امتى؟ يا أخ معمر هنحرر بعد 20 سنة؟ عملية قيام إسرائيل خدت 50 سنة والتوسع الجديد خد 20 سنة، مفيش خطة عربية ولن تكون هناك خطة عربية موحدة أبداً، ده واقع العالم العربي". 

بدا عبد الناصر في التسجيل، بالنسبة إلى كثير من المعجبين بشخصه ومشروعه السياسي، وكأنه يخون نفسه وأفكاره. وانقسمت الآراء، لا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة، بين من وجد في تصريحه انقلاباً على الصورة الشائعة عنه، وبين من رأى في وجود خطابين، واحد جماهيري وآخر براغماتي في الغرف المغلقة، أمراً شائعاً في السياسة ويعبر عن واقعية عبد الناصر. 

وعقب نشر التسجيل، دعا عدد من أعضاء البرلمان المصري إلى إقرار قانون لحرية المعلومات يتيح وصولاً أوسع إلى السجلات الحكومية التاريخية.

الجدل حول التسجيلات كان له وقعه في المجتمع المصري، خصوصاً لجهة السؤال عن كيفية استجابة مصر للتطورات على الساحة الفلسطينية، وعما إذا كان يجب أن تقف على الحياد، أو تستجيب للمطالب بالتدخل، مع ما يحمله ذلك من احتمالات جر البلاد إلى صراعات إقليمية مستقبلية، وهي المعضلة نفسها التي دارت حولها تسجيلات عبد الناصر.

ابنة الزعيم المصري الراحل، هدى جمال عبد الناصر أدلت بدلوها مدافعة عن أبيها: "الزعيم الراحل لم يتخل يوماً عن دعم القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة في كل الأوقات وكانت في صدارة المشروع القومي العربي".

لكن الواقع أن عبد الناصر معروف بالنسبة لدارسيه من المؤرخين، ببراغماتيته، وفي تقبله لوجود دولة إسرائيل، ولم يكن يدعو إلى "ازالتها من صفحة الوجود" كما فعل بعده روح الله الخميني ونظامه في إيران.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، يقول في إحدى مقابلاته إن عبد الناصر كان يخوض مفاوضات مكثفة مع الإسرائيليين في الخمسينيات، وأن هذا الأمر غير معروف بشكل واسع لدى الجمهور العربي.

وبحسب بابيه، عبّر عبد الناصر في جولات المفاوضات تلك عن قبوله بدولة إسرائيلية من دون النقب (لكي يبقي على ممر بين مصر والعالم العربي)، وقبوله فكرة وجود كيان سياسي إسرائيلي يشعر فيه اليهود بالأمان، وأن عبد الناصر لم يكن معادياً لليهود ولم يكن يريد الحرب، لكنه كان يقول إنه لا يستطيع تخطي المسألة الفلسطينية. 

ويقول بابيه إن إسرائيل في حينها هي التي كانت ترفض مبادرات السلام، ولكن غالبية الناس في الشرق الأوسط يعتقدون بالعكس. 

وليس بعيداً عن هذا السياق، يذكر الباحث الأميركي دانيال غورديس في كتابه "إسرائيل: تاريخ موجز لأمة تولد من جديد"، معلومة عن دعوة وجهها جمال عبد الناصر في نيسان من العام 1070 إلى ناحوم غولدمان رئيس المجلس الصهيوني العالمي (الذي عقد هرتزل أولى جلساته في بازل في العام 1897)، للسفر إلى القاهرة لبحث احتماليات إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

رئيسة وزراء إسرائيل في حينها غولدا مائير، لاعتقادها أن دعوة عبد الناصر بمثابة فخ، ضغطت على غولدمان كي لا يلبي الدعوة، بحسب غورديس. 

ويتحدث الكاتب الأميركي عن أمر لافت حدث بعد رفض هذه الدعوة، يتمثل في قيام مجموعة من الطلاب الاسرائيليين بإرسال رسالة إلى مائير في ٢٨ من شهر أبريل نفسه، سألوا فيها عن أفق الصراع في ظل حرب بلا مستقبل، "بينما أضاعت حكومتنا العديد من فرص السلام"، كما جاء في الرسالة.

بعدها بشهور قليلة توفي عبد الناصر بذبحة قلبية. لكن هذه الحادثة التي يذكرها غورديس، ومعها تسجيلات ناصر مع القذافي المثيرة للجدل، تغري بافتراض ان ناصر مات وفي نفسه شيء مما ذهب إليه من بعده خليفته في حكم مصر أنور السادات في العام 1977، حينما ذهب إلى إسرائيل ووقع معها معاهدة سلام تاريخية. 

فهل كان سلام السادات، امتداداً لرغبة ناصر بعقد سلام مع إسرائيل؟