صورة تعبيرية للدماغ البشري
صورة تعبيرية للدماغ البشري

جمع فريق دولي من الباحثين بيانات مسح الدماغ من دراسات متعددة تمثل أكثر 101 ألف عقلا في جميع مراحل الحياة، لمعرفة تفاصيل عن شيخوخة الدماغ خلال المراحل العمرية المختلفة للإنسان، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست".

وتعطي مخططات النمو التي تتبع المقاييس مثل الطول والوزن صورة واضحة نسبيا عن نطاق التطور "البدني البشري"، لكن لم يُعرف الكثير عن المعالم الرئيسية لشيخوخة الدماغ الطبيعية.

ولمعرفة سبل ذلك، تم إجراء عدة فحوصات، بداية من فحص جنين يبلغ من العمر 16 أسبوعا، وصولا إلى فحص أشخاص أكبرهم كان عمره 100 عام، حسب دراسة نشرتها دورية "نيتشر" العلمية.

عبر مجموعة البيانات الموسعة هذه، ظهرت بعض المعالم البارزة بشأن تطور الدماغ البشري خلال المراحل العمرية المختلفة.

وبينما يتم تكوين الدماغ إلى حد كبير بالولادة، مع اكتمال تكوين خلايا عصبية جديدة إلى حد كبير، تتغير كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الدماغ مع بعضها البعض على مدار الحياة.

وعلى عكس الأجزاء الأخرى من الجسم، فإن أدمغتنا مبنية على التغيير على مدار حياتنا، وذلك لمواجهة التحديات التي تفرضها كل مرحلة من مراحل الحياة، حسب "واشنطن بوست".

الطفولة

أدمغة الأطفال مثل الإسفنج، فهي تمتص جميع أنواع المعلومات البيئية، لا سيما من والديهم أو مقدمي الرعاية.

وفي السنة الأولى من العمر، يمكن للأطفال تعلم أي لغة، ولكن هذه القدرة يتم تضييقها بسرعة بناءً على الأصوات أو الإشارات التي يسمعونها أو يرونها. 

ويعد هذا هو السبب وراء صعوبة تعلم لغات جديدة لاحقا في الحياة، خاصة تلك التي تختلف عن اللغة الأم.

في حين أن معظم الخلايا العصبية تولد بحلول وقت الولادة فإن أنواعا أخرى من الخلايا في الدماغ مثل الخلايا الدبقية تتطور وتنضج بسرعة في السنوات الأولى من الحياة.

الطفولة.. من 2 إلى 10 سنوات

بدءًا من حوالي 18 شهرا إلى عامين، يتحول الدماغ نحو التعلم، والذي يتضمن تقوية الروابط المهمة وتقليل تلك التي لا يتم استخدامها.

وأثناء الطفولة، يكون الدماغ حساس بشكل خاص للتفاعلات مع مقدمي الرعاية والآخرين في بيئة الطفل.

ويمكن أن يكون للإجهاد الناجم عن الصدمة، أو الإهمال في هذه الفترة، آثار عميقة على نمو بقية دماغ الطفل على مدار الحياة.

المراهقة.. من 10 إلى 19 عاما

من سن 10 إلى 19 عاما، تكون هناك تغييرات ديناميكية في شبكات الدماغ، التي تشارك في تعلم كيفية معالجة المشاعر والدوافع حول التجارب المختلفة.

وينعكس ذلك بشكل خاص في الدوائر الكامنة وراء العاطفة ومعالجة المكافآت داخل الدماغ، وهذا هو سبب تحفيز المراهقين على استكشاف تجارب جديدة، بغض النظر عن مدى خطورتها.

الشباب البالغين.. من 20 إلى 39 عاما

غالبا ما يُنظر إلى منتصف العشرينات إلى أواخرها على أنها نوع من "ذروة" نمو الدماغ أو مثال على وقت "نضوج" الدماغ، ويرجع ذلك إلى أن "سرعة" معالجة المعلومات داخل الدماغ، يصل إلى مستوى عالٍ في هذه الأعمار.

وخلال تلك المرحلة العمرية، يتم شحذ الشبكات العصبية باستمرار وتكييفها مع سن الرشد، وخاصة تلك التي تشارك في التفكير العقلاني والنظر في العواقب المستقبلية. 

ومع ذلك، فإن الدماغ لا "ينتهي" بأي حال من الأحوال من التطور.

الأربعينيات وما بعدها

عندما تفقد مفاتيحك أو تنسى اسما ما، فقد تشعر أن عقلك لا يعمل بالشكل الذي اعتاد عليه، لكن "بحثا جديدا" يبدد الاعتقاد بأن القدرة على الاستجابة للتغيير، تتضاءل في الدماغ في تلك المرحلة العمرية.

وتشير النتائج البحث الذي تم نشره في دورية "نيتشر"، إلى أن دماغك يمكن أن يتغير ديناميكيا خلال مرحلة البلوغ.

وهو ما يغير الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى "شيخوخة الدماغ".

40 إلى 65 عاما 

في تلك المرحلة العمرية، تتحول الحياة نحو الأدوار الصعبة لمرحلة البلوغ والمتعلقة بالمهنة، ورعاية الأسرة، وغيرها.

ويمكن للخبرات مثل المشاركة في المجتمع أو خيارات نمط الحياة أو التعرض للضغط أن تؤثر بشكل كبير على نمو الدماغ والشيخوخة. 

وقد يكون لدى شخص يبلغ من العمر 50 عاما ويتمتع بسمات اجتماعية عالية ويمارس الرياضة بانتظام أو يسافر أو يتطوع، "دماغا أصغر سنا"، من شخص في نفس العمر معزول إلى حد كبير عن الآخرين، ونادرًا ما يشارك في الأنشطة.

وتشير الأبحاث إلى أن كبار السن الذين يشاركون في مهام تدريب الذاكرة، وألغاز الكلمات المتقاطعة، وحتى ألعاب الفيديو، يمكنهم تحسين بعض الوظائف المعرفية، لكن الآليات الكامنة وراء هذه النتائج "لا تزال غير معروفة".

65 عاما وما بعدها

في أواخر العمر، يتقلص حجم الدماغ ويمكن أن يبدأ في التدهور، ومع ذلك، فإن الأفراد الأكبر سنا لديهم أيضا القدرة على اكتساب حكمة أكبر مبنية على التجارب التي يخوضونها مدى الحياة. 

الأمومة
الدراسة شملت 37 ألف رجل وامرأة (صورة تعبيرية)

لطالما ارتبطت الأبوة بالإجهاد والتوتر الذي ينعكس على المظهر الخارجي، مثل التجاعيد والشعر الرمادي، إلا أن دراسة حديثة أظهرت أن تربية الأطفال قد يكون لها تأثير إيجابي على الدماغ، مما يساهم في الحفاظ على شبابه وتعزيز وظائفه الإدراكية.

ووفقًا للدراسة التي نُشرت في مجلة "Proceedings of the National Academy of Sciences" مؤخرا، أظهرت أدمغة الآباء أنماطًا أقوى من "الاتصال الوظيفي" بين مناطق الدماغ المختلفة، وهو ما يتناقض مع الانخفاض المعتاد في هذه الأنماط مع التقدم في العمر. 

كما وجدت الدراسة أن هذا التأثير يزداد مع كل طفل جديد، ويستمر لفترة طويلة.

كيف تؤثر الأبوة على الدماغ؟

إدوينا أورشارد، الباحثة في مركز دراسات الطفل في جامعة ييل والمشاركة في الدراسة، أوضحت أن "الاتصال الوظيفي" هو مقياس لفهم كيفية تواصل أجزاء الدماغ مع بعضها البعض.

وأشارت إلى أن هذه الأنماط عادة ما تتغير مع تقدم العمر، لكن في حالة الآباء، لوحظ نمط معاكس، حيث بدا أن أدمغتهم تحتفظ بسمات أكثر شبابًا.

من جانبها، قالت ميشيل ديبلاسي، رئيسة قسم الطب النفسي في مركز "Tufts Medical Center"، لموقع "هيلث" الطبي إن هذه النتائج تبدو منطقية، لأن الأبوة تعد فترة حاسمة يمر فيها الدماغ بتغييرات كبيرة للتكيف مع المسؤوليات الجديدة والتفاعلات الاجتماعية المعقدة والتحديات التي تصاحب تربية الأطفال.

تحليل صور الدماغ

من أجل التوصل إلى هذه النتائج، قامت الدراسة بتحليل صور الرنين المغناطيسي لأكثر من37 ألف شخص، مما يجعلها واحدة من أكبر الدراسات في هذا المجال. 

وشملت العينة رجالًا ونساءً تتراوح أعمارهم بين 40 و69 عامًا من قاعدة بيانات "UK Biobank" في المملكة المتحدة.

وتم جمع معلومات عن عدد الأطفال، والعمر، والجنس، والمستوى التعليمي، والوضع الاقتصادي للمشاركين، ثم جرت مقارنة أنماط الاتصال الوظيفي بين أدمغة الآباء وغير الآباء.

وأظهرت النتائج أن بعض المناطق في أدمغة الآباء احتفظت بأنماط اتصال قوية، وهي المناطق المرتبطة بالتواصل الاجتماعي والتعاطف والتنسيق بين الدماغ وحركة الجسم.

 وأوضحت ديبلاسي أن هذه المناطق تعد مؤشرات على صحة الدماغ، وعادة ما تتراجع مع التقدم في العمر، مما يشير إلى أن الأبوة قد تلعب دورًا في حماية الدماغ من التدهور.

هل التأثير يشمل كل الآباء والأمهات؟

من المهم الإشارة إلى أن الدراسة لم تثبت بشكل قاطع أن الأبوة هي السبب المباشر وراء هذه التغيرات في الدماغ، بل وجدت علاقة بينهما. 

كما أن الدراسة شملت فقط الأمهات والآباء البيولوجيين في المملكة المتحدة، مما يعني أن النتائج قد لا تنطبق على جميع أنواع العائلات والأدوار الأبوية المختلفة.

وأشارت أورشارد إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث طويلة المدى التي تشمل مشاركين من خلفيات متنوعة لفهم كيفية تأثير الأبوة على الدماغ بشكل أكثر دقة.

من جانبه، قال طبيب الأعصاب، أندرو ثالياث،إن التغيرات في الدماغ قد تكون ناتجة عن عوامل بيئية واجتماعية مرتبطة بالأبوة.

وأوضح أن الآباء يتعرضون لمحفزات حسية أكثر عند رعاية الأطفال، مثل قراءة تعابير الوجه والاستجابة للإشارات غير اللفظية، وهو ما قد يعزز الاتصال بين مناطق الدماغ.

وأضافت أورشاردأن الآباء الذين لديهم أكثر من طفل واحد يضطرون إلى تلبية احتياجات متعددة في وقت واحد، وهو ما يتطلب مرونة سلوكية عالية، وقد يكون هذا أحد العوامل التي تساهم في تعزيز وظائف الدماغ.