"يموت أكثر من 700 ألف شخص منتحرا كل عام"
"يموت أكثر من 700 ألف شخص منتحرا كل عام"

يحارب الاكتئاب بالرياضة والخروج إلى الطبيعة، فالحركة بالخارج تعيد مشاعر الاستمتاع للشخص إذا كان الاكتئاب في بداياته، وفق ما قال خبراء بالصحة النفسية لموقع "الحرة". لكن الأدوية تبقى ضرورية في حالات عدة ويجب أن تتزامن مع علاج نفسي.

فهل يمكن الاستغناء عن الأدوية المخصصة لمحاربة الاكتئاب؟ وما هي السبل الأخرى المساعدة للخروج من هذه الحالة النفسية والعقلية؟

تشرح منظمة الصحة العالمية أن الاضطراب الاكتئابي (المعروف أيضا باسم الاكتئاب) هو اضطراب نفسي شائع، وينطوي على تكدر المزاج أو فقدان الاستمتاع أو الاهتمام بالأنشطة لفترات طويلة من الزمن.

ويختلف الاكتئاب عن التقلبات المزاجية المعتادة والانفعالات العابرة إزاء تحديات الحياة اليومية. ويمكن أن يؤثر على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء والمجتمع. ويمكن أن ينتج عن مشكلات في المدرسة وفي العمل، أو أن يؤدي إليها.

وتشير المعالجة النفسية والاختصاصية في التقييم النفسي، ماري شاهين، في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الاكتئاب مرض نفسي وعقلي في الوقت عينه، ويؤثر على تفكير الأشخاص المصابين به وتصرفاتهم ومشاعرهم".

وتتابع شاهين أن من ناحية المشاعر، يكون المريض بحالة حزن متواصلة ولا يتمكن من الشعور بلحظات الفرح.

أما على الصعيد النفسي فيموت إحساس اللذة والاستمتاع تجاه كل الأمور، ويفقد الشخص المصاب كل دواعي السرور، وعندها تنمو لدى الشخص الأفكار السوداء والشعور بالذنب، إضافة إلى تراجع اهتمامه وعنايته بنفسه، يصل الموضوع إلى حد التعب النفسي الشديد الذي يمنعه من الخروج من سريره، فق شاهين.

وتلفت إلى أن هذا التعب النفسي يفقد الشخص كل مشاعر الحياة الأخرى التي تحفز على عناية الإنسان بأكله وشربه ونظافته وعمله.

وتقول أن في مراحل معينة يأخذ الشخص موقفا دفاعيا من هذا الاكتئاب ويحاربه بالأكل.

وحسب منظمة الصحة العالمية فإن يمكن أن يتعرض أي شخص للاكتئاب.

ويشتد تعرّض الأشخاص الذين عانوا من سوء المعاملة أو الخسائر الفادحة أو غيرها من المواقف الصعبة للإصابة بالاكتئاب. وتُعد النساء أشد تعرّضا للإصابة بالاكتئاب من الرجال.

ويعاني ما يقدر بنحو 3.8 في المئة من الناس من الاكتئاب، بما في ذلك 5 في المئة من البالغين (4 في المئة من الرجال و6 في المئة من النساء)، و5.7 في المئة من البالغين الذين تزيد أعمارهم على 60 عاما.

ويعاني نحو 280 مليون شخص في العالم من الاكتئاب. ويزيد شيوع الاكتئاب بين النساء مقارنة بالرجال بنسبة 50 في المئة تقريبا. وعلى الصعيد العالمي، تعاني أكثر من 10 في المئة من النساء الحوامل والنساء اللواتي ولدن حديثا من الاكتئاب. ويموت أكثر من 700 ألف شخص منتحرا كل عام. ويُعد الانتحار رابع الأسباب الرئيسية للوفاة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، حسب منظمة الصحة.

ومن جهتها تقول شاهين أن الاكتئاب ينبع من شعور الشخص بالوحدة، بمعنى أن الأشخاص لا يفهمونه، وكذلك من شعور مساس الكثير من الأشخاص بشخصيته و"الأنا" الخاصة به.

وتوضح أنه نلاحظ من خلال عملنا أن المراهقين الذين كانوا يعانون من التنمر بمرحلة معينة من حياتهم ممكن أن يكون لديهم الاستعداد الأكبر للاكتئاب في مرحلتهم العمرية (المراهقة)، لأن هؤلاء الأشخاص لا يحسنون الدفاع عن نفسهم، فوسائل الدفاع النفسية لديهم غير كافية أو جيدة لحماية نفسهم بها. ويكون تقديرهم للذات منخفضا وصورة الذات ضعيفة لدرجة تحملهم للإهانات والمذلة والملاحظات الخاطئة ويتقبلوها بشعور بالذنب.

ومن لديه شعور الاكتئاب يكون شعور الذنب لديه مرتفعا بشكل كبير، ويلوم نفسه على أي تصرف ويعتبر أنه دائما المذنب، وهذا الأمر ينبع أيضا من التربية والمساحة التي يعطيها الأهل للأولاد للتعبير والرفض في سبيل تعزيز شخصيتهم، وفق شاهين.

وشددت على أن الأهل الذين لا يحسنون تعزيز شخصيات أطفالهم، يمهدون الطريقة أمام إمكانية اكتئاب أطفالهم في المستقبل، لأنهم يفقدون آليات الدفاع النفسية اللازمة.

وتؤكد أن خطورة الاكتئاب يكمن في أن الشخص المصاب به ممكن أن يصل للانتحار، ونلاحظ أن الكثير من المراهقين يأذون جسدهم كي يشعروا بوجعهم النفسي، وبهذه الطريقة يعبرون عن وجعهم وحالتهم.

أهمية الدواء

أما بالنسبة للدواء، فتقول شاهين أنه لا يمكن الجزم بالمطلق أن الدواء ضروري أم لا، ففي بعض الحالات إذا لم يكن الاكتئاب مترسخا بالشخص منذ فترة يمكن علاجه من دون دواء، لكن هذه الحالات قليلة، خصوصا أن الاكتئاب يتزامن مع نوبات هلع.

وتتابع أن بعض حالات الاكتئاب موسمية أو عرضية، فعندما يخسر الشخص على سبيل المثال صديقه أو عمله، ممكن أن يخرج من حالة الاكتئاب من دون دواء.

أما إذا كانت حالة الاكتئاب متراكمة، فتقول شاهين أن الخروج من الحالة يصبح صعبا من دون دواء، كون الدماغ لا يتمكن تلقائيا من إخراج الإفرازات التي تؤدي إلى اللذة وشعور الارتياح النفسي.

وتتابع أن الرياضة من العلاجات المهمة لمعالجة الاكتئاب، لأن الأشخاص الذين تكون حركتهم قليلة ولا يخرجون كثيرا من المنزل يكون لديهم الاستعداد للوقوع بحالة الاكتئاب أكثر من الذين يخرجون إلى المجتمع ويمارسون الرياضة.

لكن بعض الذين يصابون بالاكتئاب يصلون إلى مرحلة متقدمة لا يمكنهم خلالها ممارسة الرياضة، فهؤلاء يساعدهم الدواء بالتوازي مع خضوعهم لعلاج نفسي، حسب شاهين.

وتشرح منظمة الصحة العالمية على موقعها الإلكتروني أن المكتئب يعاني خلال نوبة الاكتئاب من تكدّر المزاج (الشعور بالحزن وسرعة الغضب والفراغ). ويشعر بفقدان الاستمتاع أو الاهتمام بالأنشطة. وتختلف نوبة الاكتئاب عن تقلبات المزاج المعتادة. وتستمر معظم اليوم، وتحدث كل يوم تقريبا، لمدة أسبوعين على الأقل، وفق المنظمة.

وهناك أيضا أعراض أخرى للاكتئاب مثل:

  • ضعف التركيز
  • الإفراط في الشعور بالذنب أو ضعف تقدير الذات
  • اليأس من المستقبل
  • التفكير في الموت أو الانتحار
  • اضطراب النوم
  • تقلبات الشهية أو الوزن
  • الشعور بالتعب أو فتور الطاقة

وحسب منظمة الصحة العالمية، توجد علاجات فعالة للاكتئاب، وتشمل العلاج النفسي والأدوية.

وتشكل العلاجات النفسية العلاجات الأولى للاكتئاب. ويمكن جمعها مع الأدوية المضادة للاكتئاب في حالات الاكتئاب المعتدل والوخيم. ولا يلزم استعمال الأدوية المضادة للاكتئاب في حالات الاكتئاب الخفيف، حسب المنظمة.

ويمكن للعلاجات النفسية أن تعلم الشخص طرقا جديدة للتفكير أو التأقلم أو التواصل مع الآخرين. وتشمل هذه العلاجات المعالجة بالمحادثة مع المتخصصين والمعالجين غير المتخصصين الخاضعين للإشراف. ويمكن إجراء المعالجة بالمحادثة بالحضور الشخصي أو عبر الإنترنت. ويمكن الوصول إلى العلاجات النفسية عن طريق الكتيبات والمواقع الإلكترونية والتطبيقات الخاصة بالمساعدة الذاتية، وفق المنظمة.

وتشمل العلاجات النفسية الفعالة للاكتئاب ما يلي:

  • التنشيط السلوكي
  • العلاج السلوكي المعرفي
  • العلاج النفسي التفاعلي
  • العلاج بأسلوب حل المشكلات

وتشمل الأدوية المضادة للاكتئاب المثبطات الانتقائية لإعادة التقاط السيروتونين، مثل الفلوكسيتين. وينبغي لمقدمي الرعاية الصحية أن يضعوا في اعتبارهم الآثار السلبية التي قد تنتج عن الأدوية المضادة للاكتئاب، وينبغي عدم استخدامها في علاج الاكتئاب عند الأطفال، كما ينبغي أن لا تُعد الخيار الأول لعلاج المراهقين، وأن يُتوخى الحذر الشديد عند استعمالها في علاجهم، حسب منظمة الصحة العالمية.

تفاؤل
صورة تعبيرية | Source: PEXELS

ينظر عادة إلى التفاؤل على أنه صفة جيدة تساعد في التغلب على تحديات الحياة ومشاكلها، لكن في بعض الأحيان، قد يتحول هذا التفاؤل المفرط إلى ما يُعرف بـ"الإيجابية السامة".

والايجابية السامة تتسبب في إنكار المشاعر السلبية والضغوط النفسية بدلاً من مواجهتها والتعامل معها بشكل صحي.

ووفقًا لأخصائية علم النفس والأستاذة بجامعة أدلفي في نيويورك، ديبورا سيراني، فإن الإيجابية السامة هي "الإفراط في تبني النظرة الإيجابية لكل المواقف، دون الاعتراف بالمشاعر السلبية أو التعامل معها".

وتضيف سيراني في تصريحات لموقع "هيلث" الطبي أن هذه الظاهرة بدأت تأخذ اهتمامًا متزايدًا خلال العقد الأخير، مع تزايد الضغوط المجتمعية التي تحث الأفراد على الحفاظ على نظرة إيجابية دائمًا، حتى في أحلك الظروف.

لماذا يصبح البعض إيجابيين بشكل مفرط؟ 

في حين أن التفكير الإيجابي له فوائد صحية مثبتة، مثل تقليل التوتر وتحسين الجهاز المناعي وزيادة متوسط العمر، إلا أن المبالغة فيه قد تؤدي إلى آثار عكسية.

وتوضح أخصائية علم النفس السريري في كلية الطب بجامعة هارفارد، ناتالي داتيلو-ريان، أن بعض الأشخاص يستخدمون التفاؤل المفرط كآلية هروب من المشاعر السلبية، وهي استراتيجية تُعرف بـ"تجنب المشاعر". 

ويحدث ذلك عندما يكون لدى الشخص قدرة ضعيفة على تحمل الضغوط العاطفية، فيحاول قمع المشاعر السلبية والتركيز فقط على الجوانب الإيجابية للحياة.

هل تعاني "الإيجابية السامة"؟ 

إذا كنت تتجنب مشاعرك السلبية باستمرار أو تشعر بعدم الارتياح عند مواجهة مشاعر الحزن أو الغضب أو القلق لدى الآخرين، فقد يكون تفاؤلك تحول إلى إيجابية سامة.

ويرى المعالج النفسي، نواه كاس، إن بعض العبارات الشائعة قد تكون مؤشرًا على ذلك، مثل: 
- "كل شيء سيكون على ما يرام." 
- "هناك من يعاني أكثر منك، لا تبالغ في المشكلة." 
- "انظر إلى الجانب المشرق دائمًا."

عند استخدام هذه العبارات بشكل مفرط، قد يعني ذلك أنك تتجاهل المشاعر الحقيقية لك أو للآخرين، مما يؤدي إلى شعورهم بالعزلة أو عدم الفهم.

وعندما يبالغ الشخص في التفاؤل، قد يجد الآخرون صعوبة في التحدث معه عن مشكلاتهم بصدق، مما قد يؤدي إلى علاقات سطحية وغير متينة.

يوضح خبراء نفسيون أن العلاقات العميقة تحتاج إلى مساحة لمشاركة المشاعر الحقيقية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وإلا فإنها لن تنمو.

وقد يشعر الأشخاص الذين يعتمدون بشكل مفرط على الإيجابية السامة بأنهم غير مفهومين أو حتى مستبعدين من محيطهم الاجتماعي.

علاوة على ذلك، ربطت بعض الدراسات الإفراط في التفاؤل بانخفاض القدرة على التكيف مع الضغوط، وضعف التحصيل الأكاديمي، وصعوبة إدارة المشاعر، ومشكلات صحية ونفسية، وحتى اتخاذ قرارات مالية خاطئة بسبب تجاهل المخاطر الواقعية.

نصائح  لتجنب الإيجابية السامة؟ 

إذا كنت تشعر أن تفاؤلك بدأ يخرج عن السيطرة، يقترح الخبراء تبني نهج أكثر توازنًا بين الواقعية والإيجابية: 
1. اعترف بمشاعرك السلبية: لا بأس بالشعور بالحزن أو الإحباط أو القلق. بدلاً من قمعها، حاول فهمها والتعامل معها بطريقة صحية. 
2. استمع بدلًا من تقديم حلول جاهزة: عندما يشارك شخص ما مشاعره معك، حاول أن تستمع إليه دون محاولة التخفيف عنه بشكل مبالغ فيه. بعض العبارات الداعمة مثل "يبدو أن هذا الأمر صعب عليك" أو "أنا هنا من أجلك" قد تكون أكثر فاعلية من عبارات مثل "كل شيء سيكون بخير". 
3. تجنب الأحكام المسبقة على المشاعر السلبية: لا تعتبر المشاعر السلبية على أنها شيء يجب "إصلاحه"، بل جزء طبيعي من الحياة يجب مواجهته والتعامل معه. 
4. استخدم تعبيرات داعمة بدلًا من التفاؤل القسري: مثل "من الطبيعي أن تشعر بهذه الطريقة" أو "أنا أتفهم صعوبة الأمر عليك".