كان أحمدي نجاد يعكس في تصريحه ذاك طموحا تنشده المؤسسة الحاكمة في طهران بإنشاء مجتمع مثالي لا مكان فيه لأي حرية فردية تعتبرها من الشوائب، من المثلية الجنسية وخيار ارتداء الحجاب أو عدمه، وصولا بالطبع إلى العلاقات بين الجنسين.
وفي المجتمع الخيالي الذي لا وجود فيه لمثليين، يمكن أن نتوقع الصورة التي يريد النظام أن يرسمها للإيرانيين: شعب محافظ شديد التدين، لا يحيد عن الطريق القويم الذي أرسته الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979.
نال مقال نشرته مجلة فورين بولسي بعنوان "جمهورية إيران الايروتيكية" نسبة قراءة واهتمام مرتفعة. والكاتب الذي تنبأ بثورة جنسية قال إن لندن باتت تبدو مدينة محافظة مقارنة بطهران.
يعرف الصحافي حسن فحص الإيراني بأنه "شخص ذو شخصيتين". وفحص عمل مراسلا لعدد من الصحف اللبنانية والخليجية واذاعة الشرق الباريسية من ايران، ثم مديرا لمكتب الفضائية اللبنانية وبعدها مديرا لمكتب جريدة الحياة ومديرا لمكتب قناة العربية في ايران حتى العام 2008 عندما قررت السلطات الايرانية طرده من ايران بسبب انتقاده لسياسات ايران الاقليمية. وهو متخصص بالادب الفارسي.
ويقول فحص لموقع قناة "الحرة" إن "الرجل الذي تراه محافظاً في الشارع قد يكون أكثر تهتكا من أي شخص آخر حين يصير خلف أسوار بيته. وهذا يعني أن الإيراني يمارس ويعيش شخصيتين في الوقت نفسه، واحدة خاصة تظهر داخل مجتمعه الخاص، وشخصية يقدمها إلى المجتمع الأوسع".
على أن المجتمع الإيراني، شأنه شان كل المجتمعات ليس موحداً في سلوكه الاجتماعي. وكما في معظم المجتمعات، تتقدم الطبقة الوسطى لتكون الأكثر انفتاحاً على المفاهيم التي تتعلق بحرية الفرد.
والصحافية التي عاشت سنوات طويلة في إيران واتقنت اللغة الفارسية وتعرفت بعمق على المجتمع الإيراني ترى إن "الطبقة الوسطى التي تشكل الشريحة الأكبر في المجتمع، تتعامل مع الجنس باعتباره حرية فردية ولا تقيم وزنا لمفهوم العذرية، فأغلب فتيات هذه الطبقة لديهن علاقات جنسية ومغامرات عاطفية عابرة، إضافة إلى أن نساء هذه الطبقة هن الحاكمات الفعليات لإيران، لأنهن يسيطرن على الإدارات والشركات والوظائف المتقدمة وهن موجودات في كل مكان".
لكن غير المتدينين لا يكترثون بهذا العقد الذي يجعل الجنس "شرعياً" أمام الله والشرطة. بل إن المعترضين على نمط الحياة المفروض على إيران ذهبوا إلى ردة فعل ضد الزواج لأنه جزء من "ثقافة" الحاكم – رجل الدين.
ويشير فحص إلى أن "حالة فرض الشعائر الدينية بالقوة أو الترهيب، او كما يسميها بعض الايرانيين "ادخال الناس الى الجنة بالعصا وغصبا عن ارادتهم"، دفعت بشريحة واسعة من الايرانيين الباحثين عن العلاقات الجنسية الى اللجوء الى الخفاء، فولدت ظاهرة "الحياة تحت الارض"، والتي حرصت على بناء أنماط حياتها مستفيدة في بعض الاحيان من غطاء رجال الشرطة الفاسدين إن كان بالمشاركة أو بالرشوة المالية. فانتشرت الحفلات الخاصة التي وصلت أشكال السهر فيها إلى أبعد مما يمكن تخيله في جمهورية إسلامية".
لكن ظواهر أخرى تنتج عن اختناق الناس اجتماعيا واقتصادياً. وهي ظواهر تشق طريقها إلى الطبقات الأقل حظاً إن كان ذلك بالتعليم أو بالعمل او بالقدرة على تحصيل القوت اليومي. البغاء ظاهرة تصل بالتوازي مع المخدرات إلى أن تشكل آفة كبيرة. ويصير التعتيم الرسمي عليها سبباً اضافياً في انتشارها.
وتضيء الباحثة في حديثها إلى موقع "الحرة" على تناقض كبير بين ما قامت عليه الجمهورية الاسلامية من أحلام وأفكار، وبين ما وصلت إليه. فتشرح عن "دراسة لم تنشر أعدتها وزارة الصحة الإيرانية وجرى تسريب نتائجها أشارت إلى شيوع الممارسة الجنسية في أوساط الشباب وبين طلاب المدارس من المرحلتين الاعدادية والثانوية، وتقول نتائج الدراسة التي اجريت في جنوب العاصمة طهران إلى أن 50 في المئة من الشباب من الفئات العمرية 15 عاما وأكثر اقروا باقامة علاقات جنسية".
يرى فحص أن "مسألة الانفتاح الجنسي كانت أهم مقومات صراع المؤسسة الحاكمة مع النظام الملكي السابق، عندما ركزت دعايتها ضد مظاهر التغريب والانحلال الخلقي التي عمل النظام الملكي على نشرها داخل المجتمع الايراني المسلم".
لكن التضييق أدى إلى "الانفجار الجنسي" الذي وقع في ظل الحكومة الاسلامية، اذ تتحدث الاحصاءات الرسمية التي تعود الى عام 2007 عن أن سن الدعارة في طهران العاصمة وصل الى سن (13) بين الفتيات، وفي عام 2004 تم رصد اكثر من 50 الف بيت دعارة سري في هذه المدينة".
البحث الافتراضي عن الحرية
ليس الجنس هو ما يبحث عنه الإيرانيون. هم أكثر من ذلك، يبحثون عن الاتصال. ليس تفصيلاً ان أكثر من نصف مليون إيراني يتقدمون سنوياً إلى قرعة البطاقة الخضراء التي تجريها الولايات المتحدة الاميركية، "عدو" الايرانيين،حسب اللغة الرسمية للدولة.
إنها تلك الحرب الباردة نفسها بين "ايديولوجيا" الإتحاد السوفياتي و"برغر" أميركا والتي انتهت إلى ما يعرفه الكوكب ويعيشه.
واذا كانت إيران في صراع حضاري وثقافي مع الغرب، فهو يبدو الطرف الأقوى، الغرب يتسلل مرة أخرى وإن ليتعرف على الايراني العادي المختلف وليس ليعرفه على شطيرة الطعام الايقونية.
تقول الصحافية لموقع "الحرة" إن "الإيراني يعبد مواقع التواصل الاجتماعي كلها، لأنها بابه الوحيد على العالم. هي لم تغير نظرته إلى نفسه، وهو واثق من نفسه أصلا، لكنها أتاحت له إيصال صوته إلى العالم وتغيير نظرة العالم إليه بمعنى أنه لم يعد يقتصر على رجل دين معمم أو جندي في الحرس الثوري فقط".
هي الحرية التي يبحث عنها الإيرانيون بكل ما اوتوا من وسائل، حتى ولو كانت ملاعق يحفرون بها أسواراً عالية تحيط بهم. هل سيثورون من أجل حريتهم الجنسية؟
لديهم أسباب أخرى للثورة وطرق مختلفة للتعبير عنها، كأن تحتفل الشابة بفوز الرئيس الإصلاحي حسن روحاني بالرئاسة، فقط بأن تسدل شعرها الأسود من نافذة السيارة، فيكاد لطوله يلمس الإسفلت.
