الرئيس الايراني حسن روحاني، ارشيف
الرئيس الايراني حسن روحاني، ارشيف

أعلن الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني الثلاثاء أن إيران مستعدة لاجراء "مفاوضات جدية بدون مضيعة للوقت" مع القوى العظمى من أجل حل الازمة النووية معتبراً ان الولايات المتحدة "تسيء فهم" بلاده.
 
وأدلى روحاني الذي انتخب من الدورة الأولى للإنتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران، بهذا التصريح في إطار مؤتمره الصحافي الاول منذ تسلمه مهامه السبت.
 
وقال روحاني "إننا مستعدون لمفاوضات جدية من دون مضيعة للوقت" مع القوى العظمى في مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين وألمانيا)، مؤكدا أنه "واثق بأنه إذا كان الطرف الآخر (الغربيون) مستعدا فان مخاوفه ستزول سريعا".
 
وبالرغم من جولات عدة للتفاوض لم تتوصل ايران ومجموعة 5+1 الى حل للازمة. لكن انتخاب روحاني خلفا لمحمود احمدي نجاد أثار بعض الأمل في إعادة إطلاق المفاوضات.
 
ومع تأكيده رغبة طهران باستئناف المفاوضات شدد روحاني على رفض بلاده التخلي عن "حقوقها الثابتة" في المجال النووي خصوصا تخصيب اليورانيوم.
 
وقال روحاني "البرنامج النووي مسألة وطنية. تشدد الحكومة على الحقوق النووية المطابقة للقواعد الدولية. لن نتنازل عن حقوق امتنا لكننا نؤيد الحوار والتفاهم".
 
واضاف "لم يقل أحد في إيران إننا سنوقف تخصيب اليورانيوم. لا أحد ولا في أي وقت. انه حق ثابت لإيران". وشدد على "إرادته السياسية الجدية لتسوية المسالة (النووية) مع الحفاظ على حقوق إيران وفي الوقت نفسه تبديد مخاوف الطرف الآخر".
 
وعبر روحاني أيضا عن تأييده ل"مفاوضات ترعى مصلحة الجميع"، موضحا انه سيعين "فريق مفاوضين" جديدا. وكان روحاني كبير المفاوضين النوويين في مطلع الألفية الثانية ووافق حينها على تعليق تخصيب اليورانيوم.
 
من جهة أخرى انتقد الرئيس الإيراني الجديد القادة الأميركيين الذين "يسيئون فهم" إيران، وكذلك العقوبات الجديدة التي فرضت على الصناعة النفطية.
 
وقال "للأسف هناك في الولايات المتحدة مجموعات ضغط تحث على الحرب وتعارض الحوار البناء وتسعى الى ضمان مصالح بلد أجنبي (إسرائيل) وتتلقى الأوامر منه". وتابع "إن مصالح هذا البلد الأجنبي فرضت على النواب الأميركيين ونقول إن ذلك لا يخدم المصالح الأميركية".
وتابع روحاني "إن كان الطرف الاخر مستعدا، فإن الهواجس المتبادلة يمكن أن تبدد بسرعة. لكن أن يعتقد أن بامكانه فرض إرادته على إيران بالقوة والعقوبات فهو مخطىء".
 

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟