جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، يتحدث أمام مؤتمر جي ستريت في واشنطن العاصمة
جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، يتحدث أمام مؤتمر جي ستريت في واشنطن العاصمة | Source: Courtesy Image

دعا جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، إلى بذل كل جهد ممكن لمنع انفجار الصراع المذهبي في العراق.

وقال أمام المؤتمر السنوي لمنظمة "جي ستريت" في العاصمة الأميركية واشنطن الاثنين "يسألني الكثيرون: لماذا تركز على العراق؟ اعتقد أن العراق يمكن أن يكون المحور الذي تدور حوله عجلة الحل للتوتر السني الشيعي".

ودعا بايدن السنة والشيعة والأكراد إلى مصالحة وطنية، والعراق إلى التكامل مع محيطه العربي.

وأمام حوالي ثلاثة آلاف ناشط في جي ستريت، وهي منظمة تصف نفسها بأنها "البيت السياسي للأميركيين الذين يدعمون إسرائيل ويدعمون السلام"، قال بايدن إن التوتر المذهبي سبب أساسي في الأزمات السياسية والعنف الحاصل في عدة بلدان في الشرق الأوسط.

وقال إن التوترات المذهبية بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط تؤثر على المصالح القومية الأميركية، وتهدد إمدادات الطاقة في العالم.

وعدد بايدن أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وهي "القضاء على أسلحة الدمار الشامل، ودعم الديمقراطيات الناشئة، وتقديم حلول للصراعات المذهبية، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ومساعدة الفلسطينيين والإسرائيليين على حل صراعهما".

جنيف 2 لمصلحة المعتدلين في سورية

ومثلت سورية محورا مهما في حديث بايدن، مشيرا إلى أنها تمثل ذروة الصراع المذهبي في الشرق الأوسط الآن، وكذلك على ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل.

واعتبر أن "السياسة الصارمة الذكية للرئيس باراك أوباما" أدت إلى تجريد سورية من السلاح الكيميائي "بأفضل مما كان ممكنا للحرب أن تفعل".

وأضاف بايدن "أصررنا على نقطة في قرار مجلس الأمن، وهي عقد مؤتمر جنيف 2، وذلك لدعم المعتدلين في سورية، لأنهم محاصرون الآن وسط ضغوطات المتطرفين من الجانبين".

واعتبر نائب الرئيس الأميركي أنه "لا حل مباشر ودرب واضح" في سورية والشرق الأوسط بشكل عام، وأضاف "لا بديل عن أن يبادر سكان تلك المنطقة لحل مشاكلهم. لا يمكن أن نرغب في السلام أكثر منهم".

وقال إن الربيع العربي كان نتيجة "عقود وعقود من الضغط، فكيف يمكن حل كل ذلك في سنوات قليلة؟" مشيرا إلى أن "الحقائق على الأرض" صعبة، خصوصا أن الأنظمة الديكتاتورية حافظت على الهدوء بالقوة والضغط.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن "التغييرات الكبيرة في الشرق الأوسط تحتاج قرارات شجاعة، وفق بايدن، وأضاف قائلا "خذ مصر مثالا، سنستمر في دعمها للحفاظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل، ولدعم بناء مجتمع ديمقراطي يشمل الجميع ولا يستثني أحدا".

وفي الشأن الليبي، قال بايدن إن الولايات المتحدة ستركز على دعم إعادة بناء الشرطة، لتحقيق الأمن والاستقرار.

نظام العقوبات على إيران الأكثر فاعلية في التاريخ

وشدد نائب الرئيس الأميركي على التزام واشنطن بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، وقال "إيران نووية خطر على الأمن العالمي وعلى إسرائيل".

ونسب بايدن التغيير في لهجة إيران إلى "العقوبات الأكثر فعالية في التاريخ" التي "عمل الرئيس باراك أوباما مع دول كثيرة حول العالم لفرضها على إيران".

وأضاف "العقوبات تركت آثارا كبيرة على الاقتصاد الإيراني، ووضعت طهران أمام سؤال مركزي: هل سنستمر في العزلة عن العالم؟".

وأشار بايدن إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه أوباما مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، وقال "إيران أمام اختبار، وعليها تقديم أفعال واضحة وحقيقية ويمكن التحقق منها" حول المخاوف من طموحها النووي.

فرصة مثالية لاتفاقية سلام

وكان بايدن أعلن فور وصوله مؤتمر (جي ستريت) أنه اجتمع لساعتين ونصف الساعة الاثنين مع أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ثم لساعة منفردا مع نتانياهو في البيت الأبيض.

وقال "خدمت مع ثمانية رؤساء أميركيين، ولم يفعل أحد، أي أحد، لحماية إسرائيل، أكثر من باراك أوباما".

وأشار إلى الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ونظام القبة الحديدية للحماية من الصواريخ الذي دعمته واشنطن، والزيارات المكوكية التي قام بها وزير الخارجية جون كيري إلى المنطقة.

وقال "هذا ناتج عن مصالحنا الأمنية المشتركة. وعن إيماننا المشترك بالقيم ذاتها". وأضاف "المخاطر التي تواجهها إسرائيل الآن مختلفة عن الماضي، لكنها تظل كبيرة".

وقال بايدن "وسط كل ذلك، وسط الفوضى والمشاكل، يسألنا بعض الناس: لماذا قررتم أن تجربوا حل مشاكل عملية السلام؟".

وأجاب "هذه اللحظة توفر الفرصة الأفضل للسلام... الفلسطينيون والإسرائيليون ينظرون حولهم، إلى منطقة تتغير. وكلاهما يريد حلا".

ونصح الإسرائيليين بالقول "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشمل العرب الأقل أيديولوجية ومذهبية في الشرق الأوسط". وأضاف "السلام هو رغبة الأغلبية المطلقة من الفلسطينيين والإسرائيليين. إذا قرر القادة على الجانبين المخاطرة من أجل السلام، فالشعبان إلى جانبهما".

وقال بايدن "لأنني من أصول إيرلندية، أعرف أن كل الجروح ستندمل، ستندمل ببطء، لكنها ستختفي في النهاية".

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟