جواد ظريف أجرى المقابلة مع مارس الماضي (أرشيف)
وزراء خارجية الولايات المتحدة جون كيري وإيران جواد ظريف والاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون في مستهل محادثاتهم-أرشيف

أعرب وزير خارجية إيران وكبير مفاوضيها النوويين محمد جواد ظريف عن أمله في التوصل خلال المحادثات التي ستجري في جنيف هذا الأسبوع إلى خارطة طريق تحدد مسارا لتسوية المواجهة القائمة بين طهران والقوى العالمية.

وحذر جواد ظريف من أن العملية ستكون معقدة.

ومن المقرر أن تبدأ المفاوضات المتعلقة ببرنامج إيران النووي في جنيف الثلاثاء وستكون الأولى منذ انتخاب حسن روحاني رئيسا وهو شخصية معتدلة نسبيا تسعى لإذابة جليد العلاقات مع الغرب ورفع العقوبات الاقتصادية عن بلاده.

وقال ظريف، في رسالة نشرها على صفحته على موقع فيسبوك في ساعة متأخرة الأحد "غدا بداية طريق صعب وطويل نسبيا. وآمل بأن نتمكن بحلول الأربعاء من التوصل لاتفاق على خارطة طريق لإيجاد سبيل يقود إلى تسوية".

وتابع قائلا "لكن حتى مع توافر حسن النية من الطرف الآخر فإن الوصول إلى اتفاق حول التفاصيل وبدء التنفيذ سيتطلب على الأرجح اجتماعا آخر على المستوى الوزاري".

ورفض عباس عراقجي نائب وزير الخارجية الإيراني الأحد مطالب الغرب بأن تشحن إيران مواد نووية حساسة إلى الخارج، لكنه أشار إلى أنها ستبدي مرونة في ما يتعلق بجوانب أخرى من أنشطتها النووية، التي تثير قلق القوى العالمية.

كيري متفائل بالمسار الدبلوماسي مع طهران

من جانب آخر، أبدى وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأحد تفاؤله بإمكانية التوصل لحل دبلوماسي لأزمة الملف النووي الإيراني، وذلك إثر لقائه في لندن نظيرته الأوروبية كاثرين آشتون.

وقال كيري، في خطاب ألقاه من لندن عبر الأقمار الصناعية وبث في واشنطن في اجتماع لمجموعة الضغط الأميركية الداعمة لإسرائيل "ايباك" "في الوقت الراهن فإن نافذة الدبلوماسية تزداد انفتاحا"، مضيفا "لكني أود منكم أن تعرفوا أن أعيننا مفتوحة أيضا".

وتابع كيري أنه "في الوقت الذي نسعى فيه للتوصل إلى تسوية سلمية للبرنامج النووي الإيراني فإن الأقوال يجب أن تتلوها أفعال"، في إشارة إلى رغبة الانفتاح الدبلوماسي التي أظهرها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني والترحاب الذي قابلتها به الولايات المتحدة.

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟