رئيسة الديبلوماسية الأوروبية كاثرين أشتون ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف
رئيسة الديبلوماسية الأوروبية كاثرين أشتون ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف

وسط تفاؤل حذر، استأنف المفاوضون الإيرانيون وممثلون عن مجلس الأمن وألمانيا في جنيف الثلاثاء جولة مفاوضات جديدة تستمر يومين، للتوصل إلى اتفاق حول الملف النووي لطهران.

وقال مايكل مان، المتحدث باسم الممثلة العليا للشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، إن إيران قدمت في الجولة الأولى اقتراحا جديدا يتناول تحديدا إجراءات لبناء الثقة بين الجانبين.

وأضاف أن القوى الكبرى تتطلع إلى رؤية أفكار بناءة وملموسة من الجانب الإيراني، مشددة على ضرورة التزام طهران بالقرارات الدولية.

وأشار إلى أن "الكرة باتت الآن في ملعب طهران".

مواقف إيجابية

من جهته، قال وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف إن ردود الفعل كانت ايجابية بخصوص مقترحات قدمتها طهران حول برنامجها النووي.

وقال ظريف لصحافيين إيرانيين إنه ليس متشائما بشأن هذه المفاوضات، لكنه بحاجة لرؤية حسن النوايا والإرادة السياسية لدى الطرف الآخر، على حد قوله.

ورأى في هذه المفاوضات اختبارا لحسن نوايا الأوروبيين والأميركيين في تعاملهم مع الملف النووي الايراني.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية في المقابل، أن الأفكار التي قدّمها الوفد الإيراني تضمنت مجموعة مقترحات تتضمن "إغلاق أزمة لا داعي لها، وفتح آفاق جديدة"، لكنها لم تذكر أي تفاصيل إضافية.

وقال نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في  البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري إن بلاده لن توقف العمل في منشأة فوردو النووية. وأضاف في مقابلة مع التلفزيون الصيني، "أن إغلاق منشأة فوردو هو مجرد خيال تتصوره بعض وسائل الإعلام الأميركية وبعض المسؤولين الغربيين. ولم تفكر إيران أبدا في اغلاق هذه المنشأة وليس لدينا أي اقتراح في هذا الخصوص على طاولة المفاوضات".

​​
​​
تفاؤل أوروبي

وأعرب الاتحاد الأوروبي عن أمله في أن تؤدي هذه المحادثات إلى إحراز تقدم ملموس نحو تسوية الخلافات القائمة.

وأشار مايكل مان، إلى أنه من الممكن رفع العقوبات المفروضة على إيران إذا زال سبب فرضها، وأضاف يقول إن العقوبات "لم تفرض بقصد فرضها فحسب، لكنها فرضت لسبب محدد، فإذا زال هذا السبب فستُلغى العقوبات. لكننا نود أن نشهد تقدما  ملموسا على أرض الواقع في شأن معالجة إيران دواعي قلق المجتمع الدولي، ويجب توفر إمكانية التحقق من هذا التقدم."

​​
​​

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟