مشهد من طهران الخميس
مشهد من طهران الخميس

تحدث محللون إيرانيون الخميس عن "عهد جديد" و"ربيع جديد" في مباحثات جنيف بين إيران والدول الكبرى، واعتبروا أنها أثبتت إرادة الحوار لدى طهران التي تظل حازمة بشأن "حقوقها" في استخدام الطاقة النووية.

ولم يتحقق اختراق خلال يومي التفاوض، لكن معظم المشاركين أعربوا عن ارتياحهم للأجواء الجديدة التي سادت المباحثات.

ترحيب وحذر في الشارع الإيراني

أما المواطنون الإيرانيون فتباينت آراؤهم حيال المباحثات. وقال جنّاتي، وهو مواطن من طهران " هذا هو أول إعلان مشترك يـوقّع في جنيف بين إيران ومجموعة دول 5+1، بعد عشر سنوات من الجمود. أعتقد أن ذلك إنجاز عظيم وسيمهد الطريق لخطوات مقبلة".
​​
​​
أما رحمتي، وهو مواطن آخر من طهران، فقال "يجب على الحكومة أن تبذل جهوداً إضافية لرفع العقوبات كي نتمكن من تكوين علاقات مع دول العالم".
​​
​​
وقالت الإيرانية نرجس أصفهاني إنها تريد المزيد من الجهد من الحكومة الإيرانية الجديدة، وأضافت "برأيي ليس هناك أي تغيير، ولم تستطع الحكومة الإيرانية الجديدة أن تكسب ثقتنا".
​​
​​
روحاني أمام اختبار التغيير

والانفتاح الذي أبدته إيران يعتبر اختبارا لواقع التغيير السياسي الذي أعلنه الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني.

ويتطلع رجل الدين المعتدل المنتخب في يونيو/حزيران، إلى التوصل إلى اتفاق سريع مع مجموعة 5+1 (الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا) في الأزمة النووية المتعثرة منذ 2006.

وهو يستفيد حتى الوقت الراهن من دعم المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي صاحب القرار في كبرى الملفات الاستراتيجية. لكن المراقبين الأجانب يتساءلون حول هامش المناورة المتوفر لديه أمام الجناح المتشدد في النظام الذي يعارض تقديم أي تنازلات.

حلول وخطوط حمر

وأعربت صحيفة "إيران" الحكومية عن ارتياحها "للخروج من الأزمة النووية في جنيف".

وأعلن عباس عراقجي كبير المفاوضين الإيرانيين في حديث مع هذه الصحيفة "شرحنا بالتفاصيل حول طاولة المفاوضات كل المبادرات التي ستقوم بها إيران وشرحنا أيضا خطوطنا الحمر".

وأضاف "طرحنا الحلول التي تتجاوب مع المخاوف الغربية (...) وفي حين نعتبر نقل إنتاجنا من اليورانيوم إلى الخارج خطا أحمر، عرضنا حلا لتبديد مخاوفهم في هذا الشأن".

ويتوقع عقد اجتماع جديد في جنيف في السابع والثامن من نوفمبر/تشرين الثاني.

ربيع المفاوضات

وفي صحيفة اعتماد الاصلاحية التي رحبت "بالربيع الجديد في المفاوضات" أكد الدبلوماسي السابق علي خورام أن الرئيس المعتدل "يريد فتح عهد جديد من المفاوضات".

وقال إن "الجمهورية الإسلامية ستفتح، مع الإلحاح على حقوقها الأساسية المنصوص عليها في معاهدة الحد من الانتشار النووي خصوصا في تخصيب اليورانيوم، مبادرات تعاون واسعة من أجل إعادة الثقة وطمأنة المخاوف الغربية".

وأضاف "لكن يجب على الغرب أن لا يبالغ في تقييم انعكاسات العقوبات وأن يظن أنه متفوق في المفاوضات وأن على إيران أن تبدي ليونة".

ابتسامة جنيف

وعنونت صحيفة "شرق" الإصلاحية الواسعة الرواج على صفحتها الأولى "ابتسامة جنيف".

وقال غلام علي خوشرو العضو في وفد المفاوضين النوويين الذي قاده حسن روحاني من 2003 إلى 2005 إن "من حق إيران، طبقا لمعاهدة الحد من الانتشار النووي، تخصيب اليورانيوم ولا بد أن يفهم الطرف الغربي أنه يجب عليه الموافقة على ذلك، ثم يجب إعادة ثقة الطرف الآخر بآليات وطرق شرعية" حول الطابع السلمي للبرنامج الإيراني.

ورحبت وكالة ايرنا الرسمية "بالنجاح الجديد الذي حققه روحاني في الدبلوماسية النووية الفائقة في جنيف" مشيرة إلى "تفاؤل" الدبلوماسيين الذين يتابعون الملف.

وكتبت الوكالة إنهم يرون أن "الفرصة" الناجمة عن انتخاب روحاني يمكن أن تسمح "بالتوصل إلى اتفاق بشأن تخصيب اليورانيوم في إيران والشفافية وعمليات التفتيش الإضافية للمنشآت النووية ورفع العقوبات".

وانفردت صحيفة كيهان المحافظة بالإعراب عن قليل من التفاؤل واستشهدت بعبارة واحدة من تصريحات وزير الخارجية محمد جواد ظريف قالها في جنيف إن "على الولايات المتحدة أن تثبت في الواقع حسن إرادتها".

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟