الشاب الذي حكم عليه بالجلد في مدينة کاشمر
الشاب الذي حكم عليه بالجلد في مدينة کاشمر

كريم مجدي

"عندما تلقيت الجلدة الأولى، قفزت من كرسيي بشكل لا إرادي. شعرت بصدمة لدرجة أن دموعي لم تنهمر على خدي. أردت أن أصرخ، لكني لم أستطع حتى التحكم في صوتي. وفي كل مرة، كانت تضربني أقوى من المرة السابقة، وتطلب مني أن أتوب حتى يغفر لي ربي خطيئتي".

بهذه الكلمات روت فتاة عشرينية لمنظمة العفو الدولية لحظات تعرضها للجلد وهي مكبلة بالسلاسل على أيدي السلطات الإيرانية، بسبب حضورها لأحد أعياد الميلاد.

ويتعرض مئات الأشخاص سنويا لعقوبة الجلد سيئة السمعة في إيران، رغم اعتراض عشرات المنظمات الحقوقية المحلية والعالمية.

وكانت الناشطة الإيرانية نسرين ستودة آخر ضحايا هذه العقوبة، إذ حكم عليها الاثنين بـ148 جلدة والسجن 38 عاما، جراء تهم نشر معلومات ضد الدولة، وإهانة المرشد الإيراني علي خامنئي والتجسس.

نسرين ستوده

​​ستودة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فالصحافييون الإيرانيون يتعرضون للقمع والتعذيب على أيدي السلطات الإيرانية بناء على تهم واهية لا تجرم أصلا في معظم دول العالم.

وتعتبر العقوبات البدنية كالجلد، وبتر الأطراف، والرجم، والجلد، محظورة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب التي عقدت في عام 1984، وميثاق الأمم المتحدة الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

أحد أشهر من تعرضوا للجلد الصحافي محمد رضا فتحي الذي حكم عليه في شهر تموز/يوليو 2017 بالجلد 459 جلدة جراء تهم "نشر أكاذيب" و"إشاعة القلق في ذهن الجمهور" من خلال كتاباته.

وحكم قاض إيراني على الناشط الاجتماعي من ذوي الاحتياجات الخاصة، مصطفى مطوري بـ 74 جلدة بسبب منشورات معارضة له نشرها عبر حسابه على الإنستجرام.

وتم جلد شاب إيراني بمدينة كاشمر محافظة خراسان في تموز/يوليو 2018 بتهمة شرب الخمر عندما كان عمره 17 عاما في عام 2007، وقد أدانت منظمة العفو الدولية هذا الحكم بشدة.

الشاب الذي حكم عليه بالجلد في مدينة کاشمر

​​ويقع الكثير من الشباب الإيراني تحت طائلة هذه العقوبة بسبب تهم، كتنظيم حفلات "مختلطة" يحضرها شباب غير متزوجين من الجنسين.

عقوبة لـ 100 جريمة

بعد إطاحة حكم الشاه وتنصيب الخميني أعقاب الثورة الإسلامية في 1979، بدأت إيران في تطبيق العقوبات الدينية كالجلد والرجم وقطع يد السارق استنادا على القانون رقم 198 من قانون العقوبات الإيرانية.

وينص القانون الإيراني على أن أكثر من 100 "جريمة" يعاقب مرتكبوها بالجلد. وتشمل هذه الجرائم مجموعة واسعة من الأفعال كالسرقة، والاعتداء، والتخريب، والتشهير، والاحتيال.

وتندرج تهم كالخيانة الزوجية، والعلاقات الحميمية خارج إطار الزواج و"مخالفة الآداب العامة" والعلاقات الجنسية المثلية التي تتم بالتراضي، تحت "الجرائم" التي تؤدي إلى الجلد.

وأشار تقرير منظمة العفو الدولية، إلى أن الكثير من ضحايا الجلد في إيران هم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما، وقد قبض عليهم بسبب مشاركتهم في أنشطة سلمية.

أثناء تنفيذ حكم الجلد

​​المادة رقم 293 من قانون العقوبات الإيراني الخاص بالمحاكم التقليدية ومحاكم الثورة، تذكر تفاصيل العقوبة، ففي المادة 27 ينص القانون على شكل الآلة المستخدمة في تنفيذ العقوبة، وهي قطعة جلدية بطول متر وسمك 1/5 سنتيمتر.

وتختلف عدد ضربات السوط باختلاف "الجريمة"، فشارب الخمر يجلد 80 جلدة، أما غير المتزوج الذي يقيم علاقة خارج إطار الزواج، فيحكم عليه بـ 100 جلدة، حسب القانون الإيراني.

أما أحكام التعزير (أحكام للجرائم غير المنصوصة دينيا) فلا تقل عن 74 جلدة.

ويسمح القانون الإيراني للقاضي بالحكم بالجلد في بعض هذه الجرائم كما يرى هو، بحسب مركز إيران لحقوق الإنسان.

وقد سمحت هذه الثغرة القانونية، بإصدار أحكام بالجلد في حق نشطاء سياسيين ومدنيين والعماليين، ومعارضين بشكل عام.

تنفيذ لحكم جلد بحق إيراني، أرشيف

و ينص القانون على وجوب تطبيق الحد على الرجال وهم واقفون، لا يرتدون شيئا باستثناء ما يغطي العورة، ويمكن للسوط ملامسة أي منطقة في الجسد باستثناء الوجه والرأس والعورة.

"74 جلدة لكل الحاضرين" 

وفي عام 2016 أطلقت صفحة My Stealthy Freedom التي تديرها الصحافية الإيرانية مسيح نجاد، حملة للتوعية بعقوبة الجلد.

ونشرت الصفحة صورا لإيرانيين وإيرانيات تعرضوا للجلد، سواء بسبب عدم ارتداء الحجاب بالنسبة للفتيات أو لتهم أخرى مثل الاختلاط أو لشرب المشروبات الكحولية.

وتحكي إحدى ضحايا عقوبة الجلد قصتها للصفحة، قائلة إنه تم تنفيذ عقوبة الجلد عليها بعد حضورها حفل مختلط في مدينة "رباط كريم" بالقرب من العاصمة طهران.

وقد تعرض الضيوف للاستجواب والضرب المبرح قبل أن يتم نقلهم إلى مركز الشرطة حيث تعرضوا هناك لإهانات، وأرغموا على قضاء ثلاث ليال في المعتقل قبل أن يحكم عليهم بـ 74 جلدة لكل واحدة منهن.

ونشرت مواقع إيرانية قصة القبض على 35 شابة ورجل في محافظة قزوين بسبب الرقص، والاختلاط، وتناول المشروبات الكحولية خلال إحدى الحفلات، وحكم على كل منهم بـ 99 جلدة. وطبقت الأحكام الصادرة على الفور.

أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)
أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض للمرة الثانية خلال شهرين في رحلة استثنائية بتوقيتها ومضمونها. فنتانياهو يقصد واشنطن المنشغلة بحرب الرسوم الجمركية مع الصين، فيما عينها على النظام الإيراني، الذي ستجلس معه "مباشرةً" في سلطنة عُمان.

الرسوم الجمركية تصدرت مشهد القمة في البيت الأبيض، لكن الحدث الرئيس هو إيران. فماذا قال ترامب لحليفه نتانياهو الذي استدعاه على عَجل؟ وهل أقنع نتانياهو ترامب بوجهة نظره بخصوص إيران؟ وماذا عن غزة وسوريا وتركيا؟

خلاف حول غزة؟

يبدو أن ترامب ونتانياهو غير متفقين حول انهاء حرب غزة بسرعة، فنتانياهو غير مستعجل على ذلك، على عكس ترامب الذي أوضح رغبته في إطلاق سراح الرهائن، وإنهاء الحرب بسرعة كما قال أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لكن حديث الرئيس الأميركي عن نقل السكان "طوعيا من قطاع غزة لتجنيبهم ما يتعرضون له من قتل وبؤس"، استدعى ردا من السناتور الديمقراطي كريس فان هولن: "ترامب ونتانياهو يلطفان لغتهما بشأن خطة إخراج مليوني فلسطيني من غزة بشكل طوعي إرادي كما يقولان، لكن الأمر لن يكون إراديا ونحن ندخل اليوم السادس والثلاثين من فرض حصار إنساني على غزة. ليس الأمر إراديا عندما تكون غزة قد دمرتّ بالكامل تقريباً، فيما يُهدد وزير الدفاع الإسرائيلي سكان غزة بالدمار".

"تواصلٌ قويٌ... ولكن!

يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً جويل روبن لبرنامج "عاصمة القرار" من الحرة"، إن زيارة نتانياهو لترامب كانت في جوهرها لمناقشة اجتماع الولايات المتحدة مع إيران في عُمان، لكن نتانياهو لم يخرج بالكثير من الفوائد من هذه الزيارة، سوى كونه أول زعيم تحدث مع الرئيس ترامب بشأن التعريفات الجمركية".

ويضيف روبن: "كما أن نتانياهو لم يحصل على التزام من ترامب بقصف إيران أو الموافقة على الشروط الدبلوماسية التي يبحث عنها نتانياهو، وهي التفكيك الكامل لكل البنية المعلوماتية النووية الإيرانية. لذلك كان اجتماعا مُهما لناحية التواصل القوي بين ترامب ونتانياهو، رغم عدم حصوله على الكثير من النتائج".

تحدث ترامب ونتانياهو عن الرسوم الجمركية وعن غزة والرهائن، كما يقول الباحث الأميركي جو تروزمان، الذي لم يجد "أي تغيير كبير من إدارة ترامب أو تحوّل في السياسة فيما يتعلق بالرهائن. لذلك فإنه إذا وُصف ذلك بأن نتانياهو خرج خالي الوفاض من هذا الاجتماع فيما يتعلق بغزة أو فيما يتعلق بالرهائن، فأعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً".

خُذ عِلماً.. وانتظر!

أمام نتانياهو أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران.

وسيكون نجاح هذه المحادثات في مصلحة إيران، كما قال الرئيس الأميركي، ولكنه وجه كلامه محذرا خامنئي بالقول: "أعتقد أنه إذا لم تنجح المحادثات، فستكون إيران في خطر كبير.. أكره أن أقول هذا، لكن النظام الإيراني لا يستطيع امتلاك سلاح نووي، وإذا لم تنجح المحادثات، أعتقد في الواقع أنه سيكون يوما سيئا للغاية بالنسبة لإيران".

حشدٌ عسكريٌ... نحو التفاوض!

في رسالة واضحة للنظام الإيراني، كثفت الولايات المتحدة مؤخرا حشدها العسكري في قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي، والقريبة نسبياً من إيران.

ويعتقد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس أن أي ضربة جوية أميركية محتملة لن تستهدف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل ستستهدف أيضا قدراتها الدفاعية الجوية والصاروخية في محاولة لمنع أي رد انتقامي إيراني محتمل.

ويضيف بترايوس أن "نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية B2 في قاعدة دييغو غارسيا، ليس فقط رسالة ردع لإيران، بل جزء من الاستعدادات المحتملة لهجوم عسكري عليها، فهذه القاذفات قادرة على حمل القنبلة الخارقة العملاقة MOP، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض".

وبالحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران، واحتمالات نجاح المحادثات الدبلوماسية معها. يشدد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق الجنرال كينيث ماكينزي على أهمية ضرب الحوثيين.

وحول احتمالات توسيع العملية العسكرية الأميركية لتطال الأراضي الإيرانية، يقول ماكينزي إن "إيران تحترم القوة؛ إن اغتيال سليماني قبل خمس سنوات، والضربات ضد الحوثيين الآن، تُظهران بوضوح أن الولايات المتحدة لديها رئيس لا يثنيه احتمال التصعيد، وإن كان لا يريد الحرب".

ويتابع ماكينزي: "لدينا الآن فرصة لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات لإجراء مفاوضات جوهرية حول طموحاتها النووية - مفاوضاتٌ يجب أن تُجرى مباشرةً، لا عبر أطراف ثالثة".

ويبين أن "الهدف الأسمى للدولة الإيرانية هو الحفاظ على النظام. إذا تعرّض بقاء القيادة الدينية لتهديد مباشر وحقيقي، فستُعدّل إيران سلوكها. لدينا الآن الأدوات والإرادة لخلق هذا التهديد بطريقة فعّالة".

ترامب يستطيع إنجاز ما عجز عنه بايدن!

يدعو الباحث الأميركي تريتا بارسي، الرئيس ترامب لعدم الاستماع لنصائح نتانياهو ببدء حرب مع إيران.

ويُضيف بارسي أن "القيادة الإيرانية تعتقد أن الرئيس دونالد ترامب أقدر من الرئيس السابق جو بايدن على التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأن طهران تعتقد أن ترامب يريد حقا التوصل إلى اتفاق، وأنه مُستعد وقادر على تقديم تخفيف جدي للعقوبات لتحقيق ذلك".

ويتابع: "لذا فإن الوعد لإيران أكبر بكثير مع ترامب مما كان عليه مع بايدن. ويبدو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات لضمان هذا الجانب الإيجابي. وهذا هو السبب الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، وراء سرعة الأمور الآن نحو الدبلوماسية مع ترامب".

هو صاحب القرار أمام نتانياهو!

من جهته، ينقل الكاتب في واشنطن بوست ديفيد إغناطيوس، عن مسؤول في الإدارة الأميركية تشديدها على أن تكون المحادثات مع إيران مباشرة. لأن كسر "حاجز انعدام الثقة العميق بين الطرفين يتطلب نقاشا شاملا وتوافقا في الرؤى".

وحول القمة بين ترامب ونتانياهو، يلاحظ ديفيد إغناطيوس أن: "هذا العرض في المكتب البيضاوي منح ترامب فرصة لإظهار أمر لم ينجح فيه أسلافه الديمقراطيون، جو بايدن وباراك أوباما وهو توضيح من هو صاحب القرار أمام نتانياهو"، لافتا إلى أن ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن عزمه التفاوض مع خصم إسرائيل الأكبر، بل كانت نبرة الاجتماع بين الرجُلين مختلفة تماما عن زيارة نتانياهو للبيت الأبيض في أوائل فبراير".

ويلفت ماكينزي إلى أنه في "حين تركزت النقاشات على آمال إسرائيل في دعم ترامب لأي عمل عسكري محتمل ضد منشآت إيران النووية، لكن المسؤولين في إدارة ترامب أكدوا لي أن ترامب كان أكثر حرصا على الدبلوماسية من العمل العسكري".

ترامب يضع إيران في مأزق!

"سيضع ترامب إيران في مأزق بإعلانه الصريح أن المحادثات ستكون مباشرة، كما يقول الكاتب الأميركي الإيراني فالي نصر، الذي يرى أنه و"لتجنب الظهور بمظهر من غَيَّرَ موقفه، تُصرُّ إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة، لكن في الواقع، من مصلحة إيران أن تكون المحادثات مباشرة ليتحدد اتجاهها".

ويعتقد نصر أن "كلا الجانبين يرغبان في تغيير الديناميكية الحالية، ومن المرجح أن يبدأ التفاوض بشكل غير مباشر ظاهريا، ثم ينتقلان إلى مخاطبة بعضهما البعض مباشرة. في النهاية، ستكون الصيغة أقل أهمية مما سيُقال". 

لكن، هل تقبل القيادة الإيرانية بطلب ترامب تفكيك برنامجها النووي على غرار ما حدث في ليبيا، بالإضافة إلى إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم النظام الإيراني للميليشيات في بعض البلدان العربية؟

يعتقد كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جو تروزمان أن هناك فرصة سانحة لإيران وإدارة ترامب لحل القضية النووية.

ويتابع: "لكن قبول إيران بتفكيك برنامجها النووي سيتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وحوافز أميركية أخرى لإيران. كما أن طهران لن تقبل بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية المرتبطٌ بالنووي بشكل وثيق. والنظام الإيراني لن يقبل بالتخلّي عن الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين، الذين يمارسون نفوذًا لصالح طهران".

بالمقابل، يعتقد جويل روبن أن النظام الإيراني "غير مُستعد لتقديم تنازلات بسرعة. لقد رأينا ذلك مرارا وتكرارا، وبالنسبة للرئيس ترامب، فبينما يُصرّح برغبته في التوصل إلى اتفاق وتجنب حرب في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من أشدّ المؤيدين لرفع العقوبات عن إيران وتقديم مليارات الدولارات من المزايا التي انتقدها بشدة في الماضي. أعتقد أن ما يُمكننا توقعه من هذه الاجتماعات هو استشراف إمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية".

وفيما تطرقت المباحثات الأميركية الإسرائيلية إلى الدور التركي المتنامي في سوريا، والذي لا يزعج ترامب بقدر ما يضايق نتانياهو. تبقى أنظار الجميع مصوبة نحو الملف الإيراني الذي تتسابق في الدبلوماسية مع الضربة العسكرية.