لقطة لحاملة الطائرات الأميركية صورتها طائرة أبابيل 3 الإيرانية بدون طيار
لقطة لحاملة الطائرات الأميركية صورتها طائرة أبابيل 3 الإيرانية بدون طيار

كريم مجدي

دائما ما ينظر العالم للدعاية العسكرية الإيرانية بعين الريبة بسبب التاريخ الطويل من الأكاذيب التي طالما عكف النظام الإيراني على تصديرها.

هذه المرة نشرت وكالة أنباء تسنيم المقربة من الحرس الثوري الإيراني، فيديو جديدا يظهر طائرة بلا طيار زرقاء كتب عليها "أبابيل 3"، تحلق فوق حاملة طائرات أميركية في الخليج.

صورة لأبابيل 3

​​وقالت "تسنيم" إن الفيديو التقط مؤخرا لأسطول أميركي متواجد في الخليج من قبل الطائرات المسيرة لبحرية الحرس الثوري الإيراني.

لكن سرعان ما أعلنت البحرية الأميركية أن الصور التي التقطتها الطائرة العسكرية الإيرانية تخص حاملة طائرات أميركية تبحر في الخليج "تعود لأعوام خلت".

وقالت كلوي مورغان، المتحدثة باسم القيادة المركزية للقوات البحرية لوكالة الصحافة الفرنسية "يبدو أن الصور التي بثها الإيرانيون مؤخرا تعود لأعوام خلت أثناء عملية الانتشار الأخير لحاملة الطائرات يو إس إس دوايت أيزنهاور (سي في إن 69)".

هذه ليست المرة الأولى التي تكذب فيها إيران بخصوص إنجازات عسكرية وهمية فخلال العام الماضي، تم الكشف عن زيف أربع قصص اختلقتها إيران.

1- فشل في إطلاق الأقمار الصناعية

أظهرت صورة التقطت عبر الأقمار الصناعية في شباط/فبراير الماضي، محاولة فاشلة لعملية إطلاق صاروخ إيراني كان يحمل قمرا صناعيا.

وتظهر الصور التي أصدرتها شركة ديجيتال غلوب التي تتخذ من ولاية كولورادو الأميركية مقرا لها، صاروخا في مركز الإمام الخميني الفضائي في محافظة سمنان الإيرانية، فيما تظهر صور أخرى اختفاء الصاروخ مع وجود ما يبدو أنها علامات حروق على منصة إطلاقه.

​​ورجح حينها ديفيد شميلير، الباحث في معهد ميدلبوري للدراسات الدولية، احتمالية حدوث خطأ خلال الرحلة، مضيفا "يبدو أن الصاروخ قد ارتفع وربما فشل في إدخال القمر الصناعي إلى مداره".

يذكر أن إيران قد أخفقت في عملية إطلاق قمر صناعي في كانون الثاني/يناير الماضي، والذي يدعى "بايام"، أو الرسالة.

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قد ذكر أن خطط إيران لإرسال أقمار صناعية إلى المدار تدل على تحدي البلاد لقرار مجلس الأمن الذي يدعو طهران إلى عدم القيام بنشاط يتعلق بالصواريخ البالستية القادرة على حمل أسلحة نووية.

2- المقاتلة كوثر

اضطرت السلطات الإيرانية إلى تسريب حقيقة المقاتلة "كوثر" في آب/أغسطس 2018، بعد أيام من انتشار فرضية خداع الجيش الإيراني للعالم.

وقالت وكالة "تسنيم" الإيرانية المقربة من الحرس الثوري، في نسختها الفارسية، إن "المقاتلة كوثر في الحقيقة هي تطوير لنفس تصميم الـ F-5 الأميركية، على يد وزارة الدفاع الإيرانية".

المقاتلة كوثر

​​وكانت تقارير صحافية عدة قد شككت عقب إزاحة الستار عن "كوثر"، في مزاعم طهران إنتاج مقاتلة جديدة، وفي مصداقية الصناعات العسكرية الإيرانية التي تمتلك تاريخا حافلا من الترويج لإنجازات وهمية.

وفي حين اعترفت النسخة الفارسية من تسنيم بأن "كوثر" ما هي إلا نسخة مطورة من الـ F-5، فإن النسخة العربية من الوكالة لم تشر إلى أي صلة بين "كوثر" والمقاتلة الأميركية.

واشترت إيران نحو 200 مقاتلة أميركية من طراز F-5A و F-5B في سبعينيات القرن الماضي خلال حكم الشاه، إلا أن الطائرة خرجت من الخدمة في العديد من الدول نظرا لقدمها.

​​​

​​​3- صواريخ تسقط سريعا

في تشرين الأول/أكتوبر 2018، ادعت إيران ضرب معاقل منفذي الهجوم الذي استهدف عرضا عسكريا في مدينة الأحواز جنوب غربي الجمهورية الإسلامية في 22 أيلول/سبتمبر، باستخدام الصواريخ.

 

​​لكن مسؤول عسكري أميركي قال لـ "قناة الحرة"، إن صاروخين من الصواريخ الخمسة التي أطلقتها إيران، سقطا بعد ثوان قليلة من إطلاقهما.

وقد أكد تصريح المسؤول الأميركي صحة ما تداوله ناشطون إيرانيون عن سقوط صواريخ أطلقها الحرس الثوري في محافظة كرمنشاه الإيرانية.​​

4- فشل الصواريخ في العراق

تفاخر الحرس الثوري الإيراني في أيلول/سبتمبر 2018، بإصابة سبعة صواريخ أطلقها على مقر حركة معارضة كردية إيرانية في العراق.

الهجوم استهدف مقر الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني المعارض في قضاء كويسنجق التابع لمحافظة أربيل في إقليم كردستان العراق، أسفر عن مقتل 11 شخصا وإصابة 30 آخرين بجروح.

وبينما تفتخر وسائل الإعلام الإيرانية بقدراتها الصاروخية التي أصابت الحزب الكردي (الصغير الحجم نسبيا)، فإن تقريرا لموقع Iran Wire شكك في إصابة الصواريخ لأهدافها.

​​وبحسب Iran Wire، فقد تم إطلاق نحو سبعة صواريخ من قاعدة "المهدي" بمدينة أرومية، و10 أخرى من قاعدة "سيد الشهداء" بمدينة آذرشهر، إلا أن نسبة نجاح العملية تعدت نسبة الـ10 بالمئة بقليل، أي أن صاروخين فقط أصابا الأهداف من أصل 17 صاروخا على أحسن الأحوال.

إيران

لأكثر من عقدين، حوّل النظام الإيراني الفضاء السيبراني إلى ساحة معركة، لا لمواجهة هجمات إلكترونية قادمة من الخارج، بل لإحكام السيطرة على الشعب الإيراني. 

منذ تأسيسها مركز جرائم الإنترنت في عام 2000، أنشأت إيران أحد أكثر أنظمة الرقابة الرقمية تشددا في العالم. 

في إيران اليوم، لا يعني النشاط الإلكتروني احتمال التعرض لتوبيخ أو غرامة، بل قد يعني الاعتقال، والتعذيب، أو حتى الإعدام.

أمة تحت المجهر

كل مستخدم للإنترنت في إيران مشتبه فيه. إذ تحجب السلطات المنصات الناقدة للنظام، والمرتبطة بالمعارضة، وحتى تلك التي تروّج للثقافة الغربية، وما يعتبره سدنة النظام مخالفا للشريعة. 

لكن حجب المحتوى ليس سوى إجراء أولي في منظومة قمع معقدة تديرها أجهزة أمنية ضخمة تشمل شرطة الإنترنت (فتا)، وجهاز الاطلاعات "الشرطة السرية"، وهيئات مثل المجلس الأعلى للفضاء السيبراني.

هذه الأجهزة لا تكتفي بالمراقبة.

في العام الماضي، تصاعدت وتيرة الاعتقالات بحق ناشطين ومدونين وأصحاب أعمال صغيرة. وفي أبريل، شهدت الحملة تصعيدا غير مسبوق، إذ داهمت القوات الأمنية منازل، وصادرت هواتف وحواسيب، واعتقلت مواطنين بتهم فضفاضة، مثل "نشر القيم الغربية" أو "التجسس لصالح إسرائيل والولايات المتحدة" أو "محاربة الله".

أصوات من الظل

خلال العمل على هذا التقرير، تمكنت قناة "الحرة" من التواصل مع "مهرداد"، اسم مستعار لناشط حقوقي في طهران، وكان أحد الإيرانيين، الذي طالتهم حملات القمع الإلكترونية التي تشنها السلطات الإيرانية ضد الناشطين على الإنترنت.

احتُجز مهرداد على مدى أسبوع، تعرض خلاله إلى التعذيب الجسدي والنفسي. 

"عرضوا عليّ منشوراتي على مواقع التواصل"، قال. وهي منشورات تنتقد الاعتداءات على حقوق الإنسان وتدعم احتجاجات النساء ضد الحجاب الإجباري. 

"اتهموني بإرسال تقارير إلى منظمات دولية. كانوا يعرفون كل شيء".

حتى أفراد أسرته استُجوبوا. وتكررت المداهمات اليومية. أُطلق سراحه فقط بعد توقيعه على تعهّد خطي بعدم ممارسة أي نشاط حقوقي، تحت التهديد بالإعدام.

"أنا لستُ حرا،"يقول.

"أتوقع عودتهم لاعتقالي في أي لحظة".

القمع شامل

القمع الإلكتروني في إيران لا يستهدف المعارضين السياسيين فحسب. 

"آريا"، صاحبة حساب لبيع مستحضرات تجميل على السوشل ميديا. فرت من طهران إلى كردستان - العراق بعد أن أغلق النظام صفحتها التجارية على فيسبوك وإنستغرام بحجة "نشر منتجات تخدش الحياء". احتجزتها الاستطلاعات "المخابرات" لثلاثة أيام تعرضت خلالها للتعذيب، ثم أُطلقوا سراحها بعد دفعها 5 مليارات تومان غرامة.

حتى الفنانين لم يُستثنوا. في أبريل، استُدعي مغني الراب الإيراني عماد قوّدل وأُجبر على التعهد بعدم نشر أي محتوى معارض على وسائل التواصل. كتب على إنستغرام: "أبلغوني أنهم سيصادرون صفحتي إن خالفت التعهّد".

وتنفذ الشرطة السيبرانية بالتنسيق مع الاطلاعات الإيرانية غالبية عمليات واعتقال الناشطين. وبحسب شهادات معتقلين سابقين تحدث معهم موقع "الحرة"، يجري عناصر الاطلاعات تحقيقات مكثفة مع المعتقلين في بادئ الأمر، ثم يحولونهم إلى الشرطة السيبرانية التي تواصل التحقيق معهم، ومن ثم تطلق سراحهم أو تحولهم إلى المحاكم التي تفرض عليهم عقوبات قد تصل إلى الإعدام إذا كانت تهمهم التجسس أو الانتماء إلى تنظيم معارض.

مشروع الإنترنت الوطني

بالتوازي مع القمع، توسّع إيران مشروع "شبكة الإنترنت الوطنية"، شبكة مغلقة بالكامل تحت سيطرة الدولة، تقيد الوصول إلى المواقع العالمية وتُطبق سياسات النظام في الحجب والمراقبة.

يقول نشطاء سياسيون إن هذه الشبكة لا تهدف فقط للسيطرة على المحتوى، بل لعزل الشعب وتجريم التواصل.

وبحسب منظمة هانا، التي تعنى بحقوق الإنسان في كردستان إيران، راقبت شرطة الإنترنت أكثر من 9800 موقع خلال العام الماضي، واتهمت 1700 منها بـ"أنشطة إجرامية".

الاقتصاد الرقمي يختنق

لكن هذا العزل له ثمن. أصحاب المشاريع، والمستقلون، والشركات الرقمية تضرروا بشدة. العديد من المنصات أُغلقت، والعائدات انهارت. "بدلا من أن تكون الفضاءات الرقمية منصة للتنمية، يعتبرها النظام تهديدا للأمن القومي"، يقول حميد بهرامي، رئيس منظمة هانا.

المقاومة خلف الجدار

رغم الخطر، لا تزال المقاومة الرقمية في إيران مستمرة. يستخدم النشطاء برامج VPN وتطبيقات مشفرة لتوثيق الانتهاكات. لكنها ممارسة محفوفة بالمخاطر. فالقانون الإيراني يجرم استخدام هذه الأدوات، ويعاقب عليه بالسجن أو الغرامات أو حظر السفر.

ورغم هذا، فإن أصوات ناشطين مثل مهرداد وآريا لا تزال تُسمع من خلف الجدار، لتقول للعالم إن جيلا بأكمله لا يزال يتحدث، ولا يزال يُرعب النظام الحاكم بالإصرار على نقل الحقيقة.