"يو أس أس أبراهام لينكولن" في مياه الخليج
"يو أس أس أبراهام لينكولن" في مياه الخليج

يضع أي نزاع مفتوح بين إيران والولايات المتحدة في حال اندلاعه، التفوّق العسكري الأميركي المتمثّل بالأسطول الخامس في البحرين وعدد من القواعد في المنطقة وحاملات الطائرات ودعم الحلفاء السعوديين والإسرائيليين، في مواجهة نظام معزول في إيران أرهقته العقوبات الاقتصادية على مرّ سنوات.

وللنظام الإيراني قدرات عسكرية محدودة مقارنة بالأميركية، وبينها الزوارق السريعة والألغام وصواريخ بر-بحر، بقيادة الحرس الثوري، العمود الفقري للقوات العسكرية.

وبحسب جان سيلفيستر مونغرونييه من معهد "توماس مور" الفرنسي البلجيكي، فإن "التوجّه العام والوسائل (العسكرية) الإيرانية تندرج ضمن مفهوم حرب العصابات البحرية"، مضيفا "الهدف سيكون إحداث أضرار كبيرة (...) مع المراهنة على رفض الولايات المتحدة الانجرار إلى تصعيد".

وبإمكان الإيرانيين التسبّب بمصاعب للبحرية الأميركية في بحر عمان ومياه الخليج اللذين تعرفهما البحرية الإيرانية جيدا.

ويرى مونغرونييه أنّ على الولايات المتحدة "الأخذ بالاعتبار تداعيات مواجهة محتملة مباشرة مع إيران على وضع قواتها العام بالمقارنة مع الصين وروسيا".

الهدف: انتصار نفسي

​​

 

 

ويقول "مركز الدراسات العليا البحرية" الفرنسي إنّه "منذ الثورة في العام 1979، والحرب الإيرانية العراقية، اختبرت السلطات الإيرانية وطوّرت استراتيجيات جديدة تهدف إلى تحقيق انتصار جزئي، ولو غير مضمون، خصوصا على الصعيد النفسي".

وخصّص المركز تقريرا حول الاستراتيجية البحرية الإيرانية التي تتشابه مع الاستراتيجيات الفرنسية في القرن التاسع عشر والتي كانت تقوم على مضاعفة أعداد الزوارق الصغيرة والسريعة بدل التركيز على بناء بوارج قوية، كما كان يفعل الإنكليز.

ويوضح مونغرونييه أنّ الخطط الإيرانية تقوم على "نشر ألغام في مضيق هرمز (مصنوعة في الصين وروسيا وكوريا الشمالية وكذلك في إيران)، والتحرّش بالوحدات البحرية الأميركية من خلال الزوارق السريعة، واستخدام صواريخ بر-بحر المضادة للقطع البحرية".

ومضيق هرمز ممر بحري ضيّق يفصل بين إيران وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية، تسلكه السفن الآتية من الخليج للوصول إلى بحر عمان ثم المحيط الهندي، وتعبر منه يوميا نحو ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرا.

وكتب جيمس هولمز من "كلّية الحرب البحرية" الأميركية في نشرة "ناشونال انترست" أنّ الايرانيين "سيركّزون قوّتهم النارية (...) وجهودهم على الموقع الأكثر ضيقا في الممر، حيث من المعروف مسبقا أن العدو سيمر، وحيث الاستهداف أسهل، والفرار أصعب".

وتابع "لن تكون حرب بحرية بالمعنى الحرفي، ولن تكون هناك مواجهة مفتوحة في البحر بين قوتين متكافئتين".

ورأى هولمز أنّه لا يمكن "مقارنة القوات واستخلاص أن البحرية الأميركية ستسحق القوات الإيرانية (...)، فجزء من البحرية الأميركية هو الذي سيخوض وحده مواجهة مع القوات الإيرانية، ليس فقط البحرية، ولكن أيضا ضد قوات برية تطلق النار من الساحل".

مواجهة سابقة

​​

 

 

وفي سنة 1988، شنّت القوات البحرية الأميركية عملية قرب مضيق هرمز ضد إيران بعدما ارتطمت فرقاطة بلغم بحري. وقتل في العملية 300 جندي إيراني وأصيب 300 آخرون بجروح، بينما لقي طياران أميركيان مصرعهما.

ومنذ يومين اتخذت الإدارة الأميركية قرارا بإرسال ألف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، وهي خطوة رآها المحللون بأنها تعزّز الخلل في موازين القوى في المنطقة الحيوية، في مواجهة جيش إيراني متمرّس في تكتيكات حرب العصابات البحرية والرافض للانجرار الى حرب مباشرة يدرك أنّه سيخسرها.

ولم تحدّد وزارة الدفاع الأميركية المواقع التي سينتشر فيها الجنود الإضافيون ولا موعد وصولهم. ويأتي القرار بعد خطوة مماثلة في نهاية مايو قضت بإرسال 1500 جندي غير الموجودين في المنطقة، بالإضافة إلى طائرات استطلاع وسرب من المقاتلات وحاملة طائرات وبطارية صواريخ "باتريوت".

وبرّرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تقود حملة شرسة ضد إيران، قرارات إرسال الجنود والمعدات بالقول إنها تأتي لمواجهة "تهديدات جدّية من جانب إيران".

أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)
أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض للمرة الثانية خلال شهرين في رحلة استثنائية بتوقيتها ومضمونها. فنتانياهو يقصد واشنطن المنشغلة بحرب الرسوم الجمركية مع الصين، فيما عينها على النظام الإيراني، الذي ستجلس معه "مباشرةً" في سلطنة عُمان.

الرسوم الجمركية تصدرت مشهد القمة في البيت الأبيض، لكن الحدث الرئيس هو إيران. فماذا قال ترامب لحليفه نتانياهو الذي استدعاه على عَجل؟ وهل أقنع نتانياهو ترامب بوجهة نظره بخصوص إيران؟ وماذا عن غزة وسوريا وتركيا؟

خلاف حول غزة؟

يبدو أن ترامب ونتانياهو غير متفقين حول انهاء حرب غزة بسرعة، فنتانياهو غير مستعجل على ذلك، على عكس ترامب الذي أوضح رغبته في إطلاق سراح الرهائن، وإنهاء الحرب بسرعة كما قال أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لكن حديث الرئيس الأميركي عن نقل السكان "طوعيا من قطاع غزة لتجنيبهم ما يتعرضون له من قتل وبؤس"، استدعى ردا من السناتور الديمقراطي كريس فان هولن: "ترامب ونتانياهو يلطفان لغتهما بشأن خطة إخراج مليوني فلسطيني من غزة بشكل طوعي إرادي كما يقولان، لكن الأمر لن يكون إراديا ونحن ندخل اليوم السادس والثلاثين من فرض حصار إنساني على غزة. ليس الأمر إراديا عندما تكون غزة قد دمرتّ بالكامل تقريباً، فيما يُهدد وزير الدفاع الإسرائيلي سكان غزة بالدمار".

"تواصلٌ قويٌ... ولكن!

يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً جويل روبن لبرنامج "عاصمة القرار" من الحرة"، إن زيارة نتانياهو لترامب كانت في جوهرها لمناقشة اجتماع الولايات المتحدة مع إيران في عُمان، لكن نتانياهو لم يخرج بالكثير من الفوائد من هذه الزيارة، سوى كونه أول زعيم تحدث مع الرئيس ترامب بشأن التعريفات الجمركية".

ويضيف روبن: "كما أن نتانياهو لم يحصل على التزام من ترامب بقصف إيران أو الموافقة على الشروط الدبلوماسية التي يبحث عنها نتانياهو، وهي التفكيك الكامل لكل البنية المعلوماتية النووية الإيرانية. لذلك كان اجتماعا مُهما لناحية التواصل القوي بين ترامب ونتانياهو، رغم عدم حصوله على الكثير من النتائج".

تحدث ترامب ونتانياهو عن الرسوم الجمركية وعن غزة والرهائن، كما يقول الباحث الأميركي جو تروزمان، الذي لم يجد "أي تغيير كبير من إدارة ترامب أو تحوّل في السياسة فيما يتعلق بالرهائن. لذلك فإنه إذا وُصف ذلك بأن نتانياهو خرج خالي الوفاض من هذا الاجتماع فيما يتعلق بغزة أو فيما يتعلق بالرهائن، فأعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً".

خُذ عِلماً.. وانتظر!

أمام نتانياهو أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران.

وسيكون نجاح هذه المحادثات في مصلحة إيران، كما قال الرئيس الأميركي، ولكنه وجه كلامه محذرا خامنئي بالقول: "أعتقد أنه إذا لم تنجح المحادثات، فستكون إيران في خطر كبير.. أكره أن أقول هذا، لكن النظام الإيراني لا يستطيع امتلاك سلاح نووي، وإذا لم تنجح المحادثات، أعتقد في الواقع أنه سيكون يوما سيئا للغاية بالنسبة لإيران".

حشدٌ عسكريٌ... نحو التفاوض!

في رسالة واضحة للنظام الإيراني، كثفت الولايات المتحدة مؤخرا حشدها العسكري في قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي، والقريبة نسبياً من إيران.

ويعتقد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس أن أي ضربة جوية أميركية محتملة لن تستهدف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل ستستهدف أيضا قدراتها الدفاعية الجوية والصاروخية في محاولة لمنع أي رد انتقامي إيراني محتمل.

ويضيف بترايوس أن "نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية B2 في قاعدة دييغو غارسيا، ليس فقط رسالة ردع لإيران، بل جزء من الاستعدادات المحتملة لهجوم عسكري عليها، فهذه القاذفات قادرة على حمل القنبلة الخارقة العملاقة MOP، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض".

وبالحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران، واحتمالات نجاح المحادثات الدبلوماسية معها. يشدد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق الجنرال كينيث ماكينزي على أهمية ضرب الحوثيين.

وحول احتمالات توسيع العملية العسكرية الأميركية لتطال الأراضي الإيرانية، يقول ماكينزي إن "إيران تحترم القوة؛ إن اغتيال سليماني قبل خمس سنوات، والضربات ضد الحوثيين الآن، تُظهران بوضوح أن الولايات المتحدة لديها رئيس لا يثنيه احتمال التصعيد، وإن كان لا يريد الحرب".

ويتابع ماكينزي: "لدينا الآن فرصة لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات لإجراء مفاوضات جوهرية حول طموحاتها النووية - مفاوضاتٌ يجب أن تُجرى مباشرةً، لا عبر أطراف ثالثة".

ويبين أن "الهدف الأسمى للدولة الإيرانية هو الحفاظ على النظام. إذا تعرّض بقاء القيادة الدينية لتهديد مباشر وحقيقي، فستُعدّل إيران سلوكها. لدينا الآن الأدوات والإرادة لخلق هذا التهديد بطريقة فعّالة".

ترامب يستطيع إنجاز ما عجز عنه بايدن!

يدعو الباحث الأميركي تريتا بارسي، الرئيس ترامب لعدم الاستماع لنصائح نتانياهو ببدء حرب مع إيران.

ويُضيف بارسي أن "القيادة الإيرانية تعتقد أن الرئيس دونالد ترامب أقدر من الرئيس السابق جو بايدن على التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأن طهران تعتقد أن ترامب يريد حقا التوصل إلى اتفاق، وأنه مُستعد وقادر على تقديم تخفيف جدي للعقوبات لتحقيق ذلك".

ويتابع: "لذا فإن الوعد لإيران أكبر بكثير مع ترامب مما كان عليه مع بايدن. ويبدو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات لضمان هذا الجانب الإيجابي. وهذا هو السبب الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، وراء سرعة الأمور الآن نحو الدبلوماسية مع ترامب".

هو صاحب القرار أمام نتانياهو!

من جهته، ينقل الكاتب في واشنطن بوست ديفيد إغناطيوس، عن مسؤول في الإدارة الأميركية تشديدها على أن تكون المحادثات مع إيران مباشرة. لأن كسر "حاجز انعدام الثقة العميق بين الطرفين يتطلب نقاشا شاملا وتوافقا في الرؤى".

وحول القمة بين ترامب ونتانياهو، يلاحظ ديفيد إغناطيوس أن: "هذا العرض في المكتب البيضاوي منح ترامب فرصة لإظهار أمر لم ينجح فيه أسلافه الديمقراطيون، جو بايدن وباراك أوباما وهو توضيح من هو صاحب القرار أمام نتانياهو"، لافتا إلى أن ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن عزمه التفاوض مع خصم إسرائيل الأكبر، بل كانت نبرة الاجتماع بين الرجُلين مختلفة تماما عن زيارة نتانياهو للبيت الأبيض في أوائل فبراير".

ويلفت ماكينزي إلى أنه في "حين تركزت النقاشات على آمال إسرائيل في دعم ترامب لأي عمل عسكري محتمل ضد منشآت إيران النووية، لكن المسؤولين في إدارة ترامب أكدوا لي أن ترامب كان أكثر حرصا على الدبلوماسية من العمل العسكري".

ترامب يضع إيران في مأزق!

"سيضع ترامب إيران في مأزق بإعلانه الصريح أن المحادثات ستكون مباشرة، كما يقول الكاتب الأميركي الإيراني فالي نصر، الذي يرى أنه و"لتجنب الظهور بمظهر من غَيَّرَ موقفه، تُصرُّ إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة، لكن في الواقع، من مصلحة إيران أن تكون المحادثات مباشرة ليتحدد اتجاهها".

ويعتقد نصر أن "كلا الجانبين يرغبان في تغيير الديناميكية الحالية، ومن المرجح أن يبدأ التفاوض بشكل غير مباشر ظاهريا، ثم ينتقلان إلى مخاطبة بعضهما البعض مباشرة. في النهاية، ستكون الصيغة أقل أهمية مما سيُقال". 

لكن، هل تقبل القيادة الإيرانية بطلب ترامب تفكيك برنامجها النووي على غرار ما حدث في ليبيا، بالإضافة إلى إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم النظام الإيراني للميليشيات في بعض البلدان العربية؟

يعتقد كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جو تروزمان أن هناك فرصة سانحة لإيران وإدارة ترامب لحل القضية النووية.

ويتابع: "لكن قبول إيران بتفكيك برنامجها النووي سيتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وحوافز أميركية أخرى لإيران. كما أن طهران لن تقبل بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية المرتبطٌ بالنووي بشكل وثيق. والنظام الإيراني لن يقبل بالتخلّي عن الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين، الذين يمارسون نفوذًا لصالح طهران".

بالمقابل، يعتقد جويل روبن أن النظام الإيراني "غير مُستعد لتقديم تنازلات بسرعة. لقد رأينا ذلك مرارا وتكرارا، وبالنسبة للرئيس ترامب، فبينما يُصرّح برغبته في التوصل إلى اتفاق وتجنب حرب في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من أشدّ المؤيدين لرفع العقوبات عن إيران وتقديم مليارات الدولارات من المزايا التي انتقدها بشدة في الماضي. أعتقد أن ما يُمكننا توقعه من هذه الاجتماعات هو استشراف إمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية".

وفيما تطرقت المباحثات الأميركية الإسرائيلية إلى الدور التركي المتنامي في سوريا، والذي لا يزعج ترامب بقدر ما يضايق نتانياهو. تبقى أنظار الجميع مصوبة نحو الملف الإيراني الذي تتسابق في الدبلوماسية مع الضربة العسكرية.