المظاهرات مستمرة في إيران منذ مساء الجمعة.
المظاهرات مستمرة في إيران منذ مساء الجمعة.

وسط تعتيم إعلامي ومحاولات لطمس الحقيقة وقطع الإنترنت، تشير التقارير الأولية الواردة من إيران إلى أن قمع السلطات للمظاهرات المستمرة منذ مساء الجمعة أسفر عن مقتل العشرات، الأمر الذي أثار قلقا دوليا.

وعبرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، الثلاثاء، عن "القلق" إزاء تقارير عن استخدام ذخيرة حية ضد المتظاهرين، وعن تسببها بعدد "كبير" من القتلى في أنحاء البلاد.

وقال المتحدث باسم المفوضية، روبرت كولفيل للصحافيين، "نشعر بالقلق خصوصا من أن استخدام الذخيرة الحية تسبب كما يعتقد بعدد كبير من الوفيات في أنحاء البلاد".

وأضاف أنه فيما يصعب التأكد من عدد القتلى والجرحى، لأسباب منها حجب الإنترنت منذ السبت، فإن وسائل إعلام إيرانية و"عدة مصادر أخرى" تشير إلى أن "عشرات الأشخاص قد يكونوا قتلوا" خلال التظاهرات.

وأكد ناشطون إيرانيون سقوط عدد كبير من القتلى من جراء قمع النظام للمظاهرات التي بدأت، مساء الجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن تعديلات في الدعم لأسعار الوقود، تهدف إلى مساعدة العائلات الأكثر حاجة، لكن تترافق مع رفع كبير لأسعار البنزين. 

ودعت الناشطة الإيرانية مسيح نجاد، الموجودة خارج إيران، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للتحرك إزاء انتهاكات نظام طهران حق حرية التعبير عبر الاستخدام المفرط للعنف، الذي أسفر، وفق قولها، عن مقتل أكثر من 100 شخص واعتقال المئات.

أما رئيس مدير المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية، حسن راضي، فقد قال لموقع "الحرة" إن العشرات قتلوا وأصيب المئات بجروح خلال قمع الاحتجاجات.

وفي مدينتي الجراحي والكورة في منطقة الأحواز ذات الغالبية العربية، قتل 20 شخصا، بينهم امرأة، يوم الاثنين فقط، فيما وصل عدد القتلى في المنطقة نفسها منذ اندلاع الاحتجاجات إلى 32، وفق راضي.

وأوضح أن "السلطات استدعت الحرس الثوري والحشد الشعبي العراقي لقمع المتظاهرين في الأحواز، واقتحمت تلك القوات المناطق العربية وأطلقت الرصاص الحي على المواطنين..".

وأضاف أن من عدد القتلى في كردستان إيران "وصل إلى 12 قتيلا، في وقت تستعر الأوضاع في مدينتي شيراز وأصفهان وفي المناطق الشرقية والغربية لطهران".

وقال راضي إن "قوات النظام استخدمت في شيراز أيضا الطائرات وأطلقت الرصاص الحي على المحتجين"، مشيرا إلى أن "عدد المعتقلين يصل إلى الآلاف..".

وانتشر في طهران، صباح الثلاثاء، العشرات من عناصر مكافحة الشغب في مواقع عدة وإلى جانبهم خراطيم مياه، وسط استمرار المظاهرات التي عمت معظم المناطق الإيرانية.

وتأتي هذه الاحتجاجات قبل أشهر من انتخابات برلمانية مقررة في فبراير، وفي ما تمر إيران بانكماش اقتصادي خطير ناتج عن الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة في عام 2018 من الاتفاق الدولي حول البرنامج النووي الإيراني وإعادتها فرض عقوبات اقتصادية مشددة على طهران. 

ووفق صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 9.8 في المئة هذا العام، بعد تراجع بنسبة 4.8 في المئة في 2018. وبلغ التضخم الناجم عن تراجع في سعر صرف الريال الإيراني مقابل العملات الأجنبية 40 في المئة رسمياً. 

ويقضي القرار الحكومي الذي تسبب بالاحتجاجات برفع أسعار البنزين بنسبة 50 في المئة، أي من 10 إلى 15 ألف ريال لأول 60 ليترا من البنزين يتم شراؤها كل شهر، بينما سيبلغ سعر أي مشتريات إضافية 30 ألف ريال للتر.

وكان الحرس الثوري الإيراني قال إنه مستعد "للرد بحزم.. بمواجهة استمرار انعدام الأمن والأنشطة التي تهدد السلم الاجتماعي"، في محاولة لإرهاب المتظاهرين، الذين يبدو أنهم يصرون على الاستمرار في حراكهم.

وأعربت باريس عن أسفها "لموت العديد من المتظاهرين"، فيما دعت برلين "طهران إلى احترام حرية التجمع والتعبير"، بينما أملت تركيا "عودة الهدوء بأسرع ما يمكن" إلى إيران المجاورة. 

ودان البيت الأبيض، الأحد، "استخدام القوة" من قبل السلطات و"القيود على الاتصالات"، في إشارة إلى انقطاع الإنترنت، الذي دخل حيز التنفيذ منذ مساء السبت. 

وذكر موقع "نيتبلوكس" الذي يراقب حركة الإنترنت حول العالم أن "الإيرانيين منقطعون عن العالم"، بسبب القيود على الإنترنت، وأن "اتصالهم مع العالم الخارجي لا يزال عند نسبة 5 في المئة من ما يكون عليه في الأيام العادية". 

منشأة فوردو النووية الإيرانية
منشأة فوردو النووية الإيرانية

أعلنت الولايات المتحدة الاثنين أنها قررت حظر كل نشاط في موقع فوردو النووي في إيران، كان معفيا جزئيا حتى الآن من العقوبات الأميركية، ردا على تراجع إيران تدريجيا عن التزاماتها بالاتفاق الدولي الموقع في 2015.

وكانت إيران استأنفت مطلع نوفمبر نشاطات تخصيب اليورانيوم في مصنعها الواقع تحت الأرض في فوردو في خطوة جديدة من ردها على الانسحاب الأحادي الأميركي من الاتفاق الذي يهدف الى منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك قنبلة ذرية.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مؤتمر صحفي إن "الكمية الصحيحة من اليورانيوم المخصب لدى أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم هي صفر".

وأضاف بومبيو " ليس هناك سبب مشروع يسمح لإيران باستئناف التخصيب في هذا الموقع الذي كان سريا"، مؤكدا أنه "على إيران أن توقف نشاطاتها هناك فورا".

وتابع الوزير "نتيجة لذلك، ستنهي الولايات المتحدة الإعفاءات من العقوبات المتعلقة بالمنشأة النووية في فوردو اعتبارا من 15 ديسمبر 2019".

وبعد انسحابها من الاتفاق النووي في مايو 2018 معتبرة أنه غير كاف، أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب فرض كل عقوباتها الاقتصادية على إيران ولم تكف عن تعزيزها في إطار حملتها لممارسة "ضغوط قصوى" على طهران.

لكن سرا، واصلت واشنطن تجديد الاستثناءات لثلاثة مشاريع للبرنامج النووي المدني الإيراني، بينها مشروع في فوردو.

لا يشمل القرار الأميركي الموقعين الآخرين اللذين منحا استثناءات وهما محطة بوشهر ومفاعل أراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة وتم تعديله بإشراف الأسرة الدولية لجعله غير قادر على إنتاج بلوتونيوم للاستخدام العسكري.

وإلى جانب استئناف تخصيب اليورانيوم في فوردو، لم تعد إيران تحترم اليوم الحد الذي فرضه الاتفاق على مخزوناتها من اليورانيوم المخصب (300 كلغ).

كما تجاوزت السقف الذي يمنعها من إنتاج اليورانيوم المخصب بنظائر 235 بنسبة تتجاوز 3.67 في المئة.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الاثنين إن احتياطات إيران من المياه الثقيلة التي يمكن أن تستخدم في إنتاج البلوتونيوم الذي يستعمل في صناعة أسلحة ذرية، تجاوزت السقف المحدد في اتفاق 2015.

وخلال عملية تفتيش الأحد تبين أن مخزون المياه الثقيلة لإيران "بلغ 131.5 طنا"، أي أكثر من السقف المحدد للمخزونات بــ 130 طنا.

وهي المرة الأولى التي تتحدث فيها الوكالة عن تجاوز هذا السقف منذ أن أعلنت إيران في مايو انسحابها التدريجي من الاتفاق.

وتهدف هذه الخطوة إلى إنهاء التعاون الروسي والأوروبي مع إيران في هذه المنشأة التي كانت سرية في السابق، وكان من المفترض أن تتحول الى مركز للبحوث المدنية بموجب اتفاق عام 2015 النووي لإيران مع الدول الست الكبرى.

واعتبر منتقدو ترامب أن الإعفاءات تسمح للإدارة برؤية فوائد الاتفاق، بينما كان صقور الجمهوريين يضغطون على بومبيو لإنهائها.

ويأتي الموقف الاميركي بإنهاء الاعفاءات في الوقت الذي تهز فيه إيران احتجاجات عنيفة أشعلها قرار الحكومة هناك برفع أسعار الوقود. وأعرب بومبيو مجددا عن تضامنه مع المتظاهرين الايرانيين، قائلا "العالم يراقب".

وأضاف أن "الشعب الايراني سيحظى بمستقبل أفضل عندما تشرع حكومته باحترام حقوق الانسان الاساسية وتتخلى عن موقفها الثوري وسياستها الخارجية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وتتصرف ببساطة كدولة طبيعية".