حرق البنوك ومحطات الوقود والمتاجر مستمر في إيران لليوم الثالث على التوالي
حرق البنوك ومحطات الوقود والمتاجر مستمر في إيران لليوم الثالث على التوالي

لم يخطر ببال رجال الدين الحاكمين في إيران أن قرار زيادة أسعار الوقود الذي اتخذوه في ساعات متأخرة من الليل، قد يضعهم في مواجهة أسوأ اضطراب شعبي منذ 40 عاما؛ فلأول مرة يتحدر الغاضبون من الطبقة التي كانت تاريخيا داعمة لهم.

وفي غضون 72 ساعة من الزيادة المفاجئة بـ50 في المئة في أسعار البنزين، تصاعد الغضب وبدأ المحتجون يطالبون برحيل النظام.

وفي العديد من الأماكن، ردت قوات الأمن بفتح النار على المحتجين العزل، ومعظمهم من العاطلين عن العمل أو الشبان ذوي الدخل المنخفض، الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و26 عاما، وفقا لتقرير في صحيفة "نيويورك تايمز".

ففي مدينة ماهشهر الجنوبية الغربية وحدها، قال شهود عيان وموظفون طبيون، إن أعضاء الحرس الثوري حاصروا المكان وأطلقوا النار وقتلوا من 40 إلى 100 متظاهر.

ونقلت الصحيفة في تقريرها عن  أوميد ميمارين نائب مدير مركز حقوق الإنسان في إيران، وهي منظمة مقرها في نيويورك، إن "الاستخدام الأخير للقوة المميتة ضد الناس في جميع أنحاء البلاد لم يسبق له مثيل، حتى في دولة سجلها عنيف مثل إيران".

ووفقا لمنظمات حقوق الإنسان والصحفيين المحليين، يتراوح عدد القتلى بين 180 إلى 450 شخص، وربما يكون العدد أكثر بكثير، مع ما لا يقل عن 2000 من الجرحى و7000 معتقل.

 وتوضح الصحيفة أن تفاصيل القمع الذي مارسه النظام بدأ يظهر للعلن بعد عودة الإنترنت.

وحاولت إيران بزيادة أسعار البنزين سد الفجوة الكبيرة في الميزانية.

وتتركز الاضطرابات في الأحياء والمدن المأهولة بالأسر ذات الدخل المنخفض والطبقة العاملة، مما يوحي بأن هذه الانتفاضة ولدت في القاعدة الموالية تاريخيا لقادة إيران بعد الثورة، وفقا للتقرير.

ووجه الإيرانيون انتقاداتهم الغاضبة مباشرة إلى المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي وصف الاحتجاجات بأنها مؤامرة من الخارج.

كدسوا القتلى في شاحنة ورحلوا

وأجرت صحيفة نيويورك تايمز مقابلات مع ستة من سكان ماهشهر وضواحيها، منهم زعيم احتجاج شهد العنف، ومراسل يقيم في المدينة يعمل لصالح وسائل الإعلام الإيرانية، وقد حقق في العنف ولكنه منع من الكشف عنه، وممرضة في المستشفى حيث عولج المصابون.

 وقدم كل منهم روايات متطابقة عن الكيفية التي نشر بها الحرس الثوري قوة كبيرة في ماهشهر الاثنين 18 نوفمبر لسحق الاحتجاجات. وتحدث الجميع بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفا من التعرض للقصاص من الحرس.

وقال السكان إن قوات الأمن المحلي وضباط شرطة مكافحة الشغب حاولوا تفريق الحشود وفتح الطرق ولكنهم فشلوا. واندلعت عدة اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن مساء السبت وصباح الاثنين قبل إرسال الحرس إلى هناك.

وعندما وصل الحرس بالقرب من مدخل الضاحية، شهدت شهراك شامران، التي يسكنها ذوو دخل منخفض من الأقلية العربية في إيران، إطلاق النار فورا دون إنذار لعشرات الرجال الذين يسدون التقاطع، مما أسفر عن مقتل عدد منهم في الحال، وفقا للسكان الذين تحدثت معهم الصحيفة عبر الهاتف.

وقال السكان إن المحتجين الآخرين سارعوا إلى ضاحية مجاورة، وأن أحدهم، ويبدو أنه كان مسلحا ببندقية من طراز أي كي 24 أطلق النار، فطوق الحرس الرجال على الفور وردوا بنيران الرشاشات،  ما أسفر عن مصرع ما يصل إلى 100 شخص.

وأوضح السكان أن الحرس كدسوا الموتى على ظهر شاحنة ورحلوا، فيما نقل الجرحى على أيدي أقاربهم إلى مستشفى ميسكو.

ونقلت الصحيفة عن أحد السكان، وهو خريج جامعي في الكيمياء عاطل عن العمل، وساعد في تنظيم الاحتجاجات، أنه كان على بعد أقل من ميل من مكان إطلاق النار الجماعي وأن أفضل صديق له، وهو أيضا شاب في 24 من العمر، وابن عمه البالغ من العمر 32 عاما كانا من بين القتلى.

وقال إنهما أصيبا بطلقات نارية في الصدر وإن جثتيهما أعيدتا إلى ذويهم بعد خمسة أيام بعد أن وقعوا تعهدات بعدم القيام بجنازات أو مراسم تأبين، وعدم إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام.

وقال منظم المظاهرات إنه أصيب أيضا بالرصاص في الضلع في 19 نوفمبر، في اليوم التالي لإطلاق النار الجماعي، عندما اقتحم الحرس بالدبابات الحي الذي كان يقيم فيه، حسب ما نقل التقرير.

وأضاف أن معركة بالبنادق اندلعت لساعات بين الحرس والسكان العرب الذين اعتادوا على الاحتفاظ بالبنادق للصيد، في المنزل.

وقالت ممرضة تبلغ من العمر 32 عاما في ماهشهر، إنها كانت تعالج الجرحى في المستشفى وإن معظمهم كان مصابا بطلقات نارية في الرأس والصدر.

ووصفت الممرضة في حديثها للصحيفة مشاهد الفوضى في المستشفى، حيث هرعت العائلات إلى الداخل حاملة الضحايا. وقالت إن من بينهم شابا في 21 عاما كان من المقرر أن يتزوج، ولكنه كان في حالة حرجة يصعب معها إنقاذه.

ونقلت الممرضة أن والدته ظلت تنتحب وتقول "أعيدو لي ابني، زفافه في أسبوعين".

وأضافت الممرضة أن قوات الأمن المتمركزة في المستشفى ألقت القبض على بعض المتظاهرين الجرحى بعد استقرار حالتهم، كما أن بعض الأقارب كانوا يجلبون الجرحى إلى المستشفى، ويفرون مغطين وجوههم خوفا من الاعتقال، وفقا للتقرير.

"أنا أصدرت بإطلاق النار"

ليلى واثقي، التي تشغل منصب قائمقامية مدينة قدس، التابعة لمحافظة طهران، وصفت الأحد، المهاجمين لمبنى قائمقامية المدينة بأنهم "لصوص"، وقالت إنها هي التي "أمرت بإطلاق الرصاص" وفقا لموقع  "إيران انترناشنال".

ونقل الموقع عن  واثقي: "كان عدد قوات الشرطة عند مدخل القائمقامية قليلا، خمسة أو ستة، ولما شاهدوا الحشود المحتجين قادمين نحوهم غاضبين، تراجعوا خوفا، فكسر المحتجون الباب ودخلوا إلى ساحة المبنى، وقالوا لقوات الشرطة: أطلقوا النار علينا إن استطعتم. وذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الشرطة ليس لديها أمر بإطلاق النار. ولكنني أنا أصدرت هذه الأوامر وقلت لهم أطلقوا النار على كل من يدخل مبنى القائمقامية".

أكثر من 500 عملية اعتقال خلال اليومين الماضيين

وتزامنا مع بدء الأسبوع الثالث منذ اندلاع الاحتجاجات الإيرانية، أفادت تقارير رسمية عن مسؤولين في الشرطة والقضاء الإيرانيين، من مختلف المحافظات، الأحد، باعتقال أكثر من 500 شخص، خلال اليومين الماضيين فقط، وذلك على الرغم من استمرار السلطات الإيرانية في رفض تقديم إحصاءات عن المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة.

ووفقا لموقع "إيران انترناشنال" تستمر هذه الاعتقالات في الوقت الذي نفى فيه المدعي العام الإيراني، السبت، إحصاءات بشأن اعتقال 7 آلاف شخص خلال هذه الاحتجاجات.

وأعلن قائد قوات الشرطة في مدينة برديس التابعة لمحافظة طهران، غلام رضا حسنوند، تحديد واعتقال 97 شخصا من المواطنين الذين سماهم "المتسببين الرئيسيين" في الاحتجاجات، بحسب الموقع.

وشهدت إيران احتجاجات غاضبة واجهتها بعنف شديد. كما قامت السلطات الأمنية بقطع الإنترنت لحرمان الناس من التواصل مع بعضهم ونشر لقطات التظاهر والقمع الذي يتعرضون له، على وسائل التواصل الاجتماعي.

أوميد أسد بيجي أبرز المتهمين في سوق العملة الحكومية خلال جلسة محاكمته في 20 مايو
أوميد أسد بيجي أبرز المتهمين في سوق العملة الحكومية خلال جلسة محاكمته في 20 مايو

تواجه زوجة حاكم محافظة إيرانية تهمة تلقي رشى تصل قيمتها إلى 200 ألف دولار من الرئيس التنفيذي لشركة رفضت لعدة أشهر دفع رواتب عمالها ثم استخدمت الشرطة العنف لقمع احتجاجاتهم.

وتجري محاكمة أوميد أسد بيجي، وهو أحد مالكي شركة "هفت تبه لقصب السكر" ومديرها السابق، خلف أبواب مغلقة إلا أن وسائل إعلام محافظة في إيران بينها وكالة دانيشجو الإخبارية، نشرت تفاصيل وقائعها.

لكن عندما طلب من حاكم خوزستان، غلام رضا شريعتي، التعليق رفض وقال لوكالة أنباء الطلاب إسنا السبت "القمر لن يبقى خلف السحب. انتظروا قليلا، إن شاء الله، كل شيء سيتضح".

وبعد جلسة محاكمة ثانية، في 19 مايو، أفادت وسائل إعلام بأن أسد بيجي دفع لزوجة شريعتي 200 ألف دولار من خلال وسيط إلى جانب 20 ألف دولار لتغطية تكاليف أسفار قامت بها أسرة الحاكم.

ويعد أسد بيجي أحد أبرز المتهمين في قضية انتهاكات للقواعد التي تحكم تخصيص الحكومة عملات أجنبية رخيصة للشركات.

وإلى جانب 20 مشتبها فيهم آخرين، وجهت إلى أسد بيجي تهم "تعطيل عملة البلاد ونظامها النقدي من خلال تهريب كبير للعملات ومعاملات غير مصرح بها باستخدام العملات الصعبة المخفضة" التي توفرها الحكومة.

وكان مجمع "هفت تبه لقصب السكر" للصناعات الزراعية، قد تمت خصخصته في عام 2015. ويقول العاملون هناك إن العديد من الانتهاكات كانت قائمة فيه خلال عملية الخصخصة.

ومنذ ذلك الحين، تفاقمت مشاكل العاملين مع عدم تلقيهم أجورهم لأشهر وخسارة المصنع الذي كان مربحا، الأموال. فنظم العمال تجمعات احتجاجية عديدة بلغت ذروتها في شهري نوفمبر وديسمبر 2018 وأدت إلى عشرات الاعتقالات. 

وبدل أن تتدخل الحكومة لحل قضية الأجور غير المدفوعة بشكل قانوني، أرسلت قوات الأمن ومدعين لاعتقال ومعاقبة ممثلي العمال المحتجين. 

وقال ناشط إعلامي محافظ سمح له بحضور جلسات المحاكمة نقلا عن المدعين إن " أسد بيجي يؤمن بأن أي شخص ممكن شراؤه بالمال وقد أثبت ذلك من خلال سلوكه".

وبحسب المصدر ذاته، فإن المدعين أشاروا أيضا إلى بعض من الادعاءات إزاء علاقات أسد بيجي المالية مع "المدعي العام للجمهورية الإسلامية وابنه"، وزير الزراعة جهاد محمود حجتي ونائب الرئيس إسحاق جيهانغيري.

لكن وسائل إعلام وناشطين مقربين من الحكومة والإصلاحيين يصرون على أن دوافع حزبية وراء قضية تورط حاكم خورستان.

وأورد تقرير قصير بثه التلفويزون الحكومي تصريحا لممثل المدعي العام قال فيه "من خلال حصوله على أكثر من 1.4 مليار دولار من عملة الحكومة، حطم المشتبه فيهم رقما قياسيا وطنيا جديدا".

ويشر التلميح إلى أن العديد من الأشخاص الذين تربطهم علاقات بشخصيات نافذة ويتقدمون ويحصلون على الدولارات من الحكومة بأسعار أقل من السوق، ظاهريا من أجل استيراد مواد أساسية في ظل العقوبات الأميركية الواسعة.

 لكن في الواقع، كانت هناك اتهامات رسمية وتقارير إعلامية تتحدث عن أن بعضا من تلك الشركات كانت مجرد شركات أمامية لأشخاص ذوي نفوذ باعوا في السوق الدولار الذي اشتروه بثمن بخس، وحققوا أرباحا هائلة. وقام بعض منهم باستيراد سيارات فاخرة وسلع أخرى وحققوا أرباحا ضخمة.