مئات القتلى وآلاف الجرحى في تظاهرات إيران
مئات القتلى وآلاف الجرحى في تظاهرات إيران

تدفقت على الإنترنت تسجيلات فيديو تصور مشاهد مفزعة لمحتجين ينزفون وحواجز طرق مشتعلة وقناصة على الأسطح بعد أن رفعت إيران التعتيم التام على الإنترنت، لتظهر حملة القمع التي يصفها محللون بأنها الأكثر دموية التي يشنها النظام.

وعلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي ينتهج خطا سياسيا شديدا ضد إيران، الثلاثاء، على حصيلة القتلى الأخيرة التي أفادت بها منظمة العفو الدولية الاثنين وبلغت "208 أشخاص على الأقل"، واعتبر في مؤتمر صحافي في لندن أن "كثيرا من الأشخاص يقتلون في إيران لمجرد الاحتجاج".

وأضاف "إنه أمر مروع".

إلى ذلك، قال كامران متين، المحاضر البارز في العلاقات الدولية بجامعة ساسكس في بريطانيا لوكالة فرانس برس في نيقوسيا، إن هذا القمع "كان أشد قسوة" مما كان عليه خلال الاحتجاجات السابقة في إيران.

وأضاف "جميع مقاطع الفيديو التي شاهدتها قبل أن يتم إغلاق الإنترنت تظهر أن الفترة ما بين تجمع الناس وإطلاق النار بهدف القتل كانت قصيرة جدا".

واندلعت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في 15 نوفمبر بسبب قرار السلطات رفع أسعار الوقود كجزء من محاولة تخفيف الضغوط على الاقتصاد المتضرر من العقوبات المفروضة على طهران.

وقامت السلطات بوقف الإنترنت بحسب ما ذكر موقع "نيت بلوكس" الذي يرصد انقطاعات الانترنت، ما أخفى عن العالم ما جرى خلال الاحتجاجات.

دماء في الشارع

مع استعادة الإنترنت تدريجيا بعد أسبوع وتصريح المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بأنه تم إحباط مؤامرة "خطيرة للغاية"، بدأت صورة الأحداث تظهر تدريجيا.

وتظهر العديد من مقاطع الفيديو من بعض المناطق التي اندلعت فيها التظاهرات، ويقدر عددها بنحو 100 منطقة، قوات الأمن تطلق النار من مسافة قريبة على المتظاهرين العزل أو تضربهم بالهراوات.

وتظهر بعض اللقطات غير الواضحة أشخاصا ينزفون وهم ملقون على الأرض وهم يصرخون بفزع بينما يهرع آخرون لمساعدتهم.

وتسمع أيضا أصوات حشود تطلق شعارات ضد الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة وتعبر عن إحباطها بسبب التضخم والبطالة.

ويقول مواطن إيراني يعيش في الخارج وكان يزور إيران اثناء الاحتجاجات وطلب عدم كشف هويته، إن "البلاد لم تشعر بيأس وحزن مثل هذا في تاريخها".

وأحرقت متاجر وبنوك ومحطات وقود وعربات شرطة، بينما أغلقت طرق رئيسية بحاويات قمامة وإطارات مشتعلة.

وفي أحد تسجيلات الفيديو من حي شرق طهران تحققت منه منظمة العفو الدولية التي مقرها لندن، تهرع مجموعة من رجال الأمن من وراء مبنى وتطلق النار على متظاهرين في الشارع.

ويظهر تسجيل آخر العديد من المسلحين في زي أسود يطلقون النار من على سطح مبنى حكومي في غافانرود غرب طهران في محافظة كرمنشاه.

وقال متين إن المناطق الغربية التي يسكنها الأكراد ومحافظة كازخستان التي تسكنها غالبية من الأثنية العربية كانت مواقع أولى للاحتجاجات.

العديد من التساؤلات

قالت راحة بحريني الباحثة في منظمة العفو الدولية في مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز، الاثنين، إن السلطات استخدمت القوة المفرطة في الماضي ضد المتظاهرين المسالمين.

وأضافت "ما رأيناه هذه المرة هو استخدام غير مسبوق للقوة الفتاكة ضد المتظاهرين العزل".

وذكرت منظمة العفو الدولية أنه يعتقد أن 208 أشخاص قتلوا في الاحتجاجات، ويتوقع أن تكون الحصيلة أكبر بكثير.

ورفضت السلطة القضائية الإيرانية حصيلة القتلى واعتبرتها "محض أكاذيب".

وقالت السلطات إن خمسة أشخاص قتلوا، وأنها اعتقلت أكثر من 500 شخص بينه نحو 180 من "زعماء العصابات"، وألقت باللوم في الاضطرابات على "البلطجية" المدعومين من "أعداء خارجيين" بينهم الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.

ورغم عمليات التدقيق، إلا أن رسم صورة كاملة لما حدث لا يزال أمرا صعبا.

وأفاد نيك ووترز من مجموعة "بيلنغكات" للتقصي لوكالة فرانس برس أنه من المحتمل أن يكون عدد من التسجيلات من احتجاجات سابقة.

وقال: "في الوقت الحالي، هناك مجموعة كبيرة من المضامين التي يتم طرحها في الوقت نفسه، ما يجعل التحقق منها أكثر صعوبة".

وذكرت ناظلة فتحي مؤلفة كتاب "الحرب الوحيدة: قصة امرأة واحدة في الصراع من أجل إيران الحديثة": "نحن لا نرى الصورة كاملة".

وأضافت "أنت فقط ترى ما أمام الكاميرا، لذلك من الصعب حقا تحديد الأرقام: كم عدد الأشخاص الموجودين هناك، وكيف تم تحريضهم؟ ماذا لو كانت مقاطع فيديو قديمة؟ هناك العديد من التساؤلات".

هل تسمعوننا؟

وذكرت منظمة العفو الدولية أن "عائلات الضحايا تعرضت للتهديد وتم تحذيرها من التحدث للإعلام".

ولكن بعض العائلات لم تأبه بالتحذير، بينها عائلة بويا بختياري، أحد الأشخاص الذين أكدت المنظمة مقتلهم.

وأرسلت العائلة تسجيلات فيديو إلى الناشط المقيم في الولايات المتحدة ماسيح علي نجاد.

وفي التسجيل يكشف شخص ما جثة بختياري والمكان الذي أصيب فيه بعيار ناري في الرأس.

ولكن بالنسبة للعديد من العائلات فإن الخوف من الانتقام يمنعها من الحديث.

وتردد أن الصحفي محمد مساعد اعتقل بعد التفافه على حظر الإنترنت، وكتب تغريدة قال فيها: "مرحبا أيها العالم الحر. لقد استخدمت 42 طريقة مختلفة لكتابة هذا! ملايين الإيرانيين منقطعون عن الإنترنت. هل تسمعوننا؟".

وقال كافيه ازارهوش الباحث البارز في "سمول ميديا" التي ترصد الوصول إلى المعلومات والحقوق الرقمية في إيران، أن العديد من الإيرانيين خائفون على الأرجح من نشر تسجيلات الفيديو مباشرة ويختارون بدلا من ذلك ارسالها إلى الصحفيين والنشطاء في الخارج.

وأضاف "مؤسسة صنع القرار أدركت أنه لا يمكن التحكم في كيفية استخدام الأشخاص للإنترنت بمجرد التحكم في عملية قطعها أو توفيرها، يجب أن يكون هناك عامل التخويف من استخدام الإنترنت".

هواوي تسيطر على سكاي كوم التي تعمل في إيران
هواوي تسيطر على سكاي كوم التي تعمل في إيران

كشفت وثائق داخلية جديدة من شركة هواوي الصينية حصلت عليها رويترز أن الشركة سعت للتستر على علاقتها بشركة سبق أن حاولت بيع معدات كمبيوتر أميركية محظورة لإيران وذلك بعد أن نشرت رويترز تقريرا في 2013 عن وجود روابط عميقة بين تلك الشركة والمديرة المالية لشركة معدات الاتصال الصينية العملاقة.

ومنذ مدة طويلة تصف هواوي الشركة، واسمها سكاي كوم تك المحدودة، بأنها شريك محلي منفصل في إيران. 

والآن تظهر وثائق حصلت عليها رويترز أن الشركة الصينية العملاقة تسيطر بشكل فعلي على سكاي كوم.

وهذه هي أول مرة ينشر فيها شيء عن هذه الوثائق التي تمثل جزءا من كنز  اطلعت عليه رويترز من السجلات الداخلية الخاصة بنشاط هواوي وسكاي كوم المتعلق بإيران وتشمل مذكرات ورسائل واتفاقات تعاقدية.

وتصف إحدى الوثائق كيف سارعت هواوي في أوائل عام 2013 إلى محاولة أن تنأى بنفسها عن "سكاي كوم" انطلاقا من قلقها بسبب العقوبات التجارية على طهران.

وتبين الوثائق أن هواوي اتخذت لتحقيق تلك الغاية سلسلة من الخطوات بما في ذلك تغيير المديرين بشركة سكاي كوم وإغلاق مكتب سكاي كوم في طهران وإنشاء كيان آخر في إيران لتولي تنفيذ عقود بعشرات الملايين من الدولارات.

ومن الممكن أن يؤيد ما كشفت عنه تلك الوثائق قضية جنائية حظيت بدعاية إعلامية واسعة تلاحق فيها السلطات الأمريكية هواوي ومديرتها المالية منغ وان تشو وهي أيضا ابنة مؤسس هواوي.

وثائق رسمية تفضح علاقة هواوي بالعمل في إيران
وثائق رسمية تفضح علاقة هواوي بالعمل في إيران

وتسعى الولايات المتحدة لتسلم منغ من كندا حيث ألقي القبض عليها في ديسمبر 2018. 

وفي الأسبوع الماضي سمح قاض كندي بمواصلة نظر القضية ورفض دفوع محامي الدفاع بأن الاتهامات الأمريكية الموجهة لمنغ لا تمثل جرائم في كندا.

وتقول قائمة الاتهام الأميركية إن هواوي ومنغ شاركتا في خطة تقوم على الاحتيال للحصول على بضائع وتكنولوجيا أمريكية ممنوعة لنشاط هواوي في إيران عن طريق شركة سكاي كوم ونقل المال من إيران وذلك بالاحتيال على أحد البنوك الكبرى.

وتصف قائمة الاتهام شركة سكاي كوم بأنها "وحدة تابعة غير رسمية" لشركة هواوي وليست شريكا محليا.

وتنفي هواوي ومنغ الاتهامات الجنائية التي تتضمن الاحتيال المصرفي واتهامات أخرى، وفي 2017 تم حل شركة سكاي كوم التي كانت مسجلة في هونغ كونغ، وقد وجهت إليها اتهامات أيضا. 

وتوضح بيانات إفصاح أن هواوي كانت في فترة من الفترات من المساهمين في سكاي كوم لكنها باعت حصتها منذ أكثر من عشر سنوات.

ويبدو أن الوثائق التي تم الحصول عليها مؤخرا تهدم ادعاءات هواوي بأن سكاي كوم كانت مجرد شريك أعمال. 

وتتيح تلك الوثائق إلقاء نظرة عن كثب على بعض ما جرى للشركتين من وقائع داخل إيران قبل سبع سنوات ومدى التداخل بينهما. 

وبعض هذه الوثائق مكتوب باللغة الانجليزية وبعضها بالصينية والبعض الآخر باللغة الفارسية.

وقالت وزارة الخارجية الصينية إن الولايات المتحدة تضفي طابعا سياسيا على قضايا اقتصادية وتجارية وهو ما ليس في صالح الشركات الصينية أو الأميركية.

وأضافت الوزارة "نحن نحث الولايات المتحدة على التوقف على الفور عن إعاقة الشركات الصينية بما فيها هواوي". 

وأحالت الأسئلة المحددة فيما يتعلق بهذا التقرير على شركة هواوي.

شراكة عمل عادية

في شهر مارس آذار نشرت رويترز تقريرا جاء فيه أن هواوي أبرزت في 2010 سجلات داخلية للشركة أظهرت أنها طرف مباشر في عملية إرسال معدات كمبيوتر أمريكية محظورة إلى إيران. 

وامتنعت هواوي عن التعليق على هذا التقرير استنادا إلى أن الأمر يخضع لإجراءات قانونية.

وتوضح الوثائق أن جهود هواوي لطمس علاقتها بشركة سكاي كوم بدأت بعد أن ذكرت رويترز في ديسمبر 2012 أن سكاي كوم عرضت بيع ما قيمته 1.3 مليون يورو على الأقل من معدات الكمبيوتر المحظورة من إنتاج شركة هيوليت باكارد إلى أكبر شركة لاتصالات الهاتف المحمول في إيران في أواخر 2010.

وفي يناير 2013 وصف تقرير آخر من رويترز كيف كان لهواوي علاقات مالية وثيقة وروابط أخرى مع شركة سكاي كوم بما في ذلك شغل منغ منصب أحد أعضاء مجلس إدارة سكاي كوم في الفترة من فبراير 2008 إلى أبريل 2009.

وفي رد شركة هواوي على تقارير رويترز في ذلك الوقت قالت إن سكاي كوم من شركائها المحليين الرئيسيين وإن العلاقة بين سكاي كوم وهواوي "علاقة عمل عادية".

غير أن وثيقة داخلية جديدة حصلت عليها رويترز تخص هواوي وصادرة من مكتب الشركة الصينية في إيران بتاريخ 28 مارس 2013 تشير إلى أن هواوي كانت تسيطر على سكاي كوم.

الوثائق ستعزز التهم الجنائية التي تلاحق ابنة مؤسس هواوي في أميركا
الوثائق ستعزز التهم الجنائية التي تلاحق ابنة مؤسس هواوي في أميركا

وقالت الوثيقة باللغة الصينية "بسبب الامتثال لقواعد تجارية يحاول المكتب التمثيلي في ايه2 الفصل بين سكاي كوم وهواوي". وايه2 هو الاسم الرمزي لإيران في مراسلات هواوي وفقا لما ورد في قائمة الاتهام الأميركية، كما أنها كلفت واحدا من العاملين فيها بإدارة سكاي كوم في إيران "لكي تتجنب بصفة عاجلة مخاطر الدعاية الإعلامية". 

وأوضحت الوثيقة أن هواوي اتخذت "قرارا عاجلا" بتعيين هو مي مديرا عاما لشركة سكاي كوم في إيران اعتبارا من العاشر من مارس آذار 2013.

وكان هو مديرا في سكاي كوم كما ورد في سجل داخلي بأسماء العاملين بشركة هواوي أنه من موظفيها.

وذكرت الوثيقة بالتفصيل كيف اكتشفت هواوي بسرعة خطأ تعيين هو مسؤولا عن إدارة شركة سكاي كوم. وأوضحت الوثيقة أن هو كان يعمل بمقر هواوي في الصين وأن وظيفته الجديدة تتطلب التعامل مع أمور على الطبيعة في إيران.

ولذلك قررت هواوي، أن تعين بدلا منه "موظفا صينيا من العاملين في إيران" لإدارة مكتب سكاي كوم في طهران.

قررت هواوي تعيين سونغ كاي نائب ممثلها في مكتبها بإيران لإدارة سكاي كوم في إيران. وتم إبلاغه بهذا القرار في رسالة داخلية من هواوي اطلعت عليها رويترز. وقيل له "رجاء تحديث بياناتك".

وقالت الرسالة إن هذا التعديل وافق عليه رجل اسمه لان يون تم تعريفه بأنه "الممثل الرئيسي" في مكتب هواوي في إيران.

عرض باوربوينت

ردا على التقارير التي نشرتها رويترز في 2012 و2013 استفسرت عدة بنوك غربية من هواوي عن علاقتها بشركة سكاي كوم. ومن هذه البنوك بنك اتش.إس.بي.سي حيث لشركتي هواوي وسكاي كوم حسابات فيه.

وامتنع اتش.إس.بي.سي عن التعليق في هذا التقرير.

وفي أغسطس آب 2013 التقت منغ بنائب رئيس البنك للعمليات المصرفية العالمية في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وهي متهمة في عريضة الاتهام الأميركية بتقديم معلومات خاطئة عديدة فيما يتعلق بملكية هواوي لسكاي كوم وسيطرتها عليها.

وقدمت منغ عرضا باستخدام برنامج باوربوينت خلال ذلك الاجتماع جاء فيه أن سكاي كوم مجرد "شريك عمل لهواوي".

وتبين الوثائق التي حصلت عليها رويترز حديثا أن هواوي سرعان ما أصبحت طرفا مباشرا في عملية إنهاء نشاط سكاي كوم.

وفي رسالة بتاريخ الثاني من نوفمبر 2013 قال سونغ الموظف في هواوي الذي عين لإدارة سكاي كوم لأحد كبار عملاء الشركة الإيرانيين إن سكاي كوم "قررت إلغاء أنشطة أعمالها وإنهاءها وحل الشركة الفرعية في إيران".

وكانت رسالة سونغ موجهة إلى نائب رئيس شركة إيران للاتصالات المحمولة "إم.سي.سي.آي" أكبر شركات اتصالات الهاتف المحمول في البلاد.

وفي اليوم التالي وقعت سكاي كوم و"إم.سي.سي.آي" وشركة جديدة تابعة لهواوي هي شركة هواوي تكنولوجيز سيرفي الإيرانية المحدودة اتفاقا. ونص الاتفاق على أن سكاي كوم تعتزم نقل تعاقداتها للكيان الجديد التابع لهواوي.

ووردت في الاتفاق قائمة بثمانية عقود قيمتها الإجمالية نحو 44.6 مليون يورو (حوالي 50 مليون دولار) وأن المبلغ المتبقي 34.6 مليون يورو على أن تسدد أي مبالغ مستحقة لسكاي كوم للكيان الجديد عند استكمال التعاقدات.

وأضاف الاتفاق "تتعهد كل الأطراف بأن يظل هذا العقد الثلاثي طي الكتمان".