قمع أمني لمتظاهرين إيرانيين
شنت السلطات الإيرانية حملة قمع عنيفة ضد مواطنين خرجوا في مظاهرات احتجاجا على رفع أسعار النفط وقتلت عددا كبيرا منهم

استجابت السلطات الإيرانية للاحتجاجات العارمة التي داهمتها في نوفمبر في أكثر من 100 مدينة، بالطريقة المعتادة للنظام وهي القمع العنيف. لكن القمع هذه المرة كان أشد من المرات السابقة.

"القمع" يعد الكلمة الأكثر استخداما في إيران عندما يتعلق الأمر بطريقة تعامل الحكومة مع أي تجمع أو احتجاج أو حركة لأي مجموعة من المواطنين، سواء كانوا طلابا أو عمالا أو أساتذة أو نساء أو أفرادا من مختلف المستويات الاجتماعية. ولتلبية حاجياتها القمعية، تنفق الحكومة الإيرانية 24.5 مليون دولار في اليوم، بحسب ما أفاد به موقع راديو فاردا.

في نوفمبر، شنت قوات الأمن حملة عنف غير مسبوقة ضد المواطنين الذي خرجوا إلى الشوارع احتجاجا على رفع أسعار البنزين، فقد أطلقت النار مباشرة على المئات مستهدفة رؤوس المتظاهرين أو صدورهم. 

قوات النظام الإيراني تدرك مدى عمق عدم كفاءتها والأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، إذ جهزت نفسها للاحتجاجات المحتومة، التي يعلم الجميع أنها قد تندلع في أي لحظة.

نظرة سريعة على شبكة القمع في إيران تكشف أن تمويلها كان دائما بميزانيات ضخمة بصرف النظر عن المشكلات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وعمن يتولى زمام الأمور، سواء من الإصلاحيين أو الأصوليين.

بشكل عام، يمكن تقسيم المؤسسات القمعية في إيران إلى فئتين، وفق مقال نشره موقع راديو فاردا، تتخصص المجموعة الأولى في قمع المعارضة في الشوارع، فهي تنظم آلة القمع وتوفر الموارد البشرية لذلك.

أما المجموعة الثانية، فعادة ما تكون لها وظيفة مختلفة، ولكن عندما تدعو الحاجة فإنها تتعاون مع المجموعة الأولى وتلعب دورا مهما في حملة القمع. ويعد التلفزيون الحكومي أحد أطراف المجموعة الثانية، فهو يبث الأخبار الملفقة و"الاعترافات"، والأفلام الوثائقية المزيفة ويعمل كذراع إعلامية لآلة القمع.

​لكن المجموعة الأولى، تشكل الجزء الأهم من آلة القمع فهي تنفذ عمليا القمع العنيف، وتتكون من أربعة أركان: وزارة الاستخبارات والشرطة والحرس الثوري وميليشيا الباسيج.

وعلى الرغم من أن هذه المؤسسات الأربع لها وظائف مختلفة وتحصل على ميزانيات منتظمة من أجل تنفيذها، إلا أنها تنفق نصيب الأسد من مخصصاتها على جهودها لقمع المعارضة الداخلية.

الجدول التالي يوضح الأموال التي تلقتها المؤسسات من حكومة الرئيس حسن روحاني في العام الإيراني 1398 (مارس 2019 - مارس 2020)، والعام 1399 الذي يليه بالإضافة إلى عام 1393 الذي كان أول عام لوضع ميزانية في عهد إدارة روحاني.

جدول نشره موقع راديو فاردا يظهر ميزانية آلة القمع في إيران

ويظهر الجدول أن وزارة الاستخبارات والشرطة والحرس الثوري والباسيج قد تلقت ما مجموعه أكثر من 378 مليار ريال أي ما يعادل تسعة مليارات دولار، في العام الحالي 1398.

لكن مبلغ تسعة مليارات دولار ليس المال الوحيد المتاح لهذه الكيانات، إذ تستحوذ الأخيرة على جميع الأعمال التجارية والشركات الكبيرة في البلاد والتي تحصد أموالا غير مبلغ عنها وغير مدققة. لذا يمكن تشبيه المليارات التسعة بالمساعدة الحكومية لتلك المؤسسات الأمنية، حيث لا تشكل ميزانياتها الإجمالية.

وتعود أكبر إمبراطورية للأعمال في إيران إلى الحرس الثوري، الذي يعتبر في حد ذاته دائنا للحكومة التي تصل ديونها منه إلى 9.5 مليارات دولار.

وأهم ما يظهره الجدول هو كيفية ارتفاع المخصصات الحكومية للكيانات الأمنية. فبينما كانت الميزانية 135 مليار ريال أي 3.1 مليار دولار، في السنة الأولى من رئاسة روحاني التي دعمها الإصلاحيون الإيرانيون، ارتفعت إلى 378 مليار ريال في السنة 1398.

فقد ارتفعت المخصصات الحكومية للجهات الأربع بأكثر من 240 مليار ريال أي 5.7 مليار دولار، خلال ستة أعوام من رئاسة روحاني.

المخصصات الضخمة للعام الحالي والمقترحة لدورة الميزانية القادمة للمؤسسات الأمنية، تأتي في ظل أزمة اقتصادية تخنق البلاد التي تشهد انخفاضا حادا في صادرات نفطها لا تتعدى 213 ألف برميل يوميا، وفق موقع كبلر إنيرجي.

تجدر الإشارة إلى أن الأرقام المذكورة تمثل المخصصات "الرسمية"، وإلى جانب الأموال التي تحصدها تلك الجهات من الشركات التابعة لها، فإن لديها مخصصات سرية أيضا ما يجعل الأرقام الحقيقية غير معروفة. 

الميزانيات الضخمة تأتي مقابل عجز خطير تعاني منه، لسنوات، قطاعات التعليم والرعاية والخدمات الإيرانية. ومن الأمثلة التي تجسد خطورة الوضع الداخلي، أن عناصر الإطفاء في مدينة كرمان، عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، ليس لديهم ميزانية كافية لشراء سلم.

صورة بالأقمار الصناعية لموقع نووي إيراني في أصفهان
صورة بالأقمار الصناعية لموقع نووي إيراني في أصفهان

يترقب العالم انطلاقة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني في سلطنة عُمان السبت المقبل، ضمن تحول جديد في سياق التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وأعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاثنين الماضي، أن الولايات المتحدة وإيران بدأتا محادثات مباشرة بشأن البرنامج النووي الإيراني، لافتًا إلى أن هذه المحادثات ستستمر يوم السبت في اجتماع بالغ الأهمية.

إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، والحد من الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، تمثل أبرز الشروط التي تلوح بها إدارة ترامب لإبرام اتفاق نووي مع إيران.

ويلفت الخبير السياسي العراقي، عمر عبد الستار، إلى أن ترامب لا يريد أن يكون لإيران برنامج نووي بأي شكل من الأشكال.

وأشار إلى أن رفض إيران تفكيك برنامجها النووي بالكامل وعدم الكشف عن تفاصيله، يعني أنها ستكون تحت طائلة البند السابع.

وينص البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة على اتخاذ تدابير في حال إذا كان السلام مهددًا.

وتتراوح هذه التدابير بين العقوبات الاقتصادية واللجوء إلى القوة لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

وأنهى ترامب في مايو 2018، وخلال فترته الرئاسية الأولى، مشاركة الولايات المتحدة في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران، وأعاد فرض العقوبات التي رُفعت عن طهران بموجب الاتفاق.

وأكد بيان للبيت الأبيض عقب قرار الانسحاب، أن "الاتفاق النووي فشل في حماية مصالح الأمن القومي الأميركي، وأثرى النظام الإيراني، ومكّن سلوكه الخبيث، بينما في أحسن الأحوال، أعاق قدرته على السعي لامتلاك أسلحة نووية، وسمح له بالحفاظ على البحث والتطوير النووي".

وقال عبد الستار، لموقع "الحرة"، "لن يكون هناك اتفاق جديد، إلا على أساس أن إيران ليس لها نووي ولا ميليشيات ولا صواريخ تحمل قنابل نووية. الانسحاب الأميركي من الاتفاق السابق كان على هذا الأساس، وإبرام اتفاق جديد سيكون على هذا الأساس".

ورأى عبد الستار أن النظام في طهران قد يتخلى عن أذرعه في المنطقة حفاظًا على بقائه في السلطة، لكنه لن يتخلى عن أذرعه مقابل إبرام اتفاق نووي، لأن ذلك، وبحسب النظام الإيراني، سيؤدي إلى تدمير بنية الثورة ودستور الثورة والحرس الثوري.

وأعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تُفضّل عقد محادثات "غير مباشرة" مع الولايات المتحدة "لتجنب الضغوط والتهديدات."

ونقلت وكالة "إرنا" الإيرانية عن عراقجي قوله، إن المحادثات "ستتم بشكل غير مباشر"، قائلًا: "لن نقبل أي طريقة أخرى للتفاوض".

"نظام متحايل"

في المقابل، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، خلال مؤتمر صحفي عقدته، الثلاثاء، إن "الرئيس ترامب قال إن مباحثات مباشرة ستجري مع إيران السبت".

وتابعت: "جعل الرئيس الأمر في غاية الوضوح للإيرانيين، وعليهم اتخاذ القرار، بإمكانهم الوصول إلى اتفاق، وبإمكانهم التفاوض، أو سيتعين عليهم دفع الثمن".

ويعتقد السياسي العراقي المستقل، مثال الألوسي، أن "ترامب شخّص حقيقة تحايل النظام الإيراني التوسعي الإرهابي وخطره الإقليمي والدولي، إضافة إلى خطورة الفكر والسلوك الفاشي المتمثل بمعاناة شعوب المنطقة".

وأضاف الألوسي قائلًا لموقع "الحرة": "لا شك أن تشخيص ترامب في فترته الرئاسية الأولى للدور الإيراني سيحمي المنطقة من ويلات الإرهاب الإقليمي الذي تزعمته وشجعته ودعمته إيران، لأن التفاوض إيرانيًا يعني التلاعب والتحايل بهدف الحفاظ على خطوات النظام الإيراني في الاقتراب من تصنيع القنبلة الذرية والحفاظ على أُخطبوطها الإرهابي في المنطقة بشكل عام، وفي لبنان والعراق خاصة".

ولفت إلى أن "الهدف الأميركي للتفاوض هو إلغاء سيناريوهات الحرب وإنهاء الإرهاب الإيراني في المنطقة".

وحدد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان نشرته صفحة إسرائيل بالعربية، الثلاثاء، مطالب إسرائيل حول ما يجب أن يشمل أي اتفاق مع إيران، قبل المحادثات بين واشنطن وطهران.

وقال نتنياهو: "نحن متفقون على أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية. يمكن إنجاز ذلك عبر اتفاق، ولكن فقط إذا كان هذا الاتفاق على النموذج الليبي ـ أي تفجير المنشآت، وتفكيك جميعها، تحت إشراف وتنفيذ أميركي، فهذا سيكون أمرًا جيدًا".

وأشار إلى أن الخيار الثاني، إذا انتهج الإيرانيون أسلوب المماطلة والتسويف في المحادثات، سيكون عسكريًا، والجميع يفهم ذلك.

لكن الخبير الاستراتيجي، علاء النشوع، رأى أن واشنطن لا تريد المواجهة مع إيران حاليًا، لأن المنطقة ستشهد فوضى كبيرة، خاصة منطقة الخليج وامتداداتها في بحر العرب والمحيط الهندي، وهذا الأمر سينعكس على كل العالم، لأن مصادر الطاقة ستتأثر.

وقال النشوع لموقع "الحرة": "يعلم الإيرانيون جيدًا أنهم في كل الحسابات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية سيخسرون كثيرًا في حالة المواجهة، لمعاناتهم من ضغوط داخلية وخارجية كبيرة جدًا، خاصة بعد أن انتهت وانهارت أدواتهم التي كانوا يعتمدون عليها في لبنان وسوريا، وآخرها اليمن، أما الساحة العراقية فستفقدها في أي لحظة".

وألمح النشوع إلى أن الولايات المتحدة لن تعقد صفقة مع طهران، إلا إذا وافق النظام الإيراني على نزع كل ما يخص برنامجه النووي عسكريًا ومدنيًا دون قيد أو شرط، بالإضافة إلى تسليم كل اليورانيوم المُخصب الذي أنتجته إيران، وتسليم كل الملفات، بما فيها البرمجيات والمشغلات والرقائق والصفائح التي تعمل على تشغيل المفاعلات.

وأردف النشوع قائلًا: "ليس برنامجها النووي فقط، بل يجب أن تُنهي إيران برنامج صواريخها الباليستية ومسيراتها، وتُسلّم كافة تفاصيلها، وكل ما يتعلق بصناعاتها العسكرية ذات الأبعاد الاستراتيجية، إلى جانب إنهاء كل نفوذها السياسي والعسكري والأمني وحتى الديني في المنطقة".

وأعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، فرض عقوبات على 5 كيانات وشخص واحد في إيران، يدعمون كيانات رئيسية تُدير وتُشرف على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك منظمة الطاقة الذرية الإيرانية (AEOI) وشركة تكنولوجيا الطرد المركزي الإيرانية (TESA) التابعة لها.

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان أن هذا الإجراء يستهدف الأشخاص الذين يشترون أو يُصنعون تقنيات حيوية لشركة TESA وشركة تكنولوجيا الطرد المركزي الإيرانية، دعمًا لحملة الضغط القصوى التي يشنها ترامب على إيران.