مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي خلال تشييع سليماني - 6 يناير 2020

بعد يوم واحد من لقاء وزيري خارجية العراق وإيران في ميونيخ، و "استعراضهما سبل التعاون في مجال التحقيق" حول قضية مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، غادر نائب المدعي العام العراقي، ضاري جابر فرهود، إلى إيران للقاء مسؤولين قضائيين فيها، بحسب وكالة إرنا الإخبارية الإيرانية.

وبعد أن وجد النظام الإيراني نفسه عاجزا عن الرد على مقتل سليماني، اتجه إلى مناورة جديدة تحفظ ماء وجه خامنئي، حيث تعمل طهران على تشكل لجنة قانونية مشتركة مع بغداد لبحث سبل "مقاضاة الولايات المتحدة" على مقتل سليماني.

وتحاول طهران إقناع بغداد أن مقتل سليماني يأتي ضمن "التكاليف الباهظة التي تحملتها إيران جراء وقوفها مع الشعب العراقي"، بحسب مساعد وزير العدل الإيراني محمود عباسي الذي التقى نائب المدعي العام العراقي.

ويقول خبير القانون الدولي العراقي سامي محمد، لـ"موقع الحرة" إن "اللجوء للقانون أمر جيد دائما، وهو أفضل من اللجوء إلى القوة".

لكن محمد يستدرك أن إيران ستكون الخاسرة إذا ما لجأت للقانون الدولي لأن "الولايات المتحدة تقول إنها تمتلك أدلة على تورط سليماني الذي كان يزور العراق، وفصائل الحشد باستهداف منشآت ومصالح أميركية في العراق، على الرغم من الاتفاقيات مع الحكومة العراقية".

أطفال في أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة طهران
النظام ينفق على الميليشيات.. حقائق صادمة عن أطفال إيران المحرومين
في الوقت الذي يسعى فيه النظام الإيراني إلى امتلاك أسلحة نووية وتوسيع نفوذه في الإقليم، فإن مأساة أطفال إيران تتفاقم من حيث الفقر ونقص الخدمات مثل التعليم والصحة، حيث أجبرتهم ظروف عائلاتهم الاقتصادية على التحول إلى عمال أو مشردين في الشوارع.

وكانت لإدارة الأميركية قد دعت العراق في أكثر من مناسبة إلى القيام بمهامه التي ينص عليها القانون الدولي والمتعلقة بحماية المنشآت الدبلوماسية والمصالح الأميركية في البلاد، خاصة أن وجود القوات الأميركية تم بطلب من الحكومة العراقية.

وتعتبر بغداد وطهران سليماني "الضيف الرسمي" للعراق، حيث كان يجري زيارات دورية لبحث سبل مواجهة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اجتاحت شوارع المدن العراقية للمطالبة برحيل الطبقة السياسية وإنهاء النفوذ الإيراني.

ووبالنسبة للعراق، فإن اللجوء إلى القانون الدولي في مقتل سليماني قد يعرضه لمسؤوليات، حيث يقول محمد: أن العراق "سيجد نفسه مطالبا بدفع تعويضات للولايات المتحدة عن استهداف ضيفها سليماني وقواتها الأمنية الممثلة بالحشد، للمصالح الأميركية الموجودة في العراق بصورة رسمية وشرعية".

ونشر البيت الأبيض الجمعة الرسالة التي قدمها إلى الكونغرس الأميركي لشرح الأسباب التي دفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب لقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

وجاء في الرسالة أن ترامب أمر بالضربة التي قتلت سليماني الشهر الماضي ردا على هجمات وقعت في الماضي استهدفت المصالح الأميركية وعرضت أرواح المواطنين للخطر.

ولكن هذا لا يبدو أنه يهم إيران، التي تعتبر إن الضربة "عمل خطير ارتكبته الإدارة الأميركية في وضع كان فيه سليماني ضيفا رسميا على العراق كدولة مستقلة ذات سيادة"، بحسب ما نقلته وكالة إرنا عن عباسي.

ويقول الصحفي العراقي سلام كويش "لا أعتقد إن سليماني كان يزور العراق بصفة رسمية أو اعتيادية، ولا أتصوره يدخل من بوابة المطار الرسمية مثل غيره من المسؤولين ويستخدم جواز سفره أو يقام له استقبال رسمي".

ويضيف كويش لـ"موقع الحرة" أن سليماني كان يلعب دورا سلبيا في العراق في حياته، ويبدو إن إيران مستمرة باستخدامه بنفس الاتجاه حتى بعد مقتله".

ويقول الصحفي العراقي أحمد السهيل في حديث مع "موقع الحرة" إن "إيران باتت تعمل بشكل صريح في العراق كمنطقة نفوذ معلنة، ليس الآن بل منذ تشكيل حكومة عبد المهدي (المستقيلة)، وعودة العقوبات الأميركية، وتريد ارسال رسالة إلى أميركا بانها أحكمت سطوتها على السياسية العراقية بشكل عام".

ويضيف السهيل "هي تستغل كل الملفات الممكنة، سواء ملف مقتل سليماني أو أي ملف آخر"، مبينا قوله: "كانت خارطة نفوذ إيران تتعلق ببعض القوى الشيعية، وباستطاعتها جمع أغلبية داخل الشيعة فقط، لكنها بعد نجحت في توسيع هذا النفوذ حتى بات يشمل قوى سنية عديدة وبعض القوى الكردية".

ونقلت وكالة إرنا عن المدير العام لحقوق الإنسان والتعاون الدولي بوزارة العدل العراقية كامل أمين هاشم، قوله بأنه "يمكن متابعة إجراءات الإدارة الأميركية بشأن اغتيال اللواء سليماني وأبو مهدي المهندس في المحاكم الأوروبية ومجلس الأمن، كما أن هذا العمل إجرامي ويمكن مقاضاته بموجب القانون المحلي الأميركي".

لكن السهيل يعتقد إن "كل تلك القضايا التي تركز عليها طهران لا تخرج عن إطار دفع الولايات المتحدة للعودة للمفاوضات".

ويؤكد لا "أعتقد أنها ذاهبة باتجاه تصعيد أو صدام مباشر، بل إنها تريد استخدام كل ما يمكن في سياق إعادة اميركا للمفاوضات، والتي تبدو متعنتة وتتصرف من مركز قوة ولم تعد تصغي للتهديدات الإيرانية".

وقتل سليماني في الثالث من يناير الماضي بضربة لطائرة أميركية بدون طيار استهدفت موكبه قرب مطار بغداد الذي وصله قادما من سوريا.

وقتل مع سليماني، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس ومجموعة من مسؤولي التشريفات وضباط في الحرس الثوري الإيراني.

وتسببت الضربة برفع مستوى التوتر في المنطقة خشية الرد الإيراني على مقتل أهم ضباطها والمسؤول عن إدارة ميليشياتها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

وردت إيران على مقتل سليماني عبر إطلاق صواريخ باليستية استهدفت قاعدة عين الأسد العراقية التي تضم جنودا أميركيين، وتسببت تلك الضربات في إصابة عشرات الجنود الأميركيين بآثار ارتجاجات في المخ، لكن لم تسفر عن مقتل أحد.

كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق
كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق

عندما قتل قاسم سليماني في غارة أميركية بطائرة بدون طيار خلال زيارة لبغداد في مطلع يناير الماضي، تعهدت إيران "بالانتقام الشديد" من الولايات المتحدة عبر ميليشياتها في العراق، كما طالبت الكتلة الموالية لإيران في البرلمان العراقي بسحب 5000 جندي أميركي وقوات التحالف في العراق للمساعدة في محاربة داعش.

بعد ما يقرب من ستة أشهر، لا تزال القوات الأجنبية متمركزة في أنحاء العراق ويبدو أنها ستبقى لبعض الوقت، وبصرف النظر عن الهجوم الصاروخي على قاعدة للتحالف في مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل جندي بريطاني وآخر أميركيين، فإن الميليشيات المدعومة من إيران لم تنفذ تهديداتها بالثأر لمقتل سليماني، وفقاً لصحيفة تلغراف الإنكليزية.

علاوة على ذلك، عين العراق رئيس الوزراء الأكثر تأييدًا للغرب منذ سنوات، مصطفى الكاظمي، ليحل محل عادل عبد المهدي الذي استقال في نوفمبر الماضي في أعقاب احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كان الكاظمي يدير جهاز المخابرات العراقي، حيث عمل بشكل وثيق مع التحالف في القتال ضد داعش، وقد أمضى سنوات في بريطانيا كصحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، بعد أن فر من العراق أثناء حكم صدام حسين.

 

فشل قاآني

 

وقال سركوت شمس الدين، النائب الكردي الذي عمل ذات مرة كصحفي مع الكاظمي إنه "ليبرالي وغير طائفي، إنه لا يريد أن يتسبب في مشاكل مع إيران، فهو فقط مؤيد للعراق. ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء على قيد الحياة الآن بدون دعم أميركي".

ومن المتوقع أن تلوح أزمة في منتصف يونيو الجاري عندما تعقد واشنطن وبغداد حوارا استراتيجيا لتحديد علاقتهما المستقبلة، ويتوقع المراقبون أن تضغط أميركا والتحالف لبقاء القوات في العراق لضمان عدم عودة داعش.

وصرح مسؤول غربي للصحيفة: "هناك مجال للاتفاق على وجود بقاء القوات ولكن ربما بقوات أقل لمواجهة داعش في المستقبل".

وأكد أن تعيين الكاظمي يعكس حقيقة أن قائد الجيش الإيراني إسماعيل قاآني، فشل في أن يحل محل سليماني وتأثيره في العراق.

فقد زار قاآني بغداد في أواخر مارس الماضي، في محاولة للتأثير على اختيار رئيس الوزراء الجديد، ولكن كونه لا يتحدث العربية يفتقر إلى كاريزما سليماني وعلاقاته الشخصية، وكان استقباله فاترا ورفض بعض كبار القادة الشيعة مقابلته.

وقال المسؤول الغربي: "سليماني كان له تأثير هائل على سياسيين عراقيين مختلفين وقاآني كافح لملء هذا الفراغ، لم يكن له نفس التأثير، وتشكيل الحكومة الجديدة أكبر مثال على ذلك".

وبالنظر إلى قوة الكتلة الموالية لإيران في الحكومة العراقية، كان الكاظمي خياراً مفاجئا، ويعتقد شمس الدين أن تعيينه لطمة قوية للنفوذ الإيراني في العراق.

وأضاف شمس الدين، الذي تلقى تهديدات بالقتل من الميليشيات لرفضه التصويت لصالح انسحاب القوات: "كان الضغط من الشارع هائلاً - إنه معادٍ لإيران حتى لو لم يكن مؤيدًا للولايات المتحدة بشكل واضح، إيران تجد أنه ليس لديها العديد من الأصدقاء المخلصين حقا في العراق".


الخضوع لسيطرة الحكومة

 

وأشارت الصحيفة الإنكليزية إلى أن الكاظمي الذي يعتبر خبيراً في مجال الإعلام، قد ترك بصمته بالفعل، فقد كان من بين أول قراراته إطلاق سراح مئات الأشخاص الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات.

كما وعد بإجراء تحقيق أكثر صرامة في الهجمات بالأسلحة النارية التي شنت على بعض الاحتجاجات العام الماضي، والتي قتل فيها حوالي 600 شخص، وألقيت اللوم على نطاق واسع على الميليشيات الموالية لإيران وقوات الأمن العراقية، لكن تحقيق رئيس الوزراء السابق خلص فقط إلى أنهم "مسلحون مجهولون".

بدوره، قال أيمن سلمان، وهو متظاهر من بغداد: يبقى أن نرى ما إذا كان قادرا على الوفاء بهذه الوعود، حتى الآن، لم يتم إطلاق سراح المتظاهرين.

وألمحت الصحيفة إلى أن اختيار بعض العناصر الأكثر اعتدالًا في الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي تم تعبئتها عام 2014 للمساعدة في محاربة داعش، دليل آخر على فقد طهران لنفوذها في العراق.

 

استقلال بغداد

 

ومن المرجح أن تعتمد واشنطن على الكاظمي بشدة للقيام بالمزيد من الإجراءات، لتأكيد استقلال بغداد عن طهران.

وصرح روبرت تولاست من مؤسسة "تحليل الشرق الأوسط "( NAMEA): "تريد الولايات المتحدة تأكيدات بأن الجماعات المدعومة من إيران قد فقدت مكانتها، هذا سيعني التعاون مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات موجهة ضد المصالح المالية الإيرانية في العراق، ويمكن أن يمتد الأمر إلى التعاون الأمني ضد وكلاء إيران العراقيين".

ومقابل ذلك إذا واجه الكاظمي اعتراضا من الكتلة الموالية لإيران، فيمكن لواشنطن سحب دعمها المالي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات للحكومة العراقية، التي تواجه حاليًا الانهيار المالي بسبب انهيار أسعار النفط العالمية بسبب فيروس كورونا.

ويرى تولاست أن الكاظمي الذي أمضى معظم وقته في بريطانيا، ليس لديه قاعدة قوية في العراق، مما يعني أنه يمكن الإطاحة به بسهولة، مشيراً إلى أن إيران ما زالت "راسخة" في العراق. وأضاف "لا يمكننا أن نتوقع فائزاً مطلقاً في المنافسة الأميركية الإيرانية في العراق".