مقاتلة إسرائيلية من نوع أف 35 في قاعدة أوفدا الجوية شمال مدينة إيلات- 11 نوفمبر 2019
مقاتلة إسرائيلية من نوع أف 35 في قاعدة أوفدا الجوية شمال مدينة إيلات- 11 نوفمبر 2019

فيما يتزايد التوتر بين إسرائيل وإيران، أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إنشاء هيئة جديدة تتولى التخطيط للمواجهة مع إيران.

وقال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي في تغريدات على تويتر "نظرا للتهديد المتصاعد من إيران سيتم إنشاء هيئة جديدة لمتابعة موضوعيْن جديديْن: تخطيط ومتابعة الاستراتيجية العسكرية وتركيز النشاطات لبلورة وتخطيط المعركة في مواجهة الجبهة الإيرانية".

ويتوقع تقرير لمجلة "ناشيونال انترست" نشوب حرب قريبة بين إسرائيل وإيران، مضيفا أن شبح ضربة إسرائيلية ضد منشآت الأسلحة النووية الإيرانية يحوم حول المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن الصراع بين الدولتين قد يشتعل بسبب وجيه أو ربما بسبب سوء فهم أو خطأ في الحسابات، "فربما ينشب الصراع من خلال استفزازات يقوم بها حزب الله، ما يتطلب ردا من إسرائيل، ثم تدخلا من إيران، أو يندلع اشتباك بين إسرائيل وإيران حول سوريا، وقد ينشأ الصراع عن سوء فهم أو خطأ في الحسابات".

وبحسب تحليل نشرته صحيفة "إسرائيل توداي" الثلاثاء، فإن إسرائيل بدأت توجيه التحذيرات لإيران على الأراضي السورية، إذ هاجمت الطائرات الإسرائيلية الأسبوع الماضي موقعا للقوات الإيرانية، ما أسفر عن مقتل سبعة إيرانيين بالقرب من دمشق وتدمير عربتين عسكريتين للقوات الإيرانية، وذلك بعد وقت قصير من توصيل إيران أسلحة متطورة حديثة للمسلحين الموالين لها في دمشق.

ويرى تقرير "ناشيونال" إنترست" أنه في كل الحالات، "قد لا يتطلب الأمر الكثير حتى تحتدم الأمور بين إسرائيل وإيران وينشب القتال بينهما".

ويضيف أنه في حال اندلاع أعمال عدائية بين الطرفين، فسيتعين على إيران مواجهة أحد أقوى الجيوش في العالم.

وتمتلك القوات الإسرائيلية مجموعة واسعة من الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية.

لكن الأسلحة الأميركية لم تكن دائما الأنسب للظروف الصحراوية والحضرية الصعبة التي تواجهها القوات الإسرائيلية. لذلك فإن إسرائيل تدخل تعديلات كثيرة على الأسلحة الأميركية لتتماشى مع متطلبات مهام قواتها.

ويدرج التقرير أبرز خمسة أسلحة إسرائيلية ينبغي أن تقلق إيران:

الطائرات الشبح أف 35

لدى إسرائيل 19 طائرة مقاتلة من طراز أف-35 ضمن 50 وقعت حولها عقدا مع مجموعة "لوكهيد مارتن الأميركية".

تتجنب المقاتلة أف-35 الأسرع من الصوت، قدرة الرادار على اكتشافها. 

يمكن لهذه المقاتلة الطيران لمئات الأميال دون أن تكتشفها الرادارات. وللحفاظ على قدرتها على التسلل، ينبغي عليها التخلي عن الأسلحة الخارجية وحمل اثنين فقط من القنابل الموجهة، كل منها يزن ألفي باوند في جهاز إطلاق القنابل الداخلي للطائرة.

ولذا فإن هذه الطائرة قد تكون هي الأمثل للوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية وضربها بأسلحة موجهة بدقة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قال في تصريحات في يوليو الماضي إن إسرائيل "بات بإمكانها الوصول إلى إيران، لكن إيران لا تستطيع الوصول إلينا"، وكان في حينه يقف أمام طائرة مقاتلة من طراز أف-35 في قاعدة جوية إسرائيلية، ردا على التحركات الاستفزازية لإيران في الخليج حينها.

مقاتلات إسرائيلية من طراز إف-35

وكانت صحيفة كويتية ذكرت في يوليو 2018 أن مقاتلات إسرائيلية نفذت طلعة جوية تجريبية لثلاث طائرات من طراز أف-35 فوق طهران ومن ثم عادت بسلام إلى قاعدة جوية بالقرب من تل أبيب.

ويأتي طراز F-35 في ثلاثة تنويعات: طراز A للقوات الجوية الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة، طراز B الذي يمكنه التعامل مع عمليات الإقلاع القصيرة والهبوط العمودي، وطراز C للبحرية الأميركية.

غير أن تقريرا لـ"ناشيونال انترست" يقول إن المقاتلة الأميركية عدلتها إسرائيل وسمتها F-35I، لتصبح أكثر ملائمة للمنطقة، حيث أضافت إليها التوجيه بالليزر إذا أعاقت بعض الأشياء توجيه صواريخ المقاتلة، كما أن هناك تقارير تفيد بأن المقاتلة أف-35 الإسرائيلية يتم إعدادها لحمل أسلحة نووية.

المقاتلة أف 15 آي

على عكس أف-35، فإن F-15I وهي النسخة الإسرائيلية المعدلة من طائرات F-15E  الأميركية الملقبة بـ"النسر المقاتل"، معروفة بقدراتها المرتفعة، وبأنها شديدة التسليح، إذ إنها مدججة بصوارخ جو- جو (بايثون 5)، وكذلك صوارخ جو - أرض (بوبآي)، فضلا عن التدابير الإلكترونية المضادة.

أسطول إسرائيل من هذه الطائرة والذي يبلغ عددها 15، هو أكثر تفوقا من أسطول طائرات إيران القديم، الذي هو مزيج بين مقاتلات من نوع ميغ 29 وميراغ، وكذلك طائرات أف 14 وأف 4. 

واكتسبت إسرائيل خبرة في عمليات الضربات طويلة المدى، بما في ذلك غارات في السودان ضد مصانع الأسلحة، وقوافل الشاحنات التي تحمل أسلحة لحزب الله وحماس.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مقعد المقاتلة أف 15 آي- 11 أغسطس 2009

وتبلغ المسافة بين تل أبيب والخرطوم ما يقرب من 1200 ميلا، وهي مسافة أكبر من الألف ميل الذي يبعد عن طهران.

يشير التقرير إلى أن قصف السودان بالطبع أسهل بكثير من قصف إيران التي لديها نظام دفاع جوي متطور إلى حد ما، لكن إسرائيل أكثر قوة بهذا السلاح وهو المقاتلة أف 15 آي، الذي قد يكون في مقدمة أي هجوم إسرائيلي على إيران.

وتعلم إيران مدى قدرة هذه المقاتلة على ضرب الأهداف، إذ أنها لم تستطع أن تمنع هجومها على قوات أو قواعد عسكرية إيرانية في سوريا على مدار السنوات القليلة الماضية.

صواريخ أريحا 3 الباليتسية

بينما كانت تحظى الصواريخ الباليتسية الإيرانية باهتمام بالغ، فإن إسرائيل أيضا لديها ترسانتها من الصواريخ الباليستية الخاصة.

وأثارت التجربة الإسرائيلية لصاروخ "أريحا أرض - أرض" الباليستي في ديسمبر الماضي التكهنات حول ما إذا كان الأمر يتجاوز حدود التجربة، بتوجيه رسائل تحذير إلى إيران، وفق تقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

ودفعت التجربة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى إعلان قلقه قائلا "لقد اختبرت إسرائيل اليوم صاروخا نوويا يستهدف إيران"، وانتقد الدول الغربية لعدم إدانتها عملية التسلح التي تقوم بها إسرائيل والتي تكشف عن صواريخ لديها قدرات حمل رؤوس نووية.

وتمتلك إسرائيل حاليا صواريخ من طراز "أريحا" يبلغ مداها الأقصى 4800 كلم وهي قادرة على حمل رؤوس نووية. وتعتبر إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الاوسط ولو أنها لا تعترف رسميا بذلك.

ويمكن لصاروخ أريحا 3 ذي المراحل الثلاث، الذي يبلغ وزنه 2.2 طنا أن يحمل ألف كيلو غرام.

ويعمل هذا الصاروخ الباليستي بالوقود الصلب، ويمكن إطلاقه بسرعة إذا لزم الأمر. وبالتأكيد فإن "أريحا 3" قد يحمل رأسا نوويا رغم أن إسرائيل لم تعترف بذلك.

ويشير التقرير إلى أن مثل هذه الصواريخ غير دقيقة مما يستلزم أحيانا ضرب عدد منها لإصابة الهدف، ما قد تتجنبه إسرائيل خشية ردود الأفعال الدولية، لكنها قد تفعل ذلك إذا كان الأمر يحتاج على ذلك.

ومن الصواريخ التي يملكها الجيش الإسرائيلي أيضا صاروخ دليلة (250 كلم) وصاروخ لورا (280 كلم).

كما تملك إسرائيل منظومة دفاع صاروخي متعددة المكونات تم تطويرها بالتعاون مع الولايات المتحدة.

وكانت وزارة الدفاع الإسرائيلية قد أعلنت في أغسطس 2018 توقيع عقد هام مع مجموعة أسلحة وطنية لتطوير وإنتاج صواريخ قادرة على إصابة أي هدف في المنطقة برمتها.

غواصات دولفين

لدى إسرائيل خمس غواصات ديزل من نوع دولفين الألمانية، وهي أغلى سلاح في حوزة الجيش الإسرائيلي، وليس لدى إيران ما يمكن مقارنته بها، ووصفها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بأنها "سلاح رادع لمواجهة أعداء" بلاده.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على متن غواصة الديزل الخامسة من نوع دولفين الألمانية في 12 يناير 2016

ويشير تقرير لـ"ناشيونال انترست" أن الغواصة الرابعة والخامسة التي حصلت عليهما إسرائيل من أسطول دولفين، فضلا عن سادسة قيد الإنشاء، متطورة عما قبل الرابعة، حيث تستخدم خلايا الوقود لتمكينها من البقاء مغمورة لمدة أطول من سابقتها تحت الماء.

ويمكن لغواصة الدولفين حمل ما يقرب من 16 طوربيدا وصاروخا، غير أن إسرائيل طورتها لتصبح قادرة على حمل صواريخ عابرة ذات رؤوس نووية.

وبالرغم من أن الغواصات الإسرائيلية قد لا تكون متطورة مثل الغواصات النووية الأميركية والبريطانية، فإن إيران لا يحتمل أن يكون لديها قدرة من الأساس على الدخول في مواجهة مع الغواصات الإسرائيلية.

الصواريخ الاعتراضية

اختبرت إسرائيل تجارب متعددة ناجحة على المنظومة الدفاعية المضادة للصواريخ "حيتس-3" أو Arrow 3 وهو المشروع الذي تموله الولايات المتحدة، ويهدف إلى تدمير الصواريخ الباليستية القادمة.

وبعد نجاح تجربة للمنظومة في يوليو 2019، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن بلاده "تمتلك حاليا القدرة على اعتراض الصواريخ البالستية التي قد يتم إطلاقها علينا من إيران ومن أي مكان". 

وتملك إسرائيل أيضا نظاما دفاعيا تطلق عليه "حيتس-2"، الذي صمم لاعتراض الصواريخ البالستية الطويلة المدى، وخصوصا الإيرانية والسورية، يضاف إلى نظام "القبة الحديدية" القادر على صد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى التي تطلق من غزة.

وقال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي الثلاثاء في سياق إعلان إنشاء هيئة جديدة تتولى جهود تخطيط ومتابعة الاستراتيجية العسكرية وتخطيط المعركة لمواجهة إيران، إن التغييرات تعود إلى "الحاجة لتوجيه عملية بناء القوة متعددة الأذرع والتي أصبحت أكثر تعقيدا وفي المقابل تعميق الاستراتيجية العسكرية عامة وفي الجبهة الإيرانية خاصة".

فيما قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس "نريد توسيع الفجوة بين قدراتنا وقدرات أعدائنا"، وذلك على الصعيد الدفاعي كما هو الحال مع المنظومات المضادة للدرونز، ولكن أيضا على الصعيد الهجومي مع تطوير طائرات مسيرة قادرة على تنفيذ ضربات في "مناطق حضرية".

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

بينما تواصل روسيا التأكيد على ضرورة إصلاح العلاقة بين أنقرة ودمشق، تسود ضبابية الموقف الخاص بإيران، وما إذا كانت تؤيد وترحب بآخر التطورات التي كسرت جزءا من الجمود على صعيد التصريحات بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ورئيس النظام السوري، بشار الأسد.

وطهران حليفة للأسد ونظامه، كما هو الحال بالنسبة لموسكو، وتنخرط في الملف السوري عسكريا على الأرض بميليشيات و"مستشارين"، وكذلك سياسيا من خلال حضورها في مسارات، على رأسها "محادثات أستانة".

ورغم أنها كانت قد انضمت بصورة متأخرة للمسار الثلاثي الأول بين أنقرة ودمشق، فرضت نفسها لاحقا على المشهد باعتبارها طرفا رابعا، وبمواقف أبداها سابقا الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته الراحل، حسين أمير عبد اللهيان.

وتشير جملة معطيات حصلت، في غضون الأسبوعين الماضيين، إلى أن أنقرة ودمشق دخلتا في مرحلة جديدة ومختلفة عن السابق. من المقرر أن تكون ثمرتها الأولى عقد لقاء أمني، في عاصمة يرجح أن تكون بغداد أو موسكو، حسبما ذكرت وسائل إعلام تركية.

وجاء ذلك بعدما أبدى إردوغان نيته لقاء الأسد وفي أعقاب تخفيف الأخير للهجته مرتين، الأولى خلال لقائه مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتيف في دمشق، والثانية أمام الصحفيين بعدما تتالت الدعوات التي وجهها له الرئيس التركي.

وتشير المعطيات إلى أن الجولة الجديدة لإعادة العلاقات بين تركيا والنظام السوري تحظى برعاية روسية "بامتياز" وبدفع من بغداد أيضا، في حين لم يتردد حتى الآن أي حديث عن بادرة إيرانية في هذا السياق.

ومع ذلك، أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى أن كبير مستشاري وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية الخاصة، علي أصغر خاجي، ناقش عدة ملفات في الزيارة التي أجراها إلى دمشق، الاثنين.

وكان على رأس تلك الملفات التي ناقشها المسؤول الإيراني مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد ووزير خارجيته، فيصل المقداد، "عملية حل الخلافات بين تركيا وسوريا"، وضرورة "اتخاذ خطوات لإعداد الاستعدادات اللازمة لنجاح المحادثات".

"بين الحليف والجار"

وتحدثت أوساط إعلامية تركية لأكثر من مرة، خلال الأيام الماضية، عما وصفته بـ"العراقيل" التي قد تضعها إيران على طريق التقارب بين أنقرة ودمشق، وكتب عن ذلك صحفيون وكتاب أعمدة في صحف مقربة من الحكومة، بينها "حرييت".

ونقلت صحيفة "ديلي صباح" التركية، الاثنين، عن مصدر لم تسمه أن "إيران ربما تُستبعد من العملية الجديدة بين أنقرة ودمشق"، وهو ما لم تؤكده مصادر دبلوماسية.

وأضاف المصدر للصحيفة أن "مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا ليست شرطا مسبقا، لكن تم الاتفاق على مناقشتها لاحقا لتحقيقها في النهاية".

وتابع أن "التجارة ستكون على رأس أجندة الاجتماع الأول (مع دمشق)"، وأنها بدأت بالفعل بعد فتح معبر أبو الزندين، الذي يفصل مناطق سيطرة فصائل المعارضة التي تدعمها تركيا في ريف حلب مع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ويوضح الباحث السياسي التركي، عمر أوزكيزيلجيك، أن "تركيا ترى في الوقت الحالي موقفا غير بناء من جانب طهران بشأن تعاملها الدبلوماسي مع دمشق".

ويقول في تصريحات لموقع "الحرة" إن "الشعور التركي يذهب باتجاه أن إيران كانت ومازالت تتخذ موقفا أكثر عنادا وتشددا".

وتختلف النظرة التركية تجاه إيران عن تلك الخاصة بموسكو، وفق الباحث.

ويضيف أوزكيزيلجيك أنه بالنسبة لتركيا فإنها ترى في المقابل أن "موسكو حافظت دائما على نهج بناء وأكثر معقولية من طهران، التي كان لديها نهج أكثر تطرفا في المطالب".

ولروسيا نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي واسع في سوريا.

ولإيران أيضا ذات النفوذ، لكنها لم تصل إلى النقطة التي وصلت إليها موسكو على صعيد الاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية.

وعلى مدى السنوات الماضية دعم هذان الحليفان الأسد بشكل مطلق، على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية. 

لكنهما، وعلى الطرف الآخر، لم يصلا إلى توافق تام وكامل بشأن السياسات الخاصة بسوريا، وعلاقة الأسد ونظامه بالجيران وبقية الدول، سواء في الإقليم أو العالم.

ويعتقد الباحث في الشأن الإيراني، محمود البازي، أنه "توجد أخطاء في التقييم بين ما ترغب به طهران وما تستطيع فعله".

ويوضح البازي لموقع "الحرة" أن الشرط الذي وضعته الحكومة السورية للقاء إردوغان قديم وليس ما تفرضه إيران" (قاصدا انسحاب القوات التركية من سوريا).

ويشير البازي إلى أن "إيران قد تعرقل التطبيع في حالة واحدة، وهي استبعادها من المسار الحالي".

ويشرح بالقول: "بمعنى أن إيران ترغب بأن يكون مسار أستانة هو المنصة لأي تغييرات في الملف السوري، لأنه يوفر لها مقعدا على طاولة المفاوضات".

"منافس وعائق"

وتعتبر إيران وتركيا وروسيا دولا ضامنة لمسار "أستانة السوري". ومنذ عام 2017 تتجمع أطراف من المعارضة السورية والنظام باستمرار، من أجل بحث قضايا ميدانية وسياسية في آن واحد.

ولكل دولة مذكورة قوات في سوريا، مع اختلاف نمط وطبيعة انتشار كل واحدة عن الأخرى.

وتنتشر قوات تركية في شمال سوريا في إدلب وأرياف حلب، وتدعم أنقرة آلاف المسلحين من فصائل المعارضة، وتشير معظم التصريحات الرسمية إلى أنها ليست بوارد التخلي عنهم.

وكذلك بالنسبة لإيران التي يدعم "الحرس الثوري" فيها ميليشيات كثيرة في سوريا، وله أيضا "مستشارون" قتل عدد منهم بضربات إسرائيلية خلال السنوات الماضية.

أما روسيا فيتركز انتشارها في قاعدة "حميميم" بريف اللاذقية.

وتسير قوات الشرطة العسكرية التابعة لموسكو بانتظام دوريات مع الجانب التركي، في أجزاء من الحدود الشمالية لسوريا، وسبق أن سيرتها في جنوب إدلب بعد اتفاق 2020 الذي أبرم بين إردوغان ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين.

ويرى كبير الخبراء الأميركيين في "المجلس الأطلسي"، ريتش أوتزن، أن "إيران استعمرت سوريا الأسد بشكل أو بآخر من خلال سيطرتها على مؤسساتها الأمنية وسياستها الخارجية".

ويقول لموقع "الحرة" إن "إيران ترى في تركيا منافسا وعائقا أمام حريتها في المناورة في سوريا، بسبب الوجود العسكري ودعم المعارضة المناهضة للأسد".

وقد تدعم طهران صفقة تؤدي إلى انسحاب عسكري تركي واستئناف التجارة السورية التركية، إذا لم تكن هناك شروط ملزمة بشأن دمشق، وفق أوتزن.

لكنها "ستكون خاسرة في أي اتفاق يتضمن تنازلات حقيقية من دمشق تجاه المخاوف التركية (خاصة فيما يتعلق بحزب العمال الكردستاني) أو حماية الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة".

وللسبب المذكور يوضح الباحث الأميركي أن "الأسد صب مؤخرا الماء البارد على فكرة إجراء مفاوضات جادة أو تسوية في هذه المرحلة".

ويتابع: "وحتى لو أراد اتباع هذا المسار (وهو على الأرجح لا يريد ذلك)، فسيكون لدى رعاته الإيرانيين سبب لمنعه".

وبالنسبة لتركيا، يقول الباحث أوزكيزيلجيك، إن بلاده تشعر أن "إيران تشكل عائقا أمام العملية الدبلوماسية في سوريا، ليس فقط في المحادثات مع دمشق، بل أيضا في عملية أستانة وكل العملية التي جرت".

ويضيف أن "تركيا تريد الاستمرار مع روسيا"، وأنها "تثق بالجانب الروسي أكثر من طهران".

لكنه لا يعتقد أنه "يمكن فعل أي شيء في سوريا فيما يتعلق بنظام الأسد من دون إيران".

ويعتبر أنه "من غير الممكن عقد أي صفقة أو أي اتفاق مع نظام الأسد إذا لم تكن إيران متورطة. لقد رأينا مرات عدة قدرة إيران على منع أي نوع من الاتفاق"، على حد قوله.

"تفاهمات تكتيكية لا أكثر"

وقبل اندلاع أحداث الثورة السورية كانت العلاقة السورية التركية على أوجها، خاصة على صعيد الاقتصاد والاتفاقيات. ووقعت الحكومة التركية وحكومة الأسد بين عامي 2004 و2010 سلسلة اتفاقيات.

وكان أبرزها اتفاقية "التجارة الحرة"، وتنفيذ مشروع سككي بين غازي عنتاب وحلب، واتفاقيات أخرى لإنشاء بنك تركي سوري مشترك، مع زيادة حجم التجارة إلى مستويات عليا.

ومع انكسار جزء من الجمود في أعقاب تصريحات إردوغان والأسد مؤخرا، بدأت وسائل إعلام تنشر عن "مرحلة الازدهار" السابقة وسيناريوهات إعادة تفاصيلها من جديد.

ويستبعد مراقبون وخبراء أن تمضي عملية التقارب بين دمشق وأنقرة بشكل متسارع، ومع ذلك يشيرون إلى أن الأمر غير مستحيل، وأن الجانبين قد يبديا "نوايا حسنة" من بوابة فتح الطرق والاقتصاد.

وأيا كانت المسارات المقبلة، يعتقد الباحث البازي أن "إيران ترسم نفوذا سياسيا وعسكريا ولوجستيا موازيا لتفادي أي توافقات تحت رعاية روسية تضر بمصالحها".

وفيما يتعلق بالاقتصاد، يوضح أن "عدم تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية بين سوريا وإيران يعود إلى أن الحكومة السورية لا ترغب بتسليم الاقتصاد لإيران".

ولذلك يشير إلى أن "العلاقات الاقتصادية سيئة (بين دمشق وطهران) سواء تم تطبيع العلاقات مع تركيا أم لا".

ويرى الباحث أوتزن أن "روسيا لا تستطيع تحقيق المصالحة بين أنقرة ودمشق بعيدا عن إيران"، وهي غير قادرة على حل القضايا الكبرى (اللاجئون، العائدون، حزب العمال الكردستاني، حماية المعارضة).

ويقول إن "وجودها (روسيا) على الأرض في سوريا أضعف من إيران"، وعلى أساس ذلك "يمكنها تسهيل التفاهمات التكتيكية لا أكثر".

وإذا ما تم التطبيع بين أنقرة ودمشق "برعاية روسية وإيرانية" فقد تعتبره طهران مناسبا ومفيدا لها، بحسب حديث الباحث البازي، "لأن المستهدف هو (قوات سوريا الديمقراطية) الحليف الأميركي القوي".

ويتابع: "لذلك إذا ما تمت تصفية (قسد) في الشمال الشرقي سيكون هناك تسليم لهذه المناطق للحكومة السورية وهذا يعني بالضرورة مجال نفوذ أوسع لإيران هناك".

وتدعم الولايات المتحدة "قسد" منذ سنوات في إطار حربها على تنظيم "داعش"، لكن أنقرة ترى هذا التشكيل الذي تهيمن عليه "وحدات حماية الشعب" مرتبطا بـ"حزب العمال الكردستاني"، المصنف على قوائم الإرهاب.

وقال قائد "قسد"، مظلوم عبدي، في تصريحات له، الاثنين، إن قواته منفتحة على الحوار مع الجميع وفي مقدمتهم حكومة دمشق، و"لديهم إيمان" بالتوصل إلى حل مع دمشق.

وأوضح أن "قسد" على اتصال مع النظام السوري، لكن على دمشق إعادة النظر بموقفها، كما أبدى استعداده في السابق للحوار مع تركيا.