إيران
إيران "تشترط" تقيدها بالاتفاق النووي بعودة واشنطن إليه

في غمرة الحديث عن ذكرى مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وترقب "اشتعال فتيل الحرب" بين طهران وواشنطن، تغافل كثيرون عن حدث "أهم" بالنسبة للعالم.

صحيفة "جيروزاليم بوست" قالت إن "ضوضاء" الحديث عن الحرب التي قد يشنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال أيامه المتبقية بالبيت الأبيض ضد إيران التي طالما هددت بالثأر لمقتل سليماني جعل كثيرين لا ينتبهون لقرار طهران البدء في تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة لأول مرة منذ 2015.

يذكر أن التخصيب الذي تصل نسبته 20 في المئة، قد يفضي إلى صنع "قنبلة نووية".

صورة نشرتها إيران في نوفمبر 2019 تظهر معدات تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز
إيران تبلغ وكالة الطاقة الذرية برفع تخصيب اليورانيوم لنسب ما قبل 2015
ويعكس الصراع حول مشروع القانون، الذي اكتسب زخما بعد مقتل عالم نووي إيراني بارز الشهر الماضي، التنافس بين روحاني، وهو سياسي معتدل نسبيا، وبين المتشددين الذين يهيمنون على البرلمان ويفضلون نهجا أكثر تصادمية مع الغرب.

وقد اشترطت إيران تقيدها ببنود الاتفاق النووي، الذي خرج منه ترامب عام 2015، عودة واشنطن له للتقيد الكامل ببنوده.

وفي ظل تمسك ترامب بموقفه من الاتفاق، بل ومعاقبته حتى دولا أخرى أبقت على تعاملاتها مع طهران، عمدت الأخيرة إلى خرق العديد من بنوده عدة مرات، خصوصا منذ منتصف 2019 لكنها أوقفت أي تصعيد في الخروقات الجديدة قرب بداية 2020.

لكن بعد اغتيال رئيس البرنامج النووي العسكري الإيراني، محسن فخري زاده، في نوفمبر الماضي، أقر البرلمان الإيراني قانوناً يطالب إيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة بحلول أوائل فبراير 2021.

وعلى الرغم من أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المئة مطلوب لصنع سلاح نووي، فقد قال مسؤولو المخابرات الإسرائيليين وخبراء الأسلحة النووية لصحيفة "جيروزاليم بوست" إن القفزة من التخصيب بنسبة 5 في المئة إلى 20 في المئة ذات أهمية كبيرة، كونها تشكل خطورة على العالم بأسره. 

ولم تذكر طهران متى ستبدأ في التخصيب بنسبة 20 في المئة ويسمح لها قانونها بالانتظار حتى فبراير، مما يمنح إدارة بايدن أسبوعين على الأقل لإقناعها بالعدول عن ذلك.

الصحيفة قالت إن إعلان رفع التخصيب يشكل خطة للضغط على الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، للوصول إلى صفقة نووية "أكثر ملاءمة".

وبدأت إسرائيل تتحدث بصوت أعلى وأكثر جدية حول توجيه ضربة استباقية لمنشآت إيران النووية.

الصحيفة قالت في الصدد "قد يكون الهدوء من جانب إسرائيل وترامب وبايدن مضللاً"، في إشارة إلى ضرورة كبح طموح إيران النووي.

فهل ستواصل إيران التهديد بجدية؟ هل 20 في المئة مجرد خدعة؟ أم أنها خطوة مؤقتة تهدف إلى التخلي عنها كامتياز في المستقبل القريب؟

قد يكون الجواب هو الفرق بين ما إذا كان سيكون هناك صراع أكبر مع إيران في عام 2021.

والسبت الماضي، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أبلغتها فعلا أنها تعتزم إنتاج اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 بالمئة، وهو معدّل أعلى بكثير من ذلك المنصوص عليه في الاتفاق النووي المبرم بين طهران والدول الكبرى.

وصرّح متحدّث باسم الوكالة لفرانس برس أن "إيران أبلغت الوكالة بنيتها تخصيب اليورانيوم بنسبة يمكن أن تصل إلى 20 بالمئة في منشأة فوردو المقامة تحت الأرض، تطبيقا لقانون تبناه مؤخرا البرلمان الإيراني".

وقال المتحدث إن الرسالة وتاريخها 31 ديسمبر "لم توضح موعد بدء أنشطة التخصيب".

وكان السفير الروسي لدى الوكالة، ميخائيل أوليانوف، قد كشف هذه المعلومة في وقت سابق على تويتر، مشيرا إلى تقرير سلّمه المدير العام، رافايل غروسي، إلى مجلس الحكام.

وقال أوليانوف في تغريدة، السبت: "أجل كان من الواجب علينا أن نتوقع أمرا كهذا، بالأخص في ضوء القرار الصادر عن البرلمان الإيراني، ويبقى السؤال الوحيد: هل تقوم طهران بهذه الخطوة في الوقت المناسب؟".

وفي فيينا صرّح دبلوماسي لفرانس برس طالبا عدم كشف هويته "إنها ضغوط إضافية"، في حين تعمد إيران أكثر فأكثر إلى التحرر من التزاماتها.

وتتحدث الوكالة في أحدث تقرير لها نشرته في نوفمبر، عن عمليات تخصيب تجريها إيران تتخطى نسبتها المعدّل المنصوص عليه في الاتفاق النووي والمحدد بـ3,67 بالمئة، ولا تتعدى نسبة 4,5 بالمئة، مع مواصلة طهران التقيّد بنظام التفتيش الصارم الذي تجريه الوكالة.

صورة بالأقمار الصناعية لموقع نووي إيراني في أصفهان
صورة بالأقمار الصناعية لموقع نووي إيراني في أصفهان

يترقب العالم انطلاقة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني في سلطنة عُمان السبت المقبل، ضمن تحول جديد في سياق التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وأعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاثنين الماضي، أن الولايات المتحدة وإيران بدأتا محادثات مباشرة بشأن البرنامج النووي الإيراني، لافتًا إلى أن هذه المحادثات ستستمر يوم السبت في اجتماع بالغ الأهمية.

إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، والحد من الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، تمثل أبرز الشروط التي تلوح بها إدارة ترامب لإبرام اتفاق نووي مع إيران.

ويلفت الخبير السياسي العراقي، عمر عبد الستار، إلى أن ترامب لا يريد أن يكون لإيران برنامج نووي بأي شكل من الأشكال.

وأشار إلى أن رفض إيران تفكيك برنامجها النووي بالكامل وعدم الكشف عن تفاصيله، يعني أنها ستكون تحت طائلة البند السابع.

وينص البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة على اتخاذ تدابير في حال إذا كان السلام مهددًا.

وتتراوح هذه التدابير بين العقوبات الاقتصادية واللجوء إلى القوة لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

وأنهى ترامب في مايو 2018، وخلال فترته الرئاسية الأولى، مشاركة الولايات المتحدة في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران، وأعاد فرض العقوبات التي رُفعت عن طهران بموجب الاتفاق.

وأكد بيان للبيت الأبيض عقب قرار الانسحاب، أن "الاتفاق النووي فشل في حماية مصالح الأمن القومي الأميركي، وأثرى النظام الإيراني، ومكّن سلوكه الخبيث، بينما في أحسن الأحوال، أعاق قدرته على السعي لامتلاك أسلحة نووية، وسمح له بالحفاظ على البحث والتطوير النووي".

وقال عبد الستار، لموقع "الحرة"، "لن يكون هناك اتفاق جديد، إلا على أساس أن إيران ليس لها نووي ولا ميليشيات ولا صواريخ تحمل قنابل نووية. الانسحاب الأميركي من الاتفاق السابق كان على هذا الأساس، وإبرام اتفاق جديد سيكون على هذا الأساس".

ورأى عبد الستار أن النظام في طهران قد يتخلى عن أذرعه في المنطقة حفاظًا على بقائه في السلطة، لكنه لن يتخلى عن أذرعه مقابل إبرام اتفاق نووي، لأن ذلك، وبحسب النظام الإيراني، سيؤدي إلى تدمير بنية الثورة ودستور الثورة والحرس الثوري.

وأعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تُفضّل عقد محادثات "غير مباشرة" مع الولايات المتحدة "لتجنب الضغوط والتهديدات."

ونقلت وكالة "إرنا" الإيرانية عن عراقجي قوله، إن المحادثات "ستتم بشكل غير مباشر"، قائلًا: "لن نقبل أي طريقة أخرى للتفاوض".

"نظام متحايل"

في المقابل، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، خلال مؤتمر صحفي عقدته، الثلاثاء، إن "الرئيس ترامب قال إن مباحثات مباشرة ستجري مع إيران السبت".

وتابعت: "جعل الرئيس الأمر في غاية الوضوح للإيرانيين، وعليهم اتخاذ القرار، بإمكانهم الوصول إلى اتفاق، وبإمكانهم التفاوض، أو سيتعين عليهم دفع الثمن".

ويعتقد السياسي العراقي المستقل، مثال الألوسي، أن "ترامب شخّص حقيقة تحايل النظام الإيراني التوسعي الإرهابي وخطره الإقليمي والدولي، إضافة إلى خطورة الفكر والسلوك الفاشي المتمثل بمعاناة شعوب المنطقة".

وأضاف الألوسي قائلًا لموقع "الحرة": "لا شك أن تشخيص ترامب في فترته الرئاسية الأولى للدور الإيراني سيحمي المنطقة من ويلات الإرهاب الإقليمي الذي تزعمته وشجعته ودعمته إيران، لأن التفاوض إيرانيًا يعني التلاعب والتحايل بهدف الحفاظ على خطوات النظام الإيراني في الاقتراب من تصنيع القنبلة الذرية والحفاظ على أُخطبوطها الإرهابي في المنطقة بشكل عام، وفي لبنان والعراق خاصة".

ولفت إلى أن "الهدف الأميركي للتفاوض هو إلغاء سيناريوهات الحرب وإنهاء الإرهاب الإيراني في المنطقة".

وحدد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان نشرته صفحة إسرائيل بالعربية، الثلاثاء، مطالب إسرائيل حول ما يجب أن يشمل أي اتفاق مع إيران، قبل المحادثات بين واشنطن وطهران.

وقال نتنياهو: "نحن متفقون على أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية. يمكن إنجاز ذلك عبر اتفاق، ولكن فقط إذا كان هذا الاتفاق على النموذج الليبي ـ أي تفجير المنشآت، وتفكيك جميعها، تحت إشراف وتنفيذ أميركي، فهذا سيكون أمرًا جيدًا".

وأشار إلى أن الخيار الثاني، إذا انتهج الإيرانيون أسلوب المماطلة والتسويف في المحادثات، سيكون عسكريًا، والجميع يفهم ذلك.

لكن الخبير الاستراتيجي، علاء النشوع، رأى أن واشنطن لا تريد المواجهة مع إيران حاليًا، لأن المنطقة ستشهد فوضى كبيرة، خاصة منطقة الخليج وامتداداتها في بحر العرب والمحيط الهندي، وهذا الأمر سينعكس على كل العالم، لأن مصادر الطاقة ستتأثر.

وقال النشوع لموقع "الحرة": "يعلم الإيرانيون جيدًا أنهم في كل الحسابات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية سيخسرون كثيرًا في حالة المواجهة، لمعاناتهم من ضغوط داخلية وخارجية كبيرة جدًا، خاصة بعد أن انتهت وانهارت أدواتهم التي كانوا يعتمدون عليها في لبنان وسوريا، وآخرها اليمن، أما الساحة العراقية فستفقدها في أي لحظة".

وألمح النشوع إلى أن الولايات المتحدة لن تعقد صفقة مع طهران، إلا إذا وافق النظام الإيراني على نزع كل ما يخص برنامجه النووي عسكريًا ومدنيًا دون قيد أو شرط، بالإضافة إلى تسليم كل اليورانيوم المُخصب الذي أنتجته إيران، وتسليم كل الملفات، بما فيها البرمجيات والمشغلات والرقائق والصفائح التي تعمل على تشغيل المفاعلات.

وأردف النشوع قائلًا: "ليس برنامجها النووي فقط، بل يجب أن تُنهي إيران برنامج صواريخها الباليستية ومسيراتها، وتُسلّم كافة تفاصيلها، وكل ما يتعلق بصناعاتها العسكرية ذات الأبعاد الاستراتيجية، إلى جانب إنهاء كل نفوذها السياسي والعسكري والأمني وحتى الديني في المنطقة".

وأعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، فرض عقوبات على 5 كيانات وشخص واحد في إيران، يدعمون كيانات رئيسية تُدير وتُشرف على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك منظمة الطاقة الذرية الإيرانية (AEOI) وشركة تكنولوجيا الطرد المركزي الإيرانية (TESA) التابعة لها.

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان أن هذا الإجراء يستهدف الأشخاص الذين يشترون أو يُصنعون تقنيات حيوية لشركة TESA وشركة تكنولوجيا الطرد المركزي الإيرانية، دعمًا لحملة الضغط القصوى التي يشنها ترامب على إيران.