(FILES) In this file photo taken on February 23, 2021, Iranian Foreign Minister Mohammad Javad Zarif addresses the media at the…
لمح ظريف إلى أن سليماني حاول إفساد اتفاق إيران النووي لعام 2015 بالتواطؤ مع روسيا.

بلغة نادرا ما تظهر علنا في أروقة السياسية الإيرانية، اشتكى وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف من المدى الذي وصل إليه تأثير قاسم سليماني، في السياسة الخارجية، في تصريحات مسربة تلقي الضوء على الصراعات بين الحكومة الإيرانية والحرس الثوري الذي يحظى بنفوذ كبير.

وفي تسجيل صوتي مسرب، لمح ظريف إلى أن سليماني، القائد الراحل لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، حاول إفساد اتفاق إيران النووي لعام 2015 بالتواطؤ مع روسيا.

وظريف الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، هو مهندس الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع القوى العالمية في 2015.

وفي وقت متأخر من الأحد الماضي، قال ظريف إن نفوذه في السياسة الخارجية الإيرانية "صفر"، في مقابلة بثتها قناة إيران التلفزيونية الدولية الفضائية، الناطقة باللغة الفارسية، ومقرها في لندن.

والاثنين، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن القناة نشرت مقتطفات فقط من المقابلة التي أجريت على مدى سبع ساعات، دون أن ينفي صحة التسجيل الصوتي. بينما طلب الرئيس الإيراني حسن روحاني التحقيق فيما وصفها بـ"مؤامرة" نشر التسجيل الصوتي.

ويقول حسن راضي، الخبير في الشؤون الإيرانية، لموقع "الحرة" إن التصريحات الصريحة والمباشرة الصادرة من مسؤول رفيع، ممثلا في وزير الخارجية، خصوصا عن قاسم سليماني تمثل صفعة وفضيحة كبرى للنظام الإيراني".

ويعتقد راضي أن التسجيل كشف الكثير من الأمور، "لكن محمد جواد ظريف لم يكن يتوقع أن يتسرب وربما كان سيبقى طي الأرشيف".

وأوضح الخبير في الشؤون الإيرانية أن العديد من الوزراء أجروا مقابلات مماثلة لتقييم المرحلة الحالية والاطلاع على وجهات نظرهم.

وفي نفس السياق يقول محمد محسن أبو النور، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، لموقع "الحرة": "هذا التسريب الصوتي كان تسجيلا خاصا بأرشيف الوزارة؛ تسجل الوزارات دوريا هذه المقابلات كمادة أرشيفية يستمع إليها من يريد أن يتعلم من دروس الدبلوماسية".

وأكد أن هذا التسجيل "غير قابل للنشر، وكان من المفترض ألا ينشر أبدا". 

وفي التسجيل الذي بثته القناة التلفزيونية على تطبيق كلوب هاوس، قال ظريف: "في كل مرة تقريبا ذهبت فيها للتفاوض (مع الدول الكبرى) كان (سليماني) يطلب مني أن أقدم هذا التنازل أو ذاك أو أثير نقطة ما".

ويقول راضي: "خامنئي والحرس الثوري كانا يمنحان الضوء الأخضر لروحاني بالاتفاق وبعد ذلك يتم انتهاك صفقة الحكومة، لذلك شعر المسؤولون بأن لا دور لهم في أي شيء".

ويفسر أبو النور ذلك، قائلا: "هذا يعني أنهم يقولون له إنك مجرد موظف بالإدارة الإيرانية، ويجب أن تفعل ما يملى عليك وليس العكس".

وقد أشار ظريف لذلك في التسجيل الصوتي، حينما قال إن نظيره الروسي سيرغي لافروف، في آخر أسبوع من مفاوضات اتفاق 2015، سأله: "أليس لديك تعليمات؟". 

ويعلق أبو النور، قائلا: "معنى ذلك أن روسيا كانت لديها تفهمات حول نقاط خلافية معينة مع قاسم سليماني والعسكريين الذين أبلغوا بدورهم ظريف، لكن الأخير لم يلتزم بهذه التعليمات، وفقا للتسريب نفسه".

"غرد على تويتر"

وكان سليماني شخصية محورية، وأقام شبكة من الجماعات المسلحة الموالية لطهران في أنحاء الشرق الأوسط. وقتل في هجوم أميركي بطائرة مسيرة في العراق العام الماضي.

وردت إيران بهجوم بالصواريخ على قاعدة عراقية تتمركز فيها قوات أميركية. وبعد ساعات أسقطت القوات الإيرانية طائرة ركاب أوكرانية حال إقلاعها من طهران. وبعد أيام اعترف الحرس الثوري بأنه أسقطها "بطريق الخطأ".

وفي التسجيل، قال ظريف: "قلت (في اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي) إن العالم يقول إن صواريخ أسقطت الطائرة. إذا كان هذا ما حدث أبلغونا كي نرى كيف نستطيع تسوية الأمر".

ومضى ظريف قائلا: "قالوا لي: لا، اذهب، غرد على تويتر وانكر ذلك".

ويرجح راضي أن يترتب على تسريب هذا التسجيل الصوتي ما وصفها بـ"التداعيات الخطيرة" التي ستطال جواد ظريف وأطرافا أخرى ذُكرت أسماؤهم خلال المقابلة، بينما أشار أبو النور إلى التداعيات السياسية على التيار الإصلاحي.

وفي فبراير 2019، أعلن ظريف استقالته من منصبه فجأة على صفحته على موقع إنستغرام.

ولم يذكر ظريف أسبابا محددة لقراره الذي لم يقبله روحاني بينما تكهن البعض أن الاستقالة جاءت احتجاجا على عدم إبلاغ ظريف بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران آنذاك.

"النجاح العسكري أهم"

وفي التسجيل الحديث، قال ظريف: "لم أتمكن مطلقا من مطالبة أي قائد عسكري بفعل شيء ما من أجل مساعدة الجهود الدبلوماسية".

ومضى قائلا "كان النجاح على الساحة (العسكرية) أهم من نجاح الدبلوماسية. كنت أتفاوض من أجل النجاح على الساحة (العسكرية)".

وتأسس الحرس الثوري بعد ثورة عام 1979 لحماية المؤسسة الدينية الحاكمة، والحفاظ على القيم الثورية. وهو يتبع مباشرة المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويتمتع الحرس الثوري بنفوذ هائل لدرجة أن بوسعه تعطيل أي تقارب مع الغرب إذا شعر بأن ذلك يمثل خطرا على مصالحه الاقتصادية والسياسية.

ويقول راضي إن "الحرس الثوري هو الدولة العميقة، دولة في داخل دولة، بل هو الإمبراطورية التي تمتلك كل شيء".

وأضاف "طبعا جواد ظريف وحكومة الرئيس حسن روحاني والكثير من المسؤولين يعرفون جيدا أن القرارات لخامنئي والحرس الثوري، لكنهم كانوا يحاولون المشاركة بالكلمة والرأي".

ورغم ضغوط الحرس الثوري وتداخلاته "كانوا يتوقعون أن يكون لهم دور، خصوصا وأنهم طرف في العلاقات الدولية والإقليمية في وقت تجري فيه مفاوضات"، وفقا لراضي.

لماذا الآن؟

ويأتي هذا التسجيل في وقت تجتمع فيه إيران وبريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا في فيينا للاتفاق على الخطوات اللازمة لإحياء الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 2018.

وتهدف المحادثات لإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق وإقناع طهران بإنهاء انتهاكاتها.

وقال أبو النور إنه في صباح يوم تسريب التسجيل "طالب ظريف طلبا غريبا جدا وهو دعم مسار فيينا على حساب مسار نطنز".

ويتمثل مسار نطنز، كما سماه أبو النور، في تركيب إيران لأجهزة طرد مركزي إضافية في منشأة لتخصيب اليورانيوم توجد تحت الأرض في نطنز وتعرضت للهجوم هذا الشهر.

أما مسار فيينا فيتعلق باختراق دبلوماسي كبير للعودة إلى الاتفاق النووي قبل أن يغادر الرئيس حسن روحاني السلطة في 18 يونيو المقبل.

ويعتقد أبو النور أن "هناك جهات داخل إيران لا تريد لهذا الاختراق أن يتم؛ هذه الجهات هي بيت القيادة ومؤسسات الحرس الثوري".

وأضاف "الحرس الثوري لا يريد لإدارة روحاني أن تقوم بعمل الاختراق، يريد أن ينتظر لما بعد الـ18 من يونيو، ويرى ما إذا كان حسين دهقان وهو قائد عسكري سيصبح رئيسا لكي تتوصل إدارته الجديدة لاتفاق، لاسيما وأن جواد ظريف ينتقد المؤسسة العسكرية ويحملها الإخفاقات السياسية والدبلوماسية في الجلسات الخاصة".

وأرجع أبو النور تسريب التسجيل إلى "صراعات داخلية بين الأجنحة الإيرانية، يستعرض فيها الجناح العسكري قوته ونفوذه"، مدللا على ذلك بعدم تسريب تسجيل صوتي لرجل عسكري أو رجل استخبارات أو ما إلى ذلك.

لا دور للإصلاحيين

ولعب ظريف دور الريادة في الاتفاق الذي وافقت إيران بموجبه على كبح برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات المالية الدولية عنها.

وقد تعرض لهجوم من المحافظين المناهضين للغرب في إيران بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق، وأعادت فرض العقوبات على اقتصاد إيران وصناعة النفط التي تعد شريان الحياة لاقتصادها والتي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق.

وكان ظريف قال إنه لا يعتزم الترشح لانتخابات الرئاسة التي ستجرى يوم 18 يونيو، ورغم ذلك قال بعض المنتقدين إن تصريحاته ترمي إلى كسب أصوات الإيرانيين الذين يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة وغيابا للحريات السياسية والاجتماعية.

وطرحت شخصيات بارزة في التيار السياسي المعتدل اسمه باعتباره مرشحا محتملا للانتخابات التي سيخوضها أيضا عدة قادة بارزين من الحرس الثوري.

لكن راضي يعتقد أن تصريحات ظريف ستعزز رؤية خامنئي والحرس الثوري بشأن إقصاء الإصلاحيين والمعتدلين من المشاركة في الانتخابات المقبلة.

وبحسب راضي، فإن خامنئي كان قد حسم أمره قبل الانتخابات بأن تكون المرحلة المقبلة "للمحافظين المتشددين وربما لأحد قيادات الحرس الثوري، لكن مقابلة ظريف عززت هذه الموقف".

وأضاف "خامنئي لن يتراجع بالتأكيد عن هذا الرأي، لأن هذا التسجيل الصوتي أثبت أن هؤلاء كما يصفونهم المحافظون المتشددون لا ثقة لهم"، مشيرا إلى اتهام البعض منهم لظريف بأنه ارتكب خيانة وقدم خدمة كبيرة للغرب.

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.