المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي يدفع بأن يكون إبراهيم رئيسي خلفا لروحاني بحسب خبراء
المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي يدفع بأن يكون إبراهيم رئيسي خلفا لروحاني بحسب خبراء

بينما تجري طهران مفاوضات في فيينا مع القوى الكبرى حول كيفية إحياء الاتفاق النووي، فإن النظام الإيراني يبدو أنه اختار رجل الدين المتشدد، إبراهيم رئيسي، ليكون المرشح الأبرز لتولي رئاسة للبلاد، ما يثير التساؤلات حول تعامل الجمهورية مع الملفات الداخلية والخارجية، في المرحلة المقبلة. 

ورئيسي، رجل دين متشدد ورئيس السلطة القضائية الإيرانية الحالي، وهو متهم بالمشاركة في لجنة شاركت في الإعدام الجماعي لآلاف السجناء، عام 1988.

ورغم أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وضغوط متزايدة للإصلاح، رفض النظام مئات المرشحين وأغلبهم من المستقلين والمعتدلين والتابعين للتيارات الإصلاحية، في قرارات "طالت حتى المقربين من النظام"، بحسب مدير المركز الأحوازي للدراسات الإعلامية والاستراتيجية  في لندن، حسن راضي، في حديثه لموقع "الحرة"، ما "أدى إلى حدوث شرخ داخل التيار المحافظ المتشدد الذي انقسم على نفسه وأصبح هناك صراع داخله".

ووافق مجلس صيانة الدستور، الشهر الماضي، على سبعة مرشحين فقط لخوض الانتخابات التي ستجرى يوم الجمعة القادم، مستبعدا عددا من المرشحين البارزين ومنهم، رئيس البرلمان الإيراني السابق علي لاريجاني، والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والرئيس الحالي للبرلمان الإيراني، محمد باقر قالبياف، وإسحاق جهانغيري، نائب الرئيس الإيراني، حسن روحاني.

المرشحون للانتخابات الرئاسية في إيران

وبسبب ذلك، تعالت أصوات كثيرة "حتى من خارج المعارضة، تدعو بشكل علني إلى المقاطعة، خاصة وأن المواطنين الإيرانيين وصلوا الآن إلى قناعة مفادها أن الرئيس لا يستطيع أن يقدم شيئا، لأن كل الصلاحيات والأمور بيد المرشد الأعلى، علي خامنئي، والرئيس لا يستطيع تنفيذ وعوده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية"، بحسب راضي. 

يشير الباحث إلى أن الإقبال على الانتخابات الرئاسية الإيرانية سيكون ضعيفا، حتى أن "استطلاعات الرأي الرسمية تشير إلى أن نسبة المشاركة من 37 إلى 40 في المئة في أحسن الأحوال". 

"الرئيس الإيراني القادم"؟

ويؤكد راضي "إذا سارت الخطة كما رسمها خامنئي، سيكون إبراهيم رئيسي هو الرئيس القادم، لأن التيار الإصلاحي حتى الآن لم يتوافق على مرشح ولم يحسم أعضاؤه أمرهم بعد".

لكن راضي يؤكد أن التيار الإصلاحي إذا اتفق على دعم محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي مثلا، فإنه سيفوز بالمنصب في حال عدم تزوير الانتخابات. 

ويستبعد راضي قبول النظام الإيراني بنتائج صناديق الاقتراع على أي حال، "يبدو أن النظام حسم أمره ولن يسمح للصناديق أن تحدد اسم الرئيس، خاصة بعد أن استبعدوا كل الأسماء القوية التي يمكن أن تنافس إبراهيم رئيسي، حتى يتم إخلاء الساحة تماما له". 

وحول أسباب تمسك النظام الإيراني بفوز رئيسي بمنصب الرئيس، يقول راضي إن "النظام الإيراني يريد الشخصية التي تنفذ أوامر المرشد دون تردد، وهو يعتبر من أكثر رجال الدين تشددا ولأنه يسير على خطى خامنئي تماما ولا يحيد عنه وكأن خامنئي هو من يحكم". 

ويضيف أن "خامنئي يحتاج إلى شخصية بهذه المواصفات حتى يستطيع تنفيذ أجندته، لأن النظام بدأ يتزعزع ويتآكل وأصبحت هناك صراعات، فيحتاج إلى شخصية قوية متنفذة تأخذ أوامر خامنئي حتى تسيطر على الأمور بهذه الطريقة". 

من هو رئيسي؟ 

ولد رئيسي في مدينة مشهد (شمال شرق) في نوفمبر 1960، وبدأ بتولي مناصب عامة في سن مبكرة، إذ عيّن مدعيا عاما في مدينة كرج قرب طهران في العشرينات من عمره، وذلك بعد فترة وجيزة من انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

أمضى رجل الدين الشيعي، قرابة ثلاثة عقود في هيكلية السلطة القضائية الإيرانية، متنقلا بين مناصب عدة منها مدعي عام طهران، بين 1989 و1994، ومعاونا لرئيس السلطة، اعتبارا من 2004 حتى 2014، حين تم تعيينه مدعيا عاما للبلاد.

في 2016، أوكل إليه خامنئي مهمة "سادن" (مشرف) على "العتبة الرضوية المقدسة" في مدينة مشهد، وعيّنه بعد ثلاثة أعوام على رأس السلطة القضائية، أحد الأركان الأساسية للنظام السياسي.

يعمل رئيسي الذي يرى منتقدوه أنه يفتقر إلى الكاريزما، بوحي الدروس الدينية والفقهية لخامنئي.

وفق سيرته الذاتية الرسمية، قام رئيسي الذي يعرف بردائه الديني ونظارتين رفيعتين ولحية مشذبة غزاها الشيب، بتدريس مواد فقهية ودينية اعتبارا من العام 2018، خصوصا في مدينة مشهد المقدسة، مسقط رأسه.

وتطرح وسائل إعلام إيرانية عدة اسم رئيسي كخلف محتمل لخامنئي الذي سيتم الثانية والثمانين من العمر في يوليو المقبل.

فرئيسي هو أيضا عضو في مجلس الخبراء الذي تعود إليه صلاحية تسمية المرشد.

وتميزت فترة السنتين التي قضاها رئيسي كرئيس للمحكمة الإيرانية، بالقمع المكثف للمعارضة وانتهاكات حقوق الإنسان. 

فمن بين العديد الأحكام المتشددة في فترة ولايته، كان أول إعدام لرجل منذ عقود بسبب استهلاك الكحول.

وفي أواخر العام الماضي، أُعدم مصارع شاب شنقاً بسبب الاشتباه في ارتباطه بمشاركته في الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2018.

وبحسب راضي فإن النظام الإيراني يبدو أنه عزم أمره أن يتوجه شرقا، "ولا تهمه الانتقادات وموقف الدول الغربية، ولا منظمات حقوق الإنسان، خاصة أن رئيسي، معروف لدى الإيرانيين بأنه كان عضوا في لجنة الموت التي نفذت حكم الإعدام في مئات السجناء عام 1988". 

ماذا بعد تنصيب رئيسي؟

ويقول إن "النظام الإيراني الآن ليس قوة واحدة ولا يداً واحدة، لكن إذا فاز رئيسي سيصبح النظام الإيراني صوتاً واحداً وسيقدم على تنفيذ سياساته دون عراقيل من التيارات المتنفذة الأخرى، لأنه ستصبح كل السلطات في يد التيار المتشدد".

وأوضح أن السلطة القضائية تحت هيمنة رئيسي نفسه لأنه رئيسها، ومعظم أعضاء البرلمان من التيار المتشدد ومن الحرس الثوري الإيراني كما أن السلطة التنفيذية ستكون للمتشددين أيضا بعدما كانت في يد المعتدلين"، مشيرا إلى أن فوز رئيسي يعني مزيدا من التشدد الداخلي والخارجي، 

وأوضح "داخليا سيقدِم النظام على قمع الأصوات المعارضة والحريات بشكل أكبر وستتوسع انتهاكات حقوق الإنسان وستسير البلاد نحو الديكتاتورية الفردية". 

وقال: "هناك تخوف من التيارات الأخرى التي ترى أن الجزء الجمهوري من الدولة سينتهي يمجيء رئيسي وسيبقى الجزء الإسلامي فقط، بمعنى أن الجمهور لن يكون محورا في الفترة المقبلة".  

أما على المستوى الخارجي، فقال راضي إن "التيار المحافظ والحرس الثوري قريبان جدا من الصين وروسيا وسيتجهان نحو الشرق". 

وأضاف أن النظام الإيراني تحت حكم رئيسي المتوقعة ستستمر في محاولات تصنيع قنبلة نووية، وتفعيل ملف الصواريخ الباليستية فضلا عن مزيد من التدخلات في المنطقة".

ويتوقع راضي أن النظام الإيراني تحت حكم رئيسي المتوقع، سيلجأ إلى إطالة عمر المفاوضات في فيينا والمماطلة وكسب الوقت لتقترب طهران إلى وقت إعلانها عن صنع القنبلة النووية.

FILE PHOTO: Military personnel stand guard at Iran's Isfahan nuclear facility
جنود إيرانيون يحرسون محطة أسفهان النووية.

نشرت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة قاذفات من طراز بي-2 على مقربة من إيران، في إشارة قوية للجمهورية الإسلامية بما قد يحدث لبرنامجها النووي إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يحد من نشاطه.

وقاذفات بي-2 هي الطائرات الوحيدة القادرة على إسقاط أقوى القنابل الخارقة للتحصينات.

لكن خبراء عسكريين ونوويين يقولون إنه حتى مع وجود مثل هذه القوة النارية الهائلة، فإن أي عمل عسكري أميركي -إسرائيلي لن يؤدي على الأرجح إلا لتعطيل مؤقت لبرنامج يخشى الغرب أن يكون هدفه بالفعل إنتاج قنابل نووية ذات يوم، وهو ما تنفيه إيران.

والأسوأ من ذلك، أن يدفع أي هجوم إيران إلى طرد مفتشي الأمم المتحدة النوويين، والتحرك لجعل البرنامج المدفون جزئيا تحت الأرض مدفونا بالكامل، والإسراع نحو التحول إلى دولة مسلحة نوويا، مما يضمن ويُعجل في الوقت نفسه بتلك النتيجة المخيفة.

وقال جاستن برونك، وهو باحث بارز في مجال القوة الجوية والتكنولوجيا في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز بحثي دفاعي بريطاني "في نهاية المطاف، وباستثناء تغيير النظام أو الاحتلال، من الصعب جدا تصور كيف يمكن لضربات عسكرية أن تدمر مسار إيران نحو امتلاك سلاح نووي".

وأضاف برونك "سيكون الأمر في جوهره محاولة لإعادة فرض قدر من الردع العسكري، وإلحاق خسائر والعودة بزمن الاختراق إلى ما كنا عليه قبل بضع سنوات".

ويشير زمن الاختراق إلى المدة التي قد يستغرقها إنتاج مواد انشطارية بكميات كافية لإنتاج قنبلة نووية، ويتراوح هذا الزمن حاليا بين أيام أو أسابيع بالنسبة لإيران. لكن إنتاج قنبلة بالفعل، إذا قررت إيران ذلك، سيستغرق وقتا أطول.

وفرض الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015 بين إيران والقوى الكبرى قيودا صارمة على أنشطة إيران النووية مما أطال زمن الاختراق إلى عام على الأقل. لكن الاتفاق انهار بعد انسحاب الولايات المتحدة منه في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب عام 2018، وهو ما جعل إيران تتخلى كثيرا عن قيوده.

والآن يريد ترامب التفاوض على قيود نووية جديدة في محادثات بدأت في الأيام القليلة الماضية. وقال أيضا قبل أسبوعين "إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسيكون هناك قصف".

وأطلقت إسرائيل تهديدات مماثلة. وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس بعد توليه منصبه في نوفمبر إن "إيران معرضة أكثر من أي وقت مضى لقصف منشآتها النووية. لدينا الفرصة لتحقيق هدفنا الأهم وهو إنهاء التهديد الوجودي لدولة إسرائيل ومحوه".

عملية كبرى محفوفة بالمخاطر

يتوزع برنامج إيران النووي على العديد من المواقع، ومن المرجح أن يستهدف أي هجوم معظمها أو جميعها. وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، لا تعرف أين تحتفظ إيران ببعض المعدات الحيوية مثل قطع غيار أجهزة الطرد المركزي التي تُخصب اليورانيوم.

ويقول خبراء عسكريون إن إسرائيل قادرة على تدمير معظم هذه المواقع بنفسها، لكنها ستكون عملية محفوفة بالمخاطر تشمل هجمات متكررة، وستضطر إلى التعامل مع أنظمة مضادة للطائرات مقدمة من روسيا. وسبق أن نجحت إسرائيل في القيام بذلك عندما نفذت ضربات محدودة على إيران العام الماضي.

ويُعد تخصيب اليورانيوم جوهر البرنامج النووي الإيراني، وأكبر موقعين للتخصيب لديها هما منشأة تخصيب الوقود في نطنز الواقعة على عمق ثلاثة طوابق تقريبا تحت الأرض، لحمايتها على ما يبدو من القصف، ومنشأة فوردو المقامة في عمق أحد الجبال.

ولدى الولايات المتحدة مستوى جاهزية أعلى بكثير لضرب هذه الأهداف الصعبة باستخدام أقوى قنبلة خارقة للتحصينات لديها، وهي القنبلة الضخمة التي تزن 30 ألف رطل (14 ألف كيلوغرام)، والتي لا تستطيع إطلاقها حاليا إلا قاذفات بي-2 مثل تلك التي تم نقلها في الآونة الأخيرة إلى دييغو غارسيا في المحيط الهندي والتي لا تمتلكها إسرائيل.

وقال الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الأميركي تشارلز والد، الذي يعمل حاليا في المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، "إسرائيل لا تملك ما يكفي من القنابل عيار 5000 رطل" لتدمير فوردو ونطنز. ويدعم هذا المعهد جهود تعزيز علاقات دفاعية وثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان الجنرال المتقاعد يشير إلى أكبر قنبلة خارقة للتحصينات في الترسانة الإسرائيلية. وقال إن مشاركة الولايات المتحدة ستجعل الهجوم أسرع وتزيد من احتمالات نجاحه لكنه توقع أن يستغرق الأمر أياما.

ماذا سيحدث في اليوم التالي؟

قال إريك بروير من مبادرة التهديد النووي، وهو محلل استخبارات أميركي سابق "ربما تسبب ضربة أميركية ضررا أكبر من ضربة إسرائيلية، ولكن في كلتا الحالتين، الأمر يتعلق بكسب الوقت، وهناك خطر حقيقي في أن تدفع (أي ضربة) إيران نحو القنبلة بدلا من إبعادها عنها".

وأضاف "يمكن للضربة أن تعرقل البرنامج وتؤخره، لكنها لا تستطيع تدميره".

ومن الممكن تدمير المواقع النووية، لكن خبرة إيران المتقدمة في تخصيب اليورانيوم لا يمكن تدميرها. وقال محللون ومسؤولون إن منعها من إعادة بناء المواقع سيكون مستمرا وصعبا للغاية.

وقالت كيلسي دافنبورت من رابطة الحد من انتشار الأسلحة "ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ سترد إيران على الهجمات على برنامجها النووي بتحصين منشآتها وتوسيع برنامجها".

وبعد إلغاء رقابة إضافية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أقرت بموجب اتفاق 2015، يرى كثير من المحللين خطرا يتمثل في أن إيران، في حال تعرضها لهجوم، ستطرد مفتشي الوكالة الذين يعملون بمثابة عيون للعالم في مواقع مثل نطنز وفوردو.

وقال علي شمخاني، المسؤول الأمني الإيراني البارز والمستشار الحالي للزعيم الأعلى علي خامنئي، على موقع التواصل أكس الأسبوع الماضي "استمرار التهديدات الخارجية ووجود إيران في حالة ترقب هجوم عسكري قد يؤدي إلى إجراءات رادعة، بما في ذلك طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف التعاون".

وتلك الخطوة لم تتخذها دولة غير كوريا الشمالية التي أجرت بعد ذلك تجربتها النووية الأولى.

وقال جيمس أكتون من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي "إذا قصفتم إيران فمن شبه المؤكد، في اعتقادي، أن إيران ستطرد المفتشين الدوليين وتندفع نحو إنتاج قنبلة".