محافظة خوزستان في إيران تشهد احتجاجات منذ أسبوع على شح المياه
محافظة خوزستان في إيران تشهد احتجاجات منذ أسبوع على شح المياه | Source: Social Media

على مدار الأسبوع الماضي، خرج المتظاهرون الإيرانيون إلى شوارع محافظة خوزستان في مشهد غضب متكرر بالمنطقة ذات الأغلبية العربية، لكن الأوضاع المعيشية كانت هي محرك الاحتجاجات الجديدة على غير العادة.

في المقابل، ردت السلطات الأمنية بحملة قمع بهدف إخماد هذه المظاهرات التي تأتي في وقت تشهد فيه البلاد مرحلة انتقالية استعدادا لتولي الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي، منصبه بصفة رسمية.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن خدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول في إيران تعطلت بعد أسبوع من احتجاجات نقص المياه، الخميس.

وبينما أسفرت الاضطرابات عن مقتل 3 أشخاص على الأقل، أعلنت الخارجية الأميركية دعم واشنطن لحق الإيرانيين في التجمع بشكل سلمي والتعبير عن رأيهم.

ووفقا للمتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، فإن "الإيرانيين كغيرهم من الناس يجب أن يتمتعوا بهذه الحقوق من دون خوف من العنف والاعتقال التعسفي من قبل قوات الأمن".

ووسط موجة خامسة من تفشي وباء فيروس كورونا وأزمة اقتصادية خانقة تمر فيها إيران، امتدت الاحتجاجات الشعبية الجديدة إلى مدن فارسية، بما في ذلك العاصمة طهران ومشهد، حيث أبدى المتظاهرون تضامنا مع خوزستان.

وبحسب مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، هتف المتظاهرون ضد خامنئي ورددوا "لا نريد جمهورية إسلامية" في خوزستان، بينما شهدت طهران هتافات مماثلة في محطة مترو الأنفاق.

سياق تاريخي

ويرى الأكاديمي الأهوازي المقيم في لندن، يوسف عزيزي، أن دوافع الغضب الشعبي الجديد في المنطقة هو "التمييز العنصري من خلال تعمير المدن الفارسية الصحراوية مثل أصفهان وكرمان على حساب تدمير إقليم خوزستان"، على حد قوله. 

وقال لموقع "الحرة" إن النظام بنى السدود في خوزستان لتحويل مجرى المياه إلى المدن الصحراوية الفارسية وسط البلاد، وهذا ما يجعل سكان المحافظة في حالة من الغضب.

وتمثل موجة الغضب الجديدة في خوزستان تحديا جديدا للنظام الإيراني الذي يملك ملفات مؤرقة، وسط مخاوف من أن تكون احتجاجات المياه شرارة لاشتعال مظاهرات أكبر في بقية مدن البلاد، وفقا لمدير مركز جدار للدراسات والباحث المختص بالشؤون الإيرانية، محمد عبادي.

وبالرغم من أن شرارة الغضب كانت بسبب شح المياه المخصصة للشرب والزراعة، فإن عبادي يرى أن لهذه الاحتجاجات إطار تاريخي.

يقول عبادي لموقع "الحرة" إنه "لا يمكن إخراج المظاهرات من سياقها التاريخي منذ احتلال الأهواز التي كانت تحت الحكم الذاتي ... حيث تعرض أهل المنطقة إلى مجازر كبرى على خلفية سرقة النظام لثروات المنطقة".

ويذهب عزيزي في الاتجاه ذاته بقوله لموقع "الحرة" إن "الناس غاضبة بسبب تجفيف الأنهار التي تسببت في شح المياه، إلا أن علم الأهواز الانفصالي رفع خلال الاحتجاجات من قبل بعض الفئات في مدينتي الخفاجية والفلاحية".

لطالما يشكو سكان محافظة خوزستان ذو الأصول العربية من التمييز العنصري والإهمال مع الأنظمة الإيرانية المختلفة منذ عهد الشاه رضا بهلوي الذي ضم المنطقة إلى الدولة الفارسية العام 1925 واستمر الوضع خلال النظام الإسلامي الحالي.

وفي 2005، هزت المحافظة صدامات دامية وتفجيرات عدة. وفي المظاهرات الحالية، طالب المحتجون باستقالة كبار المسؤولين، بمن فيهم المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وهو صاحب القول الفصل في البلاد.

وقال محمد (29 عاما)، وهو بائع متجول من أصل عربي بالأهواز، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، "ظللنا نصرخ: نريد الماء، ليس لدينا ماء. لكنهم ردوا علينا بالعنف والرصاص".

وأكد عزيزي أن هناك تعاطفا من قبل بعض الأقليات العرقية الأخرى مع احتجاجات خوزستان، بما في ذلك بعض الفرس الذين يتعاطفون مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها الشعب الأهوازي، على حد وصفه.

وأشار عزيزي إلى حادثة مترو الأنفاق في طهران التي احتج فيها إيرانيون فرس على النظام، والتي جاءت بعد أيام على حركة خوزستان.

حلول "ترقيعية"

ويواجه الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي، المعروف بموافقة المتشددة تجاه المعارضة السياسية، اختبارا حقيقيا في كيفية التعامل مع مظاهرات خوزستان، في ظل رغبة طهران بتخفيف الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأميركية من خلال العودة للاتفاق النووي.

لكن المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران الجارية في فيينا منذ أبريل الماضي لإعادة إحياء اتفاقية 2015، توقفت نهاية يونيو، فيما يتوقع أن تعقد جولة جديدة من المفاوضات في أغسطس المقبل بعد أداء رئيسي لليمين الدستورية.

في هذا الإطار، يرجح عبادي أن يتعامل النظام مع الاحتجاجات بهدوء ويلجأ للتهدئة في هذه المرحلة تحديدا.

وقال إن "الرئيس الجديد يملك ملفات كبرى وشائكة متمثلة في الاقتصاد الداخلي والعلاقات الخارجية والمفاوضات النووية التي تتطلب الهدوء تجنبا لإشعال فتيل الغضب في كافة أنحاء المدن" التي تعاني بالفعل وضعا معيشيا صعبا.

واعترفت السلطات الإيرانية بأزمة المياه في خوزستان. وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الخميس، أن إيران "فتحت فتح بوابات سد کرخه لحل أزمة المياه في خوزستان".

وبينما يعتقد عبادي أنه من الممكن أن تهدأ الأوضاع الحالية حتى يدفع النظام بالرئيس الجديد للاستقرار في منصبه، يصف عزيزي تلك الحلول بـ "الترقيعية".

وأوضح عزيزي أن النظام لجأ لبناء السدود في المنطقة لنقل المياه إلى المدن الفارسية في الصحراء، موضحا أن "هور الحويرة" الممتد مع العراق مزدهر في الجانب العراقي بعكس الجانب الإيراني الذي يعاني من الجفاف ودمار الحياة البيئية فيه.

ويتفق عبادي مع الرأي ذاته، بقوله إن "الدولة سرقت مياه الأنهار من المدن الأهوازية عبر بناء السدود وتحويل المياه للمدن والقرى الفارسية على حساب محافظة خوزستان".

وتعتبر المقاطعة الواقعة جنوب غرب إيران، منطقة غنية بالنفط والغاز والمياه، باعتبار أن أغلب حقول النفط الإيرانية تقع في خوزستان التي ينسب لها أكثر من ثلثي إنتاج البلاد النفطي عام 2016، بحسب التقديرات الرسمية.

وكانت أراضي مدن خوزستان مزدهرة زراعيا ذات يوم ومليئة بأشجار قصب السكر والقمح والشعير. لكن مع ندرة المياه، ذبلت المحاصيل الزراعية ونفقت الماشية من العطش.

يقول عزيزي إن خوزستان تعد "منطقة ثرية جدا يعيش فيها واحد من أفقر الشعوب في العالم".

تحرك رسمي

وفي وقت أرسلت الحكومة فيه وفدا إلى خوزستان للتحقيق في أزمة المياه، تعهد الرئيس الإيراني المنتهية ولايته حسن روحاني بالإغاثة والتعويضات لسكان المحافظة. كما أعرب الرئيسان السابقان، محمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، عن دعمهما للمتظاهرين وأدانا العنف ضدهم.

في المقابل، قال المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإيراني حسين أمير عبداللهيان، إن "أهالي محافظة خوزستان حصن إيران المنيع. هم يعرفون جيدا حقيقة دموع التماسيح المذروفة من قبل الزمر الإرهابية"، على حد قوله. 

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (إرنا) عن محافظ خوزستان، قاسم سليماني دشتكي، أن السلطات ستوفر مياه الشرب لأكثر من 700 قرية تابعة للمحافظة على وجه السرعة.

وأكد دشتكي أنه أعطى تعليمات للقوات الأمنية والعسكرية بعدم استخدام العنف أو إطلاق النار على المحتجين، مشيرا إلى وجود عناصر عنيفة ومسلحة ضمن المتظاهرين. 

كما أفادت وكالة فارس الإيرانية شبه الرسمية أن وزارة الدفاع وضعت تحت تصرف المحافظة 10 صهاريج مياه للمساعدة في إمداد المناطق التي تعاني من الأزمة.

إيران

لأكثر من عقدين، حوّل النظام الإيراني الفضاء السيبراني إلى ساحة معركة، لا لمواجهة هجمات إلكترونية قادمة من الخارج، بل لإحكام السيطرة على الشعب الإيراني. 

منذ تأسيسها مركز جرائم الإنترنت في عام 2000، أنشأت إيران أحد أكثر أنظمة الرقابة الرقمية تشددا في العالم. 

في إيران اليوم، لا يعني النشاط الإلكتروني احتمال التعرض لتوبيخ أو غرامة، بل قد يعني الاعتقال، والتعذيب، أو حتى الإعدام.

أمة تحت المجهر

كل مستخدم للإنترنت في إيران مشتبه فيه. إذ تحجب السلطات المنصات الناقدة للنظام، والمرتبطة بالمعارضة، وحتى تلك التي تروّج للثقافة الغربية، وما يعتبره سدنة النظام مخالفا للشريعة. 

لكن حجب المحتوى ليس سوى إجراء أولي في منظومة قمع معقدة تديرها أجهزة أمنية ضخمة تشمل شرطة الإنترنت (فتا)، وجهاز الاطلاعات "الشرطة السرية"، وهيئات مثل المجلس الأعلى للفضاء السيبراني.

هذه الأجهزة لا تكتفي بالمراقبة.

في العام الماضي، تصاعدت وتيرة الاعتقالات بحق ناشطين ومدونين وأصحاب أعمال صغيرة. وفي أبريل، شهدت الحملة تصعيدا غير مسبوق، إذ داهمت القوات الأمنية منازل، وصادرت هواتف وحواسيب، واعتقلت مواطنين بتهم فضفاضة، مثل "نشر القيم الغربية" أو "التجسس لصالح إسرائيل والولايات المتحدة" أو "محاربة الله".

أصوات من الظل

خلال العمل على هذا التقرير، تمكنت قناة "الحرة" من التواصل مع "مهرداد"، اسم مستعار لناشط حقوقي في طهران، وكان أحد الإيرانيين، الذي طالتهم حملات القمع الإلكترونية التي تشنها السلطات الإيرانية ضد الناشطين على الإنترنت.

احتُجز مهرداد على مدى أسبوع، تعرض خلاله إلى التعذيب الجسدي والنفسي. 

"عرضوا عليّ منشوراتي على مواقع التواصل"، قال. وهي منشورات تنتقد الاعتداءات على حقوق الإنسان وتدعم احتجاجات النساء ضد الحجاب الإجباري. 

"اتهموني بإرسال تقارير إلى منظمات دولية. كانوا يعرفون كل شيء".

حتى أفراد أسرته استُجوبوا. وتكررت المداهمات اليومية. أُطلق سراحه فقط بعد توقيعه على تعهّد خطي بعدم ممارسة أي نشاط حقوقي، تحت التهديد بالإعدام.

"أنا لستُ حرا،"يقول.

"أتوقع عودتهم لاعتقالي في أي لحظة".

القمع شامل

القمع الإلكتروني في إيران لا يستهدف المعارضين السياسيين فحسب. 

"آريا"، صاحبة حساب لبيع مستحضرات تجميل على السوشل ميديا. فرت من طهران إلى كردستان - العراق بعد أن أغلق النظام صفحتها التجارية على فيسبوك وإنستغرام بحجة "نشر منتجات تخدش الحياء". احتجزتها الاستطلاعات "المخابرات" لثلاثة أيام تعرضت خلالها للتعذيب، ثم أُطلقوا سراحها بعد دفعها 5 مليارات تومان غرامة.

حتى الفنانين لم يُستثنوا. في أبريل، استُدعي مغني الراب الإيراني عماد قوّدل وأُجبر على التعهد بعدم نشر أي محتوى معارض على وسائل التواصل. كتب على إنستغرام: "أبلغوني أنهم سيصادرون صفحتي إن خالفت التعهّد".

وتنفذ الشرطة السيبرانية بالتنسيق مع الاطلاعات الإيرانية غالبية عمليات واعتقال الناشطين. وبحسب شهادات معتقلين سابقين تحدث معهم موقع "الحرة"، يجري عناصر الاطلاعات تحقيقات مكثفة مع المعتقلين في بادئ الأمر، ثم يحولونهم إلى الشرطة السيبرانية التي تواصل التحقيق معهم، ومن ثم تطلق سراحهم أو تحولهم إلى المحاكم التي تفرض عليهم عقوبات قد تصل إلى الإعدام إذا كانت تهمهم التجسس أو الانتماء إلى تنظيم معارض.

مشروع الإنترنت الوطني

بالتوازي مع القمع، توسّع إيران مشروع "شبكة الإنترنت الوطنية"، شبكة مغلقة بالكامل تحت سيطرة الدولة، تقيد الوصول إلى المواقع العالمية وتُطبق سياسات النظام في الحجب والمراقبة.

يقول نشطاء سياسيون إن هذه الشبكة لا تهدف فقط للسيطرة على المحتوى، بل لعزل الشعب وتجريم التواصل.

وبحسب منظمة هانا، التي تعنى بحقوق الإنسان في كردستان إيران، راقبت شرطة الإنترنت أكثر من 9800 موقع خلال العام الماضي، واتهمت 1700 منها بـ"أنشطة إجرامية".

الاقتصاد الرقمي يختنق

لكن هذا العزل له ثمن. أصحاب المشاريع، والمستقلون، والشركات الرقمية تضرروا بشدة. العديد من المنصات أُغلقت، والعائدات انهارت. "بدلا من أن تكون الفضاءات الرقمية منصة للتنمية، يعتبرها النظام تهديدا للأمن القومي"، يقول حميد بهرامي، رئيس منظمة هانا.

المقاومة خلف الجدار

رغم الخطر، لا تزال المقاومة الرقمية في إيران مستمرة. يستخدم النشطاء برامج VPN وتطبيقات مشفرة لتوثيق الانتهاكات. لكنها ممارسة محفوفة بالمخاطر. فالقانون الإيراني يجرم استخدام هذه الأدوات، ويعاقب عليه بالسجن أو الغرامات أو حظر السفر.

ورغم هذا، فإن أصوات ناشطين مثل مهرداد وآريا لا تزال تُسمع من خلف الجدار، لتقول للعالم إن جيلا بأكمله لا يزال يتحدث، ولا يزال يُرعب النظام الحاكم بالإصرار على نقل الحقيقة.