بشار الأسد وخامنئي بلقطة أرشيفية
بشار الأسد وخامنئي بلقطة أرشيفية

تشير معظم المعطيات التي طرأت، خلال الأيام الماضية، والروايات الرسمية الخاصة بخط العلاقة المستجدة بين أنقرة ودمشق، إلى أن هذا المسار تُقطع محطاته المرسومة بآلية "ثلاثية" تتولاها موسكو، فيما لم يعرف بالتحديد الدور الخاص بطهران، وما إذا كان غيابها مما يحصل يشي بـ"استبعاد" أم بحضور، تبتعد تفاصيله عن الطاولة.

وطهران حليفة نظام الأسد، كما هو الحال بالنسبة لموسكو، وتنخرط في الملف السوري عسكريا على الأرض بميليشيات و"مستشارين"، وكذلك سياسيا من خلال حضورها في مسارات، على رأسها "محادثات أستانة"، ولطالما أبدت خلال الفترة الأخيرة لعبها دور "الوساطة" بين تركيا والنظام السوري، إلا أن ذلك لم يتحقق، لتتولى موسكو هذه المسألة، وتقطع فيه أشواطا.

وبعدما صرح الكثير من المسؤولين الأتراك عما حصل في موسكو قبل أيام باللقاء مع النظام السوري على مستوى وزراء الدفاع والاستخبارات، تتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى النصف الثاني من يناير الحالي، الذي سيشهد لقاء على مستوى وزراء الخارجية، حسب ما صرّح وزير خارجية تركيا، مولود جاويش أوغلو، السبت.

في غضون ذلك، وبينما لم يتردد ذكر إيران وسط زحمة التصريحات المتعلقة بـ"اللقاء الأول" منذ أكثر من عقد بين أنقرة ودمشق، أجاب الناطق باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، الاثنين، عن سؤال يتعلق باجتماع وزراء تركيا وسوريا وروسيا، ولماذا لم توجه الدعوة إلى بلاده للمشاركة في هذا الاجتماع؟

وقال كنعاني في إحاطة للصحفيين: "إيران دائما تعتقد أن الحل في سوريا حل سياسي، وإن روسيا وسوريا وتركيا على علم بدور إيران الحاسم في مكافحة الإرهاب في سوريا، ودعمها لشعب وحكومة هذا البلد"، وفق تعبيره.

وأضاف الناطق باسم الخارجية: "تدرك هذه الدول أهمية هذا الدور (لإيران) في استكمال العملية السورية"، دون أن يقدم أي تفاصيل عن الآلية الثلاثية التي بدأتها تركيا والنظام السوري، وقطعتا مرحلتين منها، بالاجتماع استخباراتيا، ومن ثم على مستوى وزارات الدفاع.

"تردد سابق"

وحتى الآن، لا توجد خطوط واضحة من شأن أنقرة ودمشق أن تمضي من خلالها، مثل خارطة طريق لإعادة العلاقات، المتوترة منذ سنوات طويلة، لكن ما رشح خلال الأيام الماضية أن هناك خطوطا عريضة وقواسم مشتركة تتعلق بـ"مكافحة الإرهاب" وملف اللاجئين المقيمين على الأراضي التركية.

في المقابل، لا تزال الكثير من النقاط العالقة بين الجانبين، ومنها مستقبل الوجود التركي في الأراضي السورية والفصائل السورية التي تدعمها أنقرة، المناهضة بدورها لنظام الأسد، فضلا عن قضايا أخرى ترتبط بملف "وحدات حماية الشعب"، الذي تصنفها كل من أنقرة ودمشق على أنها "تهديد مشترك".

وبينما تبرز روسيا كطرف وسيط يحاول لعب دور الوساطة وإحداث خرق في العلاقة المتناقضة منذ سنوات طويلة، لا يعرف بالتحديد الموقف الإيراني، وما إذا كانت متشجعة بالفعل لهكذا نوع من التقارب، أو تؤيد ما طرح بينهما، كمسار أولي للبدء بالعلاقة الأولية.

في أغسطس 2022، وبينما كان المسؤولون الأتراك يرددون بانتظام تصريحات تتعلق بنيتهم إحداث علاقة مستجدة مع النظام السوري، قال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان إن المرحلة المقبلة ستكون "بالتنسيق مع روسيا"، سواء من الناحية السياسية أو من زاوية "مكافحة الإرهاب"، وتهديدات "الميدان".

وفُهم من كلمات إردوغان، في ذلك الوقت، أن "تركيا تنسق العملية الجديدة الخاصة بسوريا عن كثب مع روسيا"، وأنه من المهم أن تدخل إيران في هذا الموضوع، لكن "إدارة طهران مترددة". وأضاف: "كنا نتمنى لو أن نقوم بتلك الأعمال هناك بشكل أكثر فاعلية مع إيران أيضا، لكن ذلك لم يحدث"، في إشارة منه إلى "عمليات مكافحة الإرهاب".

ما هو موقع طهران؟

وبينما يقول الباحث المختص بالشأن التركي، محمود علوش، إن "إيران بالفعل ليست طرفا مباشرا في مسار الحوار الثلاثي وأن هناك لجنة ثلاثية تم تشكيلها وهي من تقوم بإدارة الحوار في ظل غياب طهران"، إلا أنه يوضح أن "الغياب لا يعني أن إيران غير فاعلة أو أنها تعارض".

ويضيف الباحث لموقع "الحرة": "طهران لها مصالح ووجود وتأثير سياسي على دمشق. هذا التأثير لا يمكن تجاهله في مسار العلاقات المحتملة بين أنقرة ودمشق".

"الإيرانيون لا يعارضون من حيث المبدأ أي حوارات أو مفاوضات يمكن أن تؤدي إلى فتح صفحة جديدة بين أنقرة ودمشق، طالما أن الصفحة ستقوم على اعتراف تركيا بشرعية الأسد والتعامل معه. هذه مسألة هامة بالنسبة للإيرانيين".

ومع ذلك يرى الباحث علوش أنه، و"بقدر ما تراقب إيران مسار الحوار في المرحلة المقبلة، إلا أنها معنية بما سيفضي إليه الحوار"، مشيرا إلى أن "أي علاقة بين تركيا والنظام في الفترة المقبلة ستحدد مستقبل الدور التركي في سوريا، سواء على الوجود العسكري لأنقرة في سوريا"، وأن "هذا الأمر مهم لطهران".

بدوره يوضح محمود البازي، وهو باحث متخصص في الشؤون الإيرانية، أنه ورغم الحديث الحالي عن "وساطة روسية" في التقارب الحاصل، إلا أننا "نعتقد بأن مشروع التقارب جرى في المقام الأول، بوساطة إيرانية، من خلال منصة أستانة".

وللإشارة إلى مخرجات الوساطة الإيرانية بين تركيا وسوريا، يجب العودة للوراء إلى الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني، أمير عبد اللهيان إلى تركيا وسوريا في أوائل شهر يوليو 2022، إذ نُظر إليها كأرضية لبداية المصالحة بين دمشق وأنقرة.

ومن ثم جاءت قمة طهران في يوليو الماضي، التي حضرها كل من إردوغان ونظيريه الإيراني إبراهيم رئيسي والروسي فلاديمير بوتين. وكانت أهم مخرجاتها تأجيل العملية العسكرية التركية في سوريا، بطلب مباشر من طهران، خصوصا من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويعتقد الباحث البازي أن أزمة الاحتجاجات التي شهدتها طهران خلال الأشهر الماضية دفعتها إلى التوقف عن دفع عملية المصالحة إلى الأمام، وهذا ما دفع بالدور الروسي إلى الظهور إلى العلن.

"مهمشة وتستفيد"

في غضون ذلك، يعتقد حميد رضا عزيزي، وهو باحث إيراني في السياسة الخارجية الإيرانية والأمن في الشرق الأوسط، أن "الوساطة الروسية الناجحة بين دمشق وأنقرة وحقيقة أن إيران كانت غائبة عن تلك الترتيبات، تظهر أنه على الرغم من انشغالها بالحرب في أوكرانيا، إلا أن موسكو لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي أكبر على نظام الأسد، وقدرة دبلوماسية أكبر".

ومن المهم الإشارة إلى أنه على الأقل منذ مارس 2020، بعد العملية العسكرية التركية الأخيرة في سوريا، بدأ التنسيق الروسي التركي الثنائي، يحل محل الإطار الثلاثي الإيراني - الروسي - التركي الذي كان قائما في عملية أستانة.

ورغم ذلك لا يعني الأمر، بحسب ما يقول عزيزي لموقع "الحرة"، أن إيران "غير مرتاحة للتطبيع المحتمل بين دمشق وأنقرة".

على العكس، يرى الباحث أن "طهران ترحب بأي اقتراح أو مبادرة من شأنها منع عملية عسكرية تركية جديدة في سوريا. وهي نفسها عرضت في السابق الوساطة بين الحكومتين السورية والتركية، لكنها لم تكن ناجحة ولم تنجح".

ويقرأ عزيزي المشهد، بالقول: "من حيث الشكل والهيكل، فإن التفاعلات الأخيرة بين موسكو ودمشق وأنقرة تعني استبعاد إيران وتهميشها، ولكن من حيث المحتوى والنتيجة المحتملة، فهي تتماشى أيضا مع مصالح طهران".

"تقاطع أهداف"

وتعتبر إيران وتركيا وروسيا دولا ضامنة لمسار "أستانة السوري"، ومنذ عام 2017 تجمع أطرافا من المعارضة السورية والنظام باستمرار، من أجل بحث قضايا ميدانية وسياسية في آن واحد.

وكان لافتا خلال الأشهر الماضية تركيز هذا "الثلاثي" على أهداف متقاطعة تتعلق بالوجود الأميركي في شمال وشرق سوريا، وضرورة "إخراجه من المنطقة"، مع ضرب القوات الكردية التي تدعهمها الولايات المتحدة، والمتمثلة بـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

ورغم أن أنقرة وموسكو وطهران تشتركان في القاسم المشترك المذكور، إلا أنها نادرا ما نسقت سويا بخصوص مسارات أخرى، إذ تختلف طبيعة التواصل الروسي التركي على نحو أكبر من التواصل التركي الإيراني.

علاوة على ذلك، وفي حين لا تطالب روسيا صراحة بخروج "كل القوات الأجنبية من سوريا"، وتركّز دائما على الولايات المتحدة، تعمم إيران ذلك على كل القوات التي لم تدخل سوريا بدعوة من الحكومة.

وبالنظر إلى أن العلاقات التركية الروسية "قوية جدا" وتنامت بشكل كبير بعد حرب أوكرانيا، كان من الطبيعي أن تلعب موسكو دور الوساطة بين أنقرة ودمشق، حسبما يقول الباحث محمود علوش.

ويشير إلى أن "الإيرانيين سبق أن عرضوا القيام بهذا الدور خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني لأنقرة، لكن في نهاية المطاف لا يمكن لإيران القيام بهذا الدور، ومن الطبيعي أن تلعب روسيا دور الوساطة بين الجانبين"، وفق تعبيره.

من جانب آخر، يضيف الباحث أن "إيران ستضغط على النظام السوري في مسألة الوجود العسكري التركي ومطالبته بالانسحاب، مع تأكيد أنقرة أن هذه الخطوة مرهونة بتسوية سياسية للصراع وفق 2254".

ولذلك يعتقد أن "الإيرانيين سيحاولون الضغط بهذا الاتجاه. لكن إلى أي مدى سيمارسون هذا الضغط، خاصة أن موسكو لها مصلحة مما يحصل وبوتين غير معني بقضايا يمكن أن تعرقل المسار".

في المقابل تحدث الباحث في الشؤون الإيرانية، محمود البازي أن "طهران تبارك المصالحة، نظرا لأنها تخدم المصالح والأهداف الإقليمية لها بشكل عام". "هي تبارك أي خطوة في سبيل تحقيق استراتيجيتها، وهي إخراج القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط".

فيما يتعلق بسوريا، يقول البازي: "طهران ترى في هذه المصالحة خطوة أولى نحو إخراج القوات الأمريكية من الشمال السوري، بتنسيق الأطراف المنضوية تحت عباءة أستانة بالإضافة إلى سوريا".

كما ترى طهران، بحسب انعكاس النظرة الإيرانية أن "كل تواجد أجنبي على الأراضي السورية خارج دعوة الحكومة السورية تواجد غير شرعي، ولذلك فإن المصالحة التركية-السورية سوف تعيد المناطق السورية التي تقع تحت سيطرة تركيا إلى سوريا".

وما سبق "يمكن أن يمهّد الطريق إلى إعادة تدويل الرئيس السوري، الذي سيسيطر على أغلب الأراضي السورية، وبالطبع سينعكس على تعزيز الموقف الإيراني في سوريا من خلال تعزيز التواجد العسكري والمساهمة في عملية إعادة الإعمار والبحث عن فرص تجارية، لتعويض تكاليف التدخل العسكري هناك".

وبعد 11 عاما من الحرب في سوريا، لا تلوح في الأفق أي انفراجة على المستوى السياسي والميداني، لاسيما في ظل تعنت النظام السوري بعدم الانخراط بأي تسوية سياسية، وهو ما يحول دون رفع العقوبات المفروضة عليه وحالة العزلة التي فرضتها دول غربية والولايات المتحدة.

وتؤكد هذه الدول باستمرار على أن الحل في سوريا لا يمكن أن يخرج عن بنود القرار الأممي 2254، وذلك ما أشارت إليه أنقرة على لسان وزير دفاعها، خلوصي آكار، قبل أيام، وعقب ساعات من "اجتماع موسكو".

من جهته يشير الباحث البازي إلى أن طهران ترى في التقارب التركي السوري "فرصة للدول التي تخضع للعقوبات الأميركية بتشكيل هلال اقتصادي (وليس إيديلوجي) لعرقلة أو الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأمريكية". ويوضح: "هي تطمح بفتح ممر تجاري عبر تركيا إلى سوريا، كما تطمح كذلك إلى إعادة تفعيل خط السكك الحديدية الذي يربط كل من إيران وتركيا وسوريا".

حميد نوري/ إيران
نوري اعتقل في مطار ستوكهولم عام 2019 | Source: Social Media

قال أمين لجنة حقوق الإنسان الإيرانية كاظم غريب أبادي، السبت، عبر منصة إكس للتواصل الاجتماعي إن السويد أفرجت عن المسؤول الإيراني السابق المدان حميد نوري.

وأضاف أن نوري، الذي أدين لدوره في عملية إعدام جماعي لسجناء سياسيين في إيران عام 1988، سيعود إلى بلاده خلال ساعات قليلة.

ولم يكن لدى متحدث باسم وزارة الخارجية السويدية تعليق بعد على التقارير.

وعلى نحو منفصل، أعلن رئيس الوزراء السويدي أن المحتجزين لدى إيران يوهان فلودروس وسعيد عزيزي على متن طائرة عائدين إلى السويد.

وفي عام 2022، خلصت محكمة ستوكهولم الجزئية إلى أن نوري مذنب بارتكاب جرائم قتل وجرائم خطيرة ضد القانون الدولي. وأيدت محكمة استئناف سويدية في 2023 حكما بالسجن مدى الحياة على المسؤول الإيراني السابق.

واعتقل نوري الذي ينفى هذه الاتهامات في مطار ستوكهولم عام 2019، وتسببت قضيته في شقاق عميق بين السويد وإيران، التي قالت إن الحكم الأولي له دوافع سياسية.

وكان نوري في حينها الشخص الوحيد الذي يحاكم بسبب عملية تطهير جرت في سجن جوهردشت في كرج بإيران عام 1988 واستهدفت أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، الذين كانوا يقاتلون في أجزاء من إيران، بالإضافة إلى معارضين سياسيين آخرين.

وقالت منظمة العفو الدولية إن الذين أُعدموا بناء على أوامر حكومية بلغ عددهم نحو خمسة آلاف شخص، وأضافت في تقرير عام 2018 إن "الرقم الحقيقي قد يكون أعلى". ولم تعترف إيران قط بعمليات القتل.

ويجوز للمحاكم السويدية بموجب القانون المحلي محاكمة المواطنين السويديين وغيرهم من مواطني الدول الأخرى بتهمة ارتكاب جرائم في الخارج بالمخالفة للقانون الدولي.

بالمقابل، بدأت محكمة إيرانية العام الماضي مقاضاة موظف سويدي في الاتحاد الأوروبي اعتقل عام 2022 أثناء عطلة كان يقضيها في البلاد.

وواجه يوهان فلوديروس الاتهام بالتجسس لصالح إسرائيل و"الإفساد في الأرض"، وهي جريمة يعاقب عليها بالإعدام.

وطلبت السويد إطلاق سراحه على الفور، ووصفت احتجازه بأنه تعسفي.

واتهمت جماعات حقوقية وحكومات غربية الجمهورية الإسلامية بمحاولة انتزاع تنازلات سياسية من دول أخرى من خلال اعتقالات بناء على اتهامات أمنية ربما كانت ملفقة.

وتقول طهران إن مثل هذه الاعتقالات تستند إلى قانونها الجنائي وتنفي احتجاز أشخاص لأسباب سياسية.