آخر رحلة جوية من طهران إلى دمشق وصلت الثلاثاء ـ صورة تعبيرية.
آخر رحلة جوية من طهران إلى دمشق وصلت الثلاثاء ـ صورة تعبيرية.

أوقفت إيران رحلات "الحج" من أراضيها إلى سوريا حتى إشعار آخر، بسبب "الأوضاع في غزة وتصاعد الصراعات الناجمة عن الحرب الأخيرة".

وقال  حميد رضا محمدي، نائب مدير شؤون الشرف في "منظمة الحج والعمرة" حسبما نقلت وكالات إيرانية، إن إيقاف الرحلات يرتبط أيضا بـ"الالتزام بالقضايا الأمنية".

وأشار إلى آن آخر رحلة جوية من طهران إلى دمشق وصلت الثلاثاء الماضي، وكان على متنها 85 "حاجا إيرانيا على شكل قافلتين".

وتأتي هذه الخطوة من جانب طهران، بينما تستمر الحرب في قطاع غزة، وفي أعقاب تعرض مطاري دمشق وحلب الدوليين لقصف نسب لإسرائيل، ما أسفر عن خروجهما عن الخدمة، خلال الأيام الماضية.

وبسبب تعطّل المطارين أعلنت وزارة النقل السورية أنها حولّت جميع الرحلات الجوية إلى مطار اللاذقية الدولي، كما عملت على تسيير باصات من العاصمة دمشق إلى الأخير وبالعكس، لنقل المسافرين.

وكانت "رحلات الحج" من إيران إلى سوريا قد استؤنفت بشكل مؤقت ومحدود اعتبارا من العام الماضي، بعدما توقف خلال جائحة كورونا.

في ذلك الوقت كانت قوافل الزوار الإيرانيين تُرسل فقط من مدينة مشهد، وكل أسبوع برحلة واحدة إلى دمشق.

لكن منذ بداية العام الحالي، توقفت هذه الرحلات بسبب عدم وجود رحلات كاملة، كما أوضح محمدي.

وأشار إلى أنه وبعد رحلة الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، الأخيرة إلى دمشق، في مايو الماضي، تقرر استئناف هذه الرحلات فور حل مشكلة الطيران.

وفي كل عام تستقطب الأراضي السورية وخاصة العاصمة السورية دمشق الزائرين من دول إيران والعراق ولبنان، بهدف زيارة الأماكن والمراقد الشيعية في البلاد، تحت ما يسمى "السياحة الدينية".

ويشكل مقام "السيدة زينب" الديني في دمشق وجهة أساسية للزوار الإيرانيين.

وكان رئيسي أجرى زيارة إلى دمشق، مايو الماضي، وهي الأولى لرئيس إيراني منذ 13 عاما.

ووقع مع النظام السوري، اتفاقيات اقتصادية عدة، كان من بينها مذكرة تفاهم بين وزارة السياحة في حكومة النظام وبين منظمة "الحج والزيارة الإيرانية".

وسبق وأن قالت مديرة التسويق والإعلام السياحي في وزارة السياحة السورية، ربى صاصيلا، إن من المتوقع أن يصل أعداد السياح خلال العام الحالي إلى نحو مليون سائح".

وأشارت إلى زيادة أعداد السياح، خلال الأشهر الثلاثة من هذا العام، بنسبة 30 بالمئة على السنوات الماضية.

وأضافت صاصيلا أن عدد السياح القادمين إلى مناطق سيطرة النظام السوري، خلال الربع الأول من العام الحالي، وصل إلى 385 ألف سائح، وأن عدد السياح من دول العراق وإيران والأردن والبحرين سجل خلال الفترة نفسها حضورا كبيرا، بهدف السياحة الدينية والطبية.

FILE PHOTO: Military personnel stand guard at Iran's Isfahan nuclear facility
جنود إيرانيون يحرسون محطة أسفهان النووية.

نشرت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة قاذفات من طراز بي-2 على مقربة من إيران، في إشارة قوية للجمهورية الإسلامية بما قد يحدث لبرنامجها النووي إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يحد من نشاطه.

وقاذفات بي-2 هي الطائرات الوحيدة القادرة على إسقاط أقوى القنابل الخارقة للتحصينات.

لكن خبراء عسكريين ونوويين يقولون إنه حتى مع وجود مثل هذه القوة النارية الهائلة، فإن أي عمل عسكري أميركي -إسرائيلي لن يؤدي على الأرجح إلا لتعطيل مؤقت لبرنامج يخشى الغرب أن يكون هدفه بالفعل إنتاج قنابل نووية ذات يوم، وهو ما تنفيه إيران.

والأسوأ من ذلك، أن يدفع أي هجوم إيران إلى طرد مفتشي الأمم المتحدة النوويين، والتحرك لجعل البرنامج المدفون جزئيا تحت الأرض مدفونا بالكامل، والإسراع نحو التحول إلى دولة مسلحة نوويا، مما يضمن ويُعجل في الوقت نفسه بتلك النتيجة المخيفة.

وقال جاستن برونك، وهو باحث بارز في مجال القوة الجوية والتكنولوجيا في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز بحثي دفاعي بريطاني "في نهاية المطاف، وباستثناء تغيير النظام أو الاحتلال، من الصعب جدا تصور كيف يمكن لضربات عسكرية أن تدمر مسار إيران نحو امتلاك سلاح نووي".

وأضاف برونك "سيكون الأمر في جوهره محاولة لإعادة فرض قدر من الردع العسكري، وإلحاق خسائر والعودة بزمن الاختراق إلى ما كنا عليه قبل بضع سنوات".

ويشير زمن الاختراق إلى المدة التي قد يستغرقها إنتاج مواد انشطارية بكميات كافية لإنتاج قنبلة نووية، ويتراوح هذا الزمن حاليا بين أيام أو أسابيع بالنسبة لإيران. لكن إنتاج قنبلة بالفعل، إذا قررت إيران ذلك، سيستغرق وقتا أطول.

وفرض الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015 بين إيران والقوى الكبرى قيودا صارمة على أنشطة إيران النووية مما أطال زمن الاختراق إلى عام على الأقل. لكن الاتفاق انهار بعد انسحاب الولايات المتحدة منه في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب عام 2018، وهو ما جعل إيران تتخلى كثيرا عن قيوده.

والآن يريد ترامب التفاوض على قيود نووية جديدة في محادثات بدأت في الأيام القليلة الماضية. وقال أيضا قبل أسبوعين "إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسيكون هناك قصف".

وأطلقت إسرائيل تهديدات مماثلة. وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس بعد توليه منصبه في نوفمبر إن "إيران معرضة أكثر من أي وقت مضى لقصف منشآتها النووية. لدينا الفرصة لتحقيق هدفنا الأهم وهو إنهاء التهديد الوجودي لدولة إسرائيل ومحوه".

عملية كبرى محفوفة بالمخاطر

يتوزع برنامج إيران النووي على العديد من المواقع، ومن المرجح أن يستهدف أي هجوم معظمها أو جميعها. وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، لا تعرف أين تحتفظ إيران ببعض المعدات الحيوية مثل قطع غيار أجهزة الطرد المركزي التي تُخصب اليورانيوم.

ويقول خبراء عسكريون إن إسرائيل قادرة على تدمير معظم هذه المواقع بنفسها، لكنها ستكون عملية محفوفة بالمخاطر تشمل هجمات متكررة، وستضطر إلى التعامل مع أنظمة مضادة للطائرات مقدمة من روسيا. وسبق أن نجحت إسرائيل في القيام بذلك عندما نفذت ضربات محدودة على إيران العام الماضي.

ويُعد تخصيب اليورانيوم جوهر البرنامج النووي الإيراني، وأكبر موقعين للتخصيب لديها هما منشأة تخصيب الوقود في نطنز الواقعة على عمق ثلاثة طوابق تقريبا تحت الأرض، لحمايتها على ما يبدو من القصف، ومنشأة فوردو المقامة في عمق أحد الجبال.

ولدى الولايات المتحدة مستوى جاهزية أعلى بكثير لضرب هذه الأهداف الصعبة باستخدام أقوى قنبلة خارقة للتحصينات لديها، وهي القنبلة الضخمة التي تزن 30 ألف رطل (14 ألف كيلوغرام)، والتي لا تستطيع إطلاقها حاليا إلا قاذفات بي-2 مثل تلك التي تم نقلها في الآونة الأخيرة إلى دييغو غارسيا في المحيط الهندي والتي لا تمتلكها إسرائيل.

وقال الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الأميركي تشارلز والد، الذي يعمل حاليا في المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، "إسرائيل لا تملك ما يكفي من القنابل عيار 5000 رطل" لتدمير فوردو ونطنز. ويدعم هذا المعهد جهود تعزيز علاقات دفاعية وثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان الجنرال المتقاعد يشير إلى أكبر قنبلة خارقة للتحصينات في الترسانة الإسرائيلية. وقال إن مشاركة الولايات المتحدة ستجعل الهجوم أسرع وتزيد من احتمالات نجاحه لكنه توقع أن يستغرق الأمر أياما.

ماذا سيحدث في اليوم التالي؟

قال إريك بروير من مبادرة التهديد النووي، وهو محلل استخبارات أميركي سابق "ربما تسبب ضربة أميركية ضررا أكبر من ضربة إسرائيلية، ولكن في كلتا الحالتين، الأمر يتعلق بكسب الوقت، وهناك خطر حقيقي في أن تدفع (أي ضربة) إيران نحو القنبلة بدلا من إبعادها عنها".

وأضاف "يمكن للضربة أن تعرقل البرنامج وتؤخره، لكنها لا تستطيع تدميره".

ومن الممكن تدمير المواقع النووية، لكن خبرة إيران المتقدمة في تخصيب اليورانيوم لا يمكن تدميرها. وقال محللون ومسؤولون إن منعها من إعادة بناء المواقع سيكون مستمرا وصعبا للغاية.

وقالت كيلسي دافنبورت من رابطة الحد من انتشار الأسلحة "ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ سترد إيران على الهجمات على برنامجها النووي بتحصين منشآتها وتوسيع برنامجها".

وبعد إلغاء رقابة إضافية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أقرت بموجب اتفاق 2015، يرى كثير من المحللين خطرا يتمثل في أن إيران، في حال تعرضها لهجوم، ستطرد مفتشي الوكالة الذين يعملون بمثابة عيون للعالم في مواقع مثل نطنز وفوردو.

وقال علي شمخاني، المسؤول الأمني الإيراني البارز والمستشار الحالي للزعيم الأعلى علي خامنئي، على موقع التواصل أكس الأسبوع الماضي "استمرار التهديدات الخارجية ووجود إيران في حالة ترقب هجوم عسكري قد يؤدي إلى إجراءات رادعة، بما في ذلك طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف التعاون".

وتلك الخطوة لم تتخذها دولة غير كوريا الشمالية التي أجرت بعد ذلك تجربتها النووية الأولى.

وقال جيمس أكتون من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي "إذا قصفتم إيران فمن شبه المؤكد، في اعتقادي، أن إيران ستطرد المفتشين الدوليين وتندفع نحو إنتاج قنبلة".