التوترات بدأت تظهر في العلاقات الباكستانية الإيرانية بعد عام 1974
التوترات بدأت تظهر في العلاقات الباكستانية الإيرانية بعد عام 1974

لا يعتبر التصعيد الحالي بين إيران وباكستان جديدا على مشهد العلاقة بين البلدين، حيث سبق وأن اشتعلت توترات بينهما، دون أن تصل إلى حد المواجهة المباشرة أو حتى الوصول إلى نقطة "اللاعودة".

وبالعودة إلى شهر أكتوبر من عام 2014 تكاد تكون الظروف التي سادت في تلك الفترة شبيهة بما هي عليه الآن، مع وجود اختلافات تتعلق بدرجة التصعيد والسياق الإقليمي والعالمي الذي يتزامن معه.

وبعدما عَبر 30 من أفراد القوات الإيرانية الحدود لمطاردة مسلحين مناهضين لطهران قبل 9 سنوات أسفرت عمليتهم عن مقتل جندي من قوات الحدود الباكستانية، ما دفع إسلام أباد لتنفيذ قصف بقذائف الهاون، اعتبر آنذاك تطورا لافتا.

لم تنقطع التوترات على طول الحدود بعد الحادثة المذكورة وخلال السنوات الماضية، وظلّت هذه المعضلة دون حلول.

وبينما استمرت إيران بالإعلان عن مقتل عناصر من قواتها ومن "الحرس الثوري" على يد "جيش العدل" المصنف إرهابيا في واشنطن وطهران، كانت باكستان تؤكد باستمرار تعرضها لهجمات "إرهابية" من الانفصاليين البلوش.

وجاء القصف الإيراني والرد الانتقامي الباكستاني قبل يومين وتداعياته المستمرة حتى الآن كأحدث فصول التوتر، والذي دائما ما تشعله الجماعات المصنفة "إرهابيا" والنشطة على طول الحدود.

ما هو تاريخ العلاقة بين البلدين الجارين؟ وما المحطات التاريخية التي شهدت صعودا وهبوطا؟

"فترة الشاه وما بعده"

تشير معظم المصادر التاريخية والكتب التي تركز على محطات وتاريخ العلاقة بين باكستان وإيران إلى أن العلاقات الثنائية بين البلدين مرت بمرحلتين رئيسيتين: فترة الشاه وفترة ما بعد الشاه

في فترة الشاه كانت إيران أول دولة تعترف باستقلال باكستان عن الهند عام 1947، واستضافت أول سفارة باكستانية، كما أن البلدان تعاونا فترة طويلة خلال الحرب الباردة.

ويوضح محمد أمير رنا مدير معهد باك لدراسات السلام (PIPS) في إسلام آباد أن شاه إيران (محمد رضا شاه بهلوي) كان أيضا أول رئيس دولة أجنبية يزور باكستان في عام 1950، بعدما زاره رئيس الوزراء آنذاك لياقت علي خان في 1948.

ويشير في ورقة بحثية نشرتها صحيفة "داون" الباكستانية إلى أن العلاقات الدافئة بين البلدين بدأت عندما وقعا "معاهدة الصداقة" في طهران بعد شهرين من زيارة الشاه. 

لم تقتصر حدود الدفء في العلاقة بين باكستان وإيران في تلك الحقبة على ما سبق بل تعدت لتصل إلى حد الدعم الكبير الذي قدمته طهران لإسلام آباد في 1965، عندما خاضت حربا مع الهند واستمرت لنحو شهر. 

ودعمتها أيضا في حربها الثالثة مع الهند في عام 1971، والتي استمرت أسبوعين، وانتهت بإعلان قيام جمهورية بنغلاديش الشعبية بعد انفصالها عن باكستان.

لكن بعد 3 سنوات وفي عام 1974 بدأت التوترات تظهر في العلاقات الباكستانية الإيرانية.

ودخلت بمحطة جديدة بعدما تمت الإطاحة بشاه إيران خلال ثورة دينية قادها آية الله روح الله الخميني في إيران، في 1979، وحول من خلالها البلاد إلى جمهورية إسلامية شيعية مركزية.

ورغم أن باكستان كانت من أوائل الدول في العالم التي اعترفت بـ"النظام الثوري" في إيران ودعمته عسكريا أيضا خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) بدأت الأحداث اللاحقة بتدهور العلاقات بين الحلفاء السابقين، وفق ما يورد موقع "ديلي تايمز"، نقلا عن قائد سابق لمجموعة القوات الجوية الباكستانية.

الموقع يوضح أن باكستان لم تقف في صف إيران ولم تدن "حادثة مكة عام 1987".

كما أن الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 كشف عن تباين بين البلدين.

وبينما كان الدعم السري الذي تقدمه باكستان لجماعات البشتون السنية واضح إلى حد كبير، دعمت إيران بشكل رئيسي الفصيل الطاجيكي الشيعي، وفق "ديلي تايمز".

وبحسب بحث صادر عن مجلس العلاقات الخارجية، كانت باكستان أول دولة تعترف بحكومة طالبان الأفغانية، بينما أعلنت إيران دعمها لتحالف الشمال في أفغانستان (الذي يتكون معظمه من سكان الهزارة الشيعة).

وفي وقت لاحق من عام 1998، قُتل دبلوماسيون إيرانيون في مقاطعة مزار الشريف الأفغانية، عندما استولت حركة طالبان الأفغانية على مزار الشريف بعد كابول.

لكن ورغم هذه الحادثة فإن العلاقات بين باكستان وإيران لم تصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، وكان السبب الرئيسي وراء ذلك بـ"جهود وزارتي خارجية البلدين"، حسب ورقة بحثية لمعهد الدراسات الاستراتيجية.

"توتر منضبط"

يرى الكثير من الخبراء أن العلاقة بين باكستان وإيران مرت بمسار صعودي وهبوطي، وبينما لم تنقطع التوترات، إلا أنها كانت منضبطة.

ومع ذلك كانت دائرتها تتوسع بهدوء شيئا فشيئا، لاعتبارات تعلقت بمسار العلاقة القائمة بين الهند وإيران من جهة وبين باكستان والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، فضلا عن علاقة إسلام آباد مع المملكة العربية السعودية.

في عام 2018، وقعت إيران اتفاقا مع الهند، لتسليمها إدارة ميناء شاباهار، الأمر الذي أثار حفيظة باكستان. 

ورأت باكستان في تلك الخطوة محاولة من جانب إيران والهند، للتقليل من أهمية مشروع ميناء غوادار الباكستاني، الذي سلمت إسلام أباد إدارته للصين، ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني الضخم.  

وعلى الرغم من الشراكة مع الهند بشأن مشروع شاباهار، حرصت إيران على أن تظهر لباكستان أن مثل هذه الروابط لا تهدف إلى الانحياز إلى جانب منافستها، حسب تقرير سابق لصحيفة "نيويورك تايمز".

وبناء على ذلك، عرضت طهران تعزيز الروابط العسكرية الثنائية مع إسلام آباد في محاولة واضحة لإرساء الأساس للتحالف الإيراني- الباكستاني- الصيني المستقبلي.

وفي 2019 وضمن لهجة حادة حذّر اللواء قاسم سليماني القائد السبق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، والذي قتل بضربة أميركية في بغداد، باكستان من الدخول بمواجهة مع إيران بسبب "الأموال السعودية" حسب تعبيره.

وجاء ذلك وسط تصاعد حدة التصريحات الإيرانية تجاه السعودية، في ذلك الوقت بعد التفجير الذي استهدف حافلة لعناصر الحرس الثوري في 13 فبراير العام المذكور، وأسفر عن سقوط 27 قتيلا.

واتهمت إيران حينها إرهابيين قادمين من باكستان بتنفيذ الهجوم.

كما اتهمت السلطات الإيرانية السعودية بتمويل هؤلاء "الإرهابيين"، وأشار سليماني في ذلك الوقت إلى "الوهابية"، مدعيا أن "الأموال السعودية تؤثر في الداخل الباكستاني".

"معضلة الحدود"

وتتقاسم إيران وباكستان حدودا يبلغ طولها حوالى ألف كيلومتر (620 ميلا) تشهد عمليات تهريب كثيرة وخصوصا للوقود، بسبب طبيعة الحدود التي يسهل اختراقها. 

ولطالما تصاعدت التوترات على جانبي الحدود، لكنّها نادرا ما تشتعل على غرار ما يحصل راهنا، إذ تضرب كل من إيران وباكستان ما تسميه أهدافا "إرهابية" داخل محافظة سيستان بلوشستان وإقليم بلوشستان.

ومنذ عام 2021 كانت العلاقة بين البلدين تسير باتجاه التطور، على صعيد الاتفاقيات التي لم يتوقف توقيعها والنبرة الاستشرافية للأفضل.

وفي غضون ذلك دائما ما كان الساسة يشيرون إلى ضرورة تعزيز التعاون في مجال الحدود، والتجارة والتبادل السلعي، والخوض أكثر في مجال السياحة الدينية، وهو ما أشار إليه في وقت سابق الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي.

وسواء في عهد الشاه أو الجمهورية الإسلامية، شاركت طهران وإسلام أباد في آليات اقتصادية مختلفة، ووقعتا الكثير من الاتفاقيات، لكن جزء منها لم ينجز بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

ومن الناحية الاقتصادية أيضا يتاجر البلدان مع بعضهما البعض عبر ثلاثة معابر حدودية. ووقع البنكان المركزيان في البلدين اتفاقية للخدمات المصرفية والدفع في عام 2017، لتوسيع التعاون المالي وتخفيف متطلبات الائتمان.

"البلدان المتجاورة مترابطة للغاية بفضل احتياجاتها الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية المتبادلة"، وفق ما يقول الدكتور في العلاقات الدولية، محمد سلامي.

ويرى في مقال تحليلي له أنه ورغم الصعود والهبوط في تاريخ العلاقات بين إيران وباكستان، لكنهما تمكنا من إدارتها باستمرار، و"أعادا العلاقات مرارا وتكرارا من حافة الهاوية بسبب ترابطهما المتبادل الذي لا ينفصم".

مسعود بزشكيان
وردت تصريحات مسعود بزشكيان عبر مقال نُشر بصحيفة محلية

أبدى الرئيس الإيراني الجديد، مسعود بزشكيان، استعداده للدخول في "حوار بناء" مع الدول الأوروبية، في رسالة نُشرت في صحيفة محلية، السبت.

وكتب بزشكيان في صحيفة "طهران تايمز": "أتطلع للدخول في حوار بناء مع الدول الأوروبية، لوضع علاقاتنا على المسار الصحيح"، مضيفا أن طهران ستوسع علاقاتها مع جيرانها وتتعامل مع أوروبا.

وفي نفس المقال، قال بزشكيان إن الولايات المتحدة "يجب أن تدرك أن إيران لن ترضخ للضغوط"، مؤكدا في الوقت نفسه على أن بلاده "لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية".

وقال بزشكيان في المقال الذي حمل عنوان "رسالتي إلى العالم الجديد"، إن "الولايات المتحدة.. عليها أن تدرك الواقع وتفهمه مرة واحدة وإلى الأبد، وهو أن إيران لا تستجيب للضغوط ولن تستجيب لها، وأن عقيدة الدفاع الإيرانية لا تتضمن أسلحة نووية".

وتعهد بزشكيان، جراح القلب البالغ من العمر 69 عاما، بتعزيز سياسة خارجية عملية، وتخفيف حدة التوتر بشأن المفاوضات المتوقفة الآن مع القوى الكبرى لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وتحسين آفاق التحرير الاجتماعي والتعددية السياسية، وفق رويترز.

لكن الكثير من الإيرانيين يشككون في قدرته على الوفاء بوعود حملته الانتخابية، نظرا لأن المرشد الأعلى، علي خامنئي، وليس الرئيس، هو من يملك السلطة العليا في طهران.

وسيؤدي بزشكيان اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى، في مطلع أغسطس ليصبح الرئيس التاسع لإيران، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية، الأحد.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" عن عضو الهيئة الرئاسية بالبرلمان، مجتبى يوسفي، قوله إن "مراسم تنصيب الرئيس ستقام في الرابع أو الخامس من أغسطس"، على أن "يعين خلال 15 يوما الوزراء للتصويت على الثقة".

ونُظمت هذه الانتخابات على عجَل لاختيار خلف لإبراهيم رئيسي، الذي قُتل في حادث مروحيّة في 19 مايو الماضي، ووسط حالة استياء شعبي ناجم خصوصا من تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب العقوبات الدولية المفروضة على البلاد.

ومن المقرر أن يتم حفل التنصيب بعد نيل بزشكيان موافقة خامنئي رسميا.