حملة قمع متزايدة لإلزام النساء في إيران بارتداء الحجاب (أرشيف)
حملة قمع متزايدة لإلزام النساء في إيران بارتداء الحجاب (أرشيف)

تتعرض حرية المرأة في إيران "للتهديد بشكل متزايد" بعد أن بدأت "ردة فعل عنيفة معادية للنساء"، في أعقاب قمع السلطات للاحتجاجات الشعبية، حسبما ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية في تقرير جديد لها.

ووفقا للعديد من النساء اللواتي قابلهن "مشروع فولر"، وهو موقع إخباري أميركي يركز على حقوق المرأة، فإن النساء الإيرانيات الآن "لا يستطعن القيادة، أو القيام بعملهن، أو حتى تناول القهوة، دون القلق بشأن مصادرة سياراتهن أو طردهن من العمل أو التعرض للغرامات إذا لم يقمن بارتداء الحجاب أو حتى بمجرد عدم ارتدائه بطريقة غير صحيحة".

وفرضت إيران قواعد لباس صارمة على النساء منذ الثورة التي أوصلت النظام الإسلامي الحاكم إلى السلطة قبل 45 عاما، وأجبرتهن على تغطية شعرهن وارتداء ملابس فضفاضة.

وكثفت السلطات تطبيق القواعد منذ وفاة الشابة مهسا أميني، بعد احتجازها لدى شرطة الأخلاق في سبتمبر 2022، مما أدى إلى احتجاجات كبيرة في جميع أنحاء البلاد، انتهكت خلالها النساء القانون علنا. 

وفي مناسبة عامة في أغسطس الماضي، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي: "أقول لكم إن خلع الحجاب سينتهي بالتأكيد".

وفي سبتمبر، وافق البرلمان الإيراني على مشروع قانون لتشديد العقوبات على النساء اللواتي ينتهكن قواعد اللباس الإلزامي. ولا يزال القانون ينتظر الموافقة المتوقعة من مجلس صيانة الدستور – الهيئة الرقابية المتشددة في إيران – قبل أن يصبح ملزما.

وقالت الباحثة في مجال حقوق المرأة بمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، روثنا بغوم، إن "هذه الحملة على قواعد لباس المرأة ستزيد من تدهور حقوق المرأة في العمل والدراسة والقيادة، والمشاركة الكاملة في الحياة العامة".

وتُصنف إيران بانتظام كواحدة من أسوأ الدول بالنسبة للمرأة من حيث المساواة بين الجنسين في الفرص الاقتصادية والتعليم والمخاوف الصحية والقيادة السياسية، وفقا لبحث أجراه البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF). 

"تحديات منذ الولادة"

بينما تستعد شادي لأن تصبح أما للمرة الأولى، تشعر الإيرانية البالغة من العمر 30 عاما، بالقلق الشديد بشأن مستقبل ابنتها التي لم تولد بعد، لدرجة أنها تفكر في مغادرة وطنها.

وقالت شادي، وهي ربة منزل في طهران، لم تذكر اسمها الكامل خوفا من الاضطهاد: "إن التحديات وعدم المساواة التي نواجهها كنساء تبدأ منذ الولادة". 

وأضافت أن "الحجاب يُفرض على الفتيات منذ الصغر، مما يقيد حريتهن في المجتمع ويؤثر على كيفية نموهن وكذلك فرصهن في الحياة".

وقالت الباحثة في الشؤون الإيرانية بمنظمة العفو الدولية، منصورة ميلز: "لقد ضاعفت السلطات الإيرانية أساليبها القمعية في ضبط الأمن، وتعاقب النساء والفتيات لقمع التحدي واسع النطاق لقوانين الحجاب الإلزامي".

وتعرضت النساء المدانات بانتهاك قوانين الحجاب إلى "عقوبات مهينة"، بما في ذلك إجبارهن على غسل الجثث لدفنها على الطريقة الإسلامية، وتنظيف المباني الحكومية، وفقا لتقرير نشره المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران، جاويد رحمن، خلال أغسطس 2023.

ومع ذلك، أشار تقرير مجلة "فورين بوليسي" إلى أن "النساء لسن فقط هن المتضررات من قواعد اللباس، بل شمل ذلك الرجال في بعض الأوقات". 

وقال علي، وهو رجل يبلغ من العمر 40 عاما ويمتلك مقهى في شارع كيشافارز بطهران، إن السلطات أغلقت متجره مرتين لأن زبوناته "لا يرتدين الحجاب بشكل صحيح". 

وأغلقت السلطات مؤقتا آلاف الشركات، من المتاجر إلى المكاتب، منذ وفاة أميني؛ لأن موظفات أو زبونات شوهدن دون حجاب، وفقا لتقارير إعلامية مختلفة.

وبموجب مشروع القانون الجديد، يمكن فرض غرامات على الشركات التي تنتهك القانون، بمبالغ تصل إلى 3 أشهر من إجمالي دخلها.

لكن علي – الذي طلب حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية – قال إنه يدعم الحركة الاحتجاجية، وإنه "لن يطلب من النساء اللاتي يزرن المقهى الخاص به تغطية شعرهن". 

وأضاف علي: "لن أفعل ذلك مهما كانت الخسائر"، متوقعا المزيد من المداهمات للمقهى الذي يملكه، والمزيد من عمليات الإغلاق بسبب مخالفات قواعد اللباس. 

وتابع: "إنه ثمن عادي يجب دفعه مقابل حدوث تغيير في البلاد".

إيران

لم يُسمح لأم بيجمان فاتحي برؤية ابنها قبل إعدامه، العام الماضي، إلا لعشر دقائق، يروي شقيقها عباس مولود لموقع "الحرة".

"لم نتسلم جثته حتى الآن"، يقول.

قصة فاتحي ليست فردية. 

منذ تأسيس نظام "ولاية الفقيه" عام 1979، امتنعت السلطات الإيرانية عن تسليم جثث النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين أعدمتهم أو ماتوا تحت التعذيب، ولا توفر لأسرهم معلومات عن أماكن دفنهم.

ولم تحظ الأسر بلحظة وداع، ولا تزال، منذ سنين، تبحث عن إجابة.

يحظر القانون الإيراني الدفن في المقابر الرسمية دون تصريح خطي من "الجهات المختصة". ويواجه من يقوم بدفن ذويه بشكل غير قانوني تهما قد تؤدي إلى السجن أو الغرامة أو كليهما، خاصة إذا كان المتوفى قد أعدم نتيجة تهمة سياسية أو أمنية.

منذ سنين طويلة، تحاول عائلات السجناء السياسيين استعادة جثامين أحبائها المعدومين، من دون طائل.

في يناير 2024، أعدمت السلطات الإيرانية بيجمان فاتحي وثلاثة نشطاء آخرين هم وفاء آذربار، ومحسن مظلوم، ومحمد فرامرزي، بتهمة التعاون مع جهاز الموساد الإسرائيلي.

تقول عائلاتهم، إن التهم ملفقة، والاعترافات التي بثها التلفزيون الرسمي، انتُزعت تحت التعذيب.

وتؤكد العائلات أن أبناءها لم يُعتقلوا في محافظة أصفهان كما زعمت السلطات، بل في مدينة أورمية شمال غربي إيران. ولم يعلموا باعتقالهم إلا بعد عامين من اختفائهم، من خلال تقرير تلفزيوني بث اعترافاتهم القسرية.

"حاولنا خلال الفترة الماضية بشتى الطرق لاسترداد جثة بيجمان ورفاقه أو حتى معرفة مكان دفنهم، لكن السلطات لا تسلم جثث المعدومين السياسيين لذويهم بأي شكل من الأشكال"، يقول مولود عباس.

ولا يقتصر الأمر على النشطاء السياسيين، بل يشمل مقاتلي البيشمركة من الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، الذين يُقتلون خلال اشتباكات مع القوات الإيرانية.

وتشير تقارير نشطاء معارضين إلى أن السلطات الإيرانية دأبت، منذ أكثر من 46 عاما، على دفن السجناء السياسيين، وضحايا التعذيب، والمعارضين، في مقابر جماعية متوزعة في محافظات إيرانية مختلفة، بما في ذلك العاصمة طهران التي تضم "مقبرة خاوران" الشهيرة.

وبحسب تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية، جرّفت السلطات مقبرة خاوران عدة مرات خلال العقود الماضية لطمس معالم شاهد مادي على جرائم النظام.

وتشير المنظمة إلى أن السلطات لا تزال تُخفي مصير العديد من الضحايا أو أماكن دفنهم، حتى اليوم.

في أبريل الماضي، ذكرت المنظمة، في تقرير، أن عدد الإعدامات في إيران ارتفع من 853 في عام 2023 إلى 972 في عام 2024، بزيادة قدرها 119 حالة، معظمها طالت أشخاصا شاركوا في الاحتجاجات المناهضة للنظام مثل حركة "المرأة، الحياة، الحرية".

في عام 2018، أُعدمت السلطات الإيرانية رامين بناهي، شقيق الناشط الكردي رفيق حسين بناهي.

رغم محاولاتها، لم تتمكن أسرة رامين حتى اليوم من الوصول إلى قبره.

"نعتقد أن السبب في إخفاء الجثث هو آثار التعذيب على أجسادهم. النظام يخشى من توثيق الجرائم من خلال العائلات والمنظمات الحقوقية"، يقول رفيق بناهي.

وتخشى السلطات من تحول الجنازات إلى تظاهرات احتجاجية ضد النظام، أو تصبح قبور المعدومين مواقع رمزية للمقاومة، يعتقد رفيق.

امتناع السلطات من تسليم جثة المعدوم لأسرته تعمق معاناتها، وتجعلها عرضة لعذاب نفسي مرير بسبب حالة عدام اليقين: هل أعدموه أم ما زال حيا؟!

توجه السلطات الإيرانية إلى المعتقلين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان تهما فضفاضة مثل "محاربة الله" المعروفة أيضا بـ"المحاربة" أو "الفساد في الأرض" أو التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، قبل إصدار أحكام الإعدام عبر المحاكم الثورية التي لا توفر الحد الأدنى من شروط العدالة.

في كردستان الإيرانية، تعتبر منظمة "هانا" الحقوقية هذه الممارسات من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها منهجية.

يقول رئيس المنظمة، حميد بهرامي، إن "هذا السلوك لا يمثل فقط انتهاكًا واضحًا للحقوق، بل هو شكل من أشكال التعذيب النفسي الممنهج لعائلات الضحايا وللمجتمع بأسره".

ويشير بهرامي إلى المجازر الجماعية التي وقعت في عام 1988 كأبرز مثال على هذه السياسة. حينها، أعدمت السلطات آلافا من السجناء السياسيين في مختلف السجون، ودفنتهم في مقابر جماعية سرية.

حتى اليوم، لا تعرف عائلاتهم أماكن دفنهم.

وأشار إلى قضية المصارع الإيراني نافيد أفكاري، الذي أُعدم في 2020 بعد اتهامات مشكوك في صحتها، ودُفن ليلا في مكان سري.

ولفت بهرامي إلى أن قوات الأمن دفنت العديد من المتظاهرين الذين قُتلوا خلال احتجاجات 2019 و2022 بشكل سري، ومنعت عائلاتهم من إقامة مراسم تشييع أو دفن علنية.

وفي نوفمبر الماضي، كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن السلطات الإيرانية نفذت حزمة من أحكام الإعدام استهدفت سجناء سياسيين، ومواطنين من الأقليات العرقية، وأجانب.

وقالت ناهد نقشبندي، الباحثة في شؤون إيران في المنظمة إن "السلطات الإيرانية تستخدم عقوبة الإعدام كأداة للترهيب، خصوصا ضد الأقليات والمعارضين السياسيين بعد محاكمات غير عادلة".

واعتبرت نقشبندي أن المحاكم الثورية تمثل "أداة قمع ممنهج" تنتهك أبسط الحقوق وتصدر أحكام الإعدام دون ضمانات قانونية حقيقية.

ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذا النهج بوضوح، وممارسة الضغوط لوقف الإعدامات في إيران.

أما بالنسبة لعائلات مثل عائلة عباس وبناهي، فإن الإدانة الدولية لم تعد مطلبا حقوقيا فحسب، بل حاجة إنسانية ملحّة، بحثا عن الحقيقة، أي عن قبر ابن أو بنت، أب أو أم، في أصقاع إيران الواسعة.