دعوات إلى الاحتجاج على "الحرب ضد المرأة" في إيران - أرشيفية
دعوات إلى الاحتجاج على "الحرب ضد المرأة" في إيران - أرشيفية

بالتزامن مع شن طهران "أول هجوم مباشر" على الأرضي الإسرائيلية، أمر النظام الإيراني الشرطة في عدة مدن بالنزول إلى الشوارع لاعتقال النساء المتهمات بـ"انتهاك قواعد الزي الإسلامي الصارمة"، فما وراء تلك الحملة؟ وما علاقتها بالتصعيد بين إسرائيل وإيران؟

ومع بدء الهجوم الإيراني بالطائرات المسيرة والصواريخ في 13 أبريل الماضي، ظهر قائد شرطة طهران، عباس علي محمديان، على شاشة التلفزيون الرسمي للإعلان عن "حملة جديدة" ضد "من تنتهك قانون الحجاب".

ونشر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي صورا لوجود كثيف لما يعرف بـ"شرطة الأخلاق" في طهران، ومقاطع مصورة للشرطة وهي تعتقل بعنف نساء زعمت أنهن يرتدين ملابس غير لائقة، بما في ذلك قوات أمن بملابس مدنية تجر شابات إلى عربات الشرطة.

من الإلزامية إلى الإجبار.. ما وراء الحملة؟

وأعلنت السلطات الإيرانية، الشهر الجاري، عملية على مستوى البلاد لـ"إجبار النساء"، على ارتداء الحجاب الذي بات إلزاميا بعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.

وبموجب "الشريعة الإسلامية المطبقة في إيران"، فإن النساء ملزمات بارتداء الحجاب وارتداء ملابس طويلة وفضفاضة، ويواجه المخالفون التوبيخ العلني أو الغرامات أو الاعتقال.

عناصر "شرطة الأخلاق" يعود لهم صلاحية توجيه الاتهامات وفرض العقوبات
بعد واقعة فتاة المترو.. نشطاء إيرانيون يتحدثون عن "شرطة الأخلاق الجديدة"
"شرطة الأخلاق لم تذهب حتى تعود"، هذا ما يؤكده عدد من النشطاء الإيرانيين الذين تحدث معهم موقع "الحرة"، بعد إصابة الإيرانية، أرميتا غاراواند، بجروح خطرة خلال مشاجرة اندلعت بينها وبين شرطيات في مترو الأنفاق بالعاصمة الإيرانية طهران.

وأصبحت هذه القوانين قضية سياسية ملتهبة منذ أن تحولت الاحتجاجات على وفاة، مهسا أميني، أثناء احتجازها من قبل "شرطة الأخلاق" في البلاد في عام 2022 إلى أسوأ اضطراب سياسي منذ الثورة الإسلامية.

وفي استعراض للعصيان المدني، ظهرت النساء غير المحجبات بشكل متكرر في الأماكن العامة منذ وفاة أميني، البالغة من العمر 22 عاما، وقمعت قوات الأمن بعنف الانتفاضة اللاحقة التي دعت إلى إسقاط الحكومة.

ولذلك، يؤكد الباحث في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، محمد خيري، أن الكثير من الناشطات في مجال حرية المرأة في إيران، قد وجدن في تظاهرات أميني بادرة أمل للتخلص من القوانين الإلزامية والتي تجبر النساء على ارتداء زي معين.

و"بادرة الأمل" دفعت النساء الإيرانيات لإطلاق حملات تطالب بإعادة النظر في "قوانين لباس المرأة"، لكن السلطات الإيرانية رأت أن هناك عدة فرص يمكن من خلالها "التملص" من التزامها بمراجعة قواعد "اللباس الأنثوي" بعد أن أعلنت في وقت سابق مراجعة تلك القوانين، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وعن أسباب ذلك التراجع، يوضح المعارض الإيراني المقيم في لندن، وجدان عبدالرحمن، أن النظام يعتبر "الحجاب خطا أحمر"، حتى يثبت أنه "نظام إسلامي" في مواجهة "تمرد نسائي" على قوانين "فرض اللباس الإسلامي".

وقمع النظام الاحتجاجات الشعبية بـ"الرصاص"، لكن لا يمكن قمع "مطالب إعادة النظر في قوانين الحجاب"، فلجأ لـ"فرض الجبرية" بكل قسوة، وفق حديثه لموقع "الحرة".

لكن على جانب آخر، يؤكد الخبير الاستراتيجي المقيم في طهران، سعيد شاوردي، أن الشعب الإيراني مثله مثل معظم الشعوب العربية والإسلامية "يلتزم بالحجاب ويحترمه ويقدسه".

ويعتبر الحجاب "ثقافة عامة" في البلاد منذ أن دخل الإسلام لإيران وأصبح دينها الرسمي، والشعب الإيراني يعتبر من الشعوب التي تلتزم بالحشمة والحجاب حتى قبل دخول الإسلام إلى البلاد، وفق حديث الخبير الاستراتيجي الإيراني لموقع "الحرة".

والجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تأسست عام 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه، ليست هي من جاءت بالحجاب، لكنه كان جزءا أساسيا من الثقافة الإيرانية الإسلامية وحتى " الزرادشتية" طيلة جميع الحكومات والأنظمة التي شهدتها إيران على مر التاريخ وطيلة القرون الماضية، على حد تعبيره.

والحجاب يعتبر "قضية دينية وشرعية" ليس لأي نظام سياسي في إيران سلطة لإصدار قوانين وفتاوى تؤدي لانتزاعه من المجتمع، وفق الخبير الاستراتيجي الإيراني.

ويؤكد شاوردي أنه "حتى في حال تساهل النظام السياسي الحاكم مع بعض الذين لا يلتزمون بالحجاب فان مراجع الدين وبعيدا عن أي مواقف سياسية يحرمون خروج المرأة المسلمة إلى الشارع دونه ويعتبرون ذلك من المحرمات".

"سطوة دينية" أم "مخاوف سياسية"؟

في نفس اليوم الذي شنت فيه إيران "هجوما مباشرا غير مسبوق" على إسرائيل، شرعت الجمهورية الإسلامية في مواجهة أقل متابعة في الداخل، وأمرت الشرطة في عدة مدن بالنزول إلى الشوارع لاعتقال النساء المتهمات بانتهاك قواعد الزي الإسلامي الصارمة.

وقد أثار احتمال اندلاع حرب مع إسرائيل، بعد سلسلة من الأعمال الانتقامية المتبادلة بين الخصمين اللدودين، قلق كثير من المواطنين العاديين الذين يكابدون بالفعل مجموعة من المشكلات تتراوح بين الضيق الاقتصادي إلى تشديد القيود الاجتماعية والسياسية بعد الاضطرابات التي شهدتها البلاد بين عامي 2022 و2023.

إيران مسلحة بأكبر عدد من الصواريخ الباليستية في المنطقة
ماذا يعني تلويح إيران بـ "تغيير العقيدة النووية"؟
"إعلان غير مباشر بامتلاك السلاح النووي، وتغيير استراتيجي قد يغير شكل منطقة الشرق الأوسط بأكملها"، هكذا يرصد عددا من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين "الرسائل الخفية" في تلويح أحد قادة الحرس الثوري الإيراني بـ"تغيير العقيدة النووية"، في حال استمرار التهديدات الإسرائيلية لإيران. 

وتصر السلطات الإيرانية على أن حملتها المسماة "نور" تستهدف الشركات والأفراد الذين يتحدون قانون الحجاب، بهدف الاستجابة لمطالب المواطنين المتدينين الغاضبين من العدد المتزايد للنساء غير المحجبات في الأماكن العامة.

لكن "الحملة لا تهدف على ما يبدو إلى فرض ارتداء الحجاب الإلزامي فحسب، بل أيضا إلى كبت أي معارضة أشمل في لحظة ضعف بالنسبة للحكام الدينيين"، وفق الناشط الإيراني المعارض المقيم في ستوكهولم، نوري آل حمزة.

ويؤكد في حديثه لموقع "الحرة"، أن بعض المقربين من المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية، علي خامنئي، يحاولون إظهاره وكأنه ضد الجولة الجديدة من دورية التوجيه والإرشاد المذهبي المعروفة باسم "خطة نور"، لكنهم أطلقوا أمام بعض الجهات القضائية على هذا الإجراء اسم "مطلب القيادة".

ويشير آل نوري إلى تصريحات خامنئي السابقة في أبريل من العام الماضي، عندما وصف "كشف الحجاب" بأنه حرام ديني وسياسي، وقال: "هذه القضية ستحل بالتأكيد".

ويقول آل نوري:" الآن، وبعد مرور عام، فإن الوعد الذي قطعه بحل المشكلة، تلتزم به المؤسسات الخاضعة لإشرافه بجدية".

وتعتبر الاشتباكات في الجولة الجديدة لدوريات التوجيه أعنف بكثير من سابقاتها وتشبه إلى حد ما الاشتباكات مع المتظاهرين في التجمعات، ويبدو أن الحكومة لا تصر على إخفاء هذا العنف، وفق الناشط الإيراني المعارض.

ويرى آل نوري أن الهدف الرئيسي للجولة الجديدة من "دوريات التوجيه وشرطة الاخلاق" ليس فقط مسألة الحجاب.

ويبدو أن الحكومة تنوي أن تقمع "الاحتجاجات المحتملة" التي قد تحدث بعد صراع واسع النطاق محتمل مع إسرائيل، ولذلك فهي تسبق الاحتجاجات وترهب الشارع المنتفض مسبقا، وفق الناشط المعارض الإيراني.

وفي حديثها لموقع "الحرة"، ترى الناشطة الحقوقية الإيرانية المقيمة في لندن، ليلى جزايري، أن النظام الإيراني يلجأ إلى "عمليات الإعدام والقمع المتزايدة من جهة، وتصدير الإرهاب وإثارة الحروب في المنطقة من جهة أخرى"، لمنع حدوث انتفاضة جديدة في إيران.

وتربط جزايري التصعيد بالمنطقة مع "تصاعد موجة قمع النساء داخل إيران"، وتقول إن ذلك يهدف لـ"ترهيب الشباب وخاصة الفتيات نظرا لدورهن القيادي في الاحتجاجات ضد النظام".

ومن جانبه، يؤكد خيري أن التوترات في الشرق الأوسط كانت "فرصة كبيرة للنظام الإيراني للتسويق في الداخل بأنه يحارب الولايات المتحدة وإسرائيل"، وبالتالي انطلقت حملات مكثفة للقبض على النساء غير الملتزمات بقواعد اللباس التي وضعها النظام سابقا.

وفي ظل التوترات في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل، فالأنظار غير متجهة لما يحدث في الداخل الإيراني ووضع السجناء، وهو ما سمح للنظام الإيراني بـ"التحوط من أي دعوات للاحتجاج ضده"، وفق الباحث في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية.

ويؤكد خيري أن "في ظل الحرب والخسائر الاستراتيجية التي خسرها بعد مقتل قياداته في سوريا،  يعمل النظام على وأد أية دعوات للاحتجاج ضد النظام من مهدها".

لكن شاوردي، ينفي ذلك، ويؤكد أن نرجس محمدي وغيرها من "النشطاء" أداة لـ"جهات خارجية" بهدف إثارة قضايا داخلية مثل قضية الحجاب بناء على تعاليم تتلقاها من جهات معادية لإيران.

حرب شاملة على النساء

وكانت نرجس محمدي، المسجونة الحائزة نوبل للسلام، حضت، أمس الاثنين، الإيرانيين على الاحتجاج على ما وصفتها بـ"الحرب الشاملة ضد النساء" بعدما كثّفت السلطات حملتها الأمنية الرامية لإجبار النساء على الالتزام بقواعد اللباس الإسلامية المفروضة في البلاد.

وحضّت محمدي المسجونة في سجن إوين في طهران الإيرانيات على مشاركة ما تعرضن له من التوقيف والاعتداء الجنسي بأيدي السلطات عبر صفحتها على إنستغرام.

وقالت محمدي في رسالة نشرها أنصارها في وقت متأخر الأحد "شعب إيران، أطلب منكم -- فنانين ومثقفين وعمالا ومدرّسين وطلابا -- داخل وخارج البلاد التظاهر ضد هذه الحرب على النساء".

وأضافت "لا تقللوا من مدى أهمية مشاركة تجاربكم. من شأن القيام بذلك أن يفضح الحكومة المعادية للمرأة ويجبرها على الاستسلام".

واتّهمت السلطات بشن "حرب شاملة ضد جميع النساء في كل شارع في إيران".

لكن حسب شاوردي، تواجه طهران "ضغوطا خارجية" في "إطار الحرب الناعمة تشمل الحملة الإعلامية لشيطنة إيران وأيضا حرب ثقافية يمكن رؤيتها في "مجال الحجاب" بالتزامن مع التهديدات العسكرية والضغوط الاقتصادية والعقوبات والحرب الأمنية على البلاد".

ويعتقد شاوردي أنه "كل ما فشلت الضغوط الخارجية على إيران، كلما بدء العمل على زيادة الضغوط الداخلية، مرة من خلال ما عرف بالثورة الخضراء ومرة من خلال رفع أسعار البنزين ومرة من خلال الدعوة لمقاطعة الانتخابات ومرة من خلال الجامعات وهذه المرة من خلال إثارة قضية الحجاب".

ويرى أن "قضية الحجاب أثيرت بعد فشل إسرائيل في توجيه ضربة عسكرية على إيران وأيضا ويأتي هذا كانتقام من طهران لسبب شنها هجوما عسكريا غير مسبوق على الأراضي الإسرائيلية".

ويشير شاوردي إلى أن جميع ما سبق هو جزءا من "المساعي لاستنزاف نظام الحكم واضعافه من الداخل والخارج".

"ثورة نسائية" قادمة؟

وتشكل الحرس الثوري عقب قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 لحماية النظام الديني الشيعي الحاكم، وتوفير ثقل مقابل للقوات المسلحة التقليدية.

ويتبع الحرس علي خامنئي وله نحو 125 ألف مقاتل في وحدات برية وبحرية وجوية، ويقود الحرس أيضا قوة شبه عسكرية تدعى "الباسيج" وهي قوة من المتطوعين موالية للمؤسسة الدينية وتُستخدم في كثير من الأحيان لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

ولذلك، ترى جزايري أن "الحل الوحيد" لوقف "القمع الداخلي ومنع انتشار العنف في المنطقة" هو إسقاط هذا النظام. 

وتلك هي "مهمة وواجب الشعب الإيراني" الذي يجب أن يقاوم النظام الحالي، وفق حديث الناشطة الحقوقية الإيرانية المقيمة في لندن.

وتطالب المجتمع الدولي بـ"القيام بدوره ومساندة الشعب الإيراني في تحقيق تلك المهمة"، من خلال "التوقف عن استرضاء الملالي"، على حد تعبيرها.

ويجب وضع الحرس الثوري الإيراني على "القائمة السوداء"، وفرض قرار الأمم المتحدة رقم 2231 بالاعتراف بحقوق الشعب الإيراني ومقاومته للدفاع عن نفسه في مواجهة "القمع الوحشي" الذي يمارسه رجال النظام، وفق جزايري.

ومن جانبه، يرى عبدالرحمن أن النظام الإيراني سوف يسقط على يد "النساء الإيرانيات".

وخلال العقود الماضية، عمل النظام الإيراني على "قمع النساء وانتهك حقوقهن ومارس ضدهن كافة أنواع التعذيب النفسي والجسدي"، لكنهن سوف يناضلن حتى "إسقاط النظام الديني المتشدد"، وفق المعارض الإيراني المقيم في لندن.

لكن شاوري يشدد على أن "إيران لديها الخبرة في تهدئة الضغوط الداخلية كما لديها القدرة على إفشال الضغوط الخارجية".

ويقول الخبير الاستراتيجي الإيراني إن إيران ستواجه "محاولات الغرب لإضعاف المعتقدات الدينية في المجتمع الديني وذلك لإنجاح فكرة فصل الدين عن السياسة".

وتحاول دول الغرب "تغيير سلوك إيران تجاه إسرائيل" بإضعاف الحاضنة الاجتماعية لنظام الحكم في المجال الديني والثقافي خاصة تجاه مبادئ الدين الإسلامي ومنها الحجاب خاصة من قبل فئة الشباب ودفعهم نحو الثقافة الغربية، وفق شاوردي.

جوكر النووي الإيراني
عناصر من الجيش الإيراني يحرسون محطة أصفهان النووية. الصورة من رويترز.

في ملاحظاتها التي قدمتها إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، تفنّد دانا سترول، مديرة الأبحاث في معهد واشنطن، الاستراتيجية التي اعتمدتها إيران لبقاء نظامها، وهي تستند إلى ثلاثة مجالات رئيسية، وفق سترول:

1- البرنامج النووي
2- شبكة التهديدات المتمثلة في الجماعات الإرهابية والوكلاء. 
3- ترسانتها الصاروخية التقليدية.

وبحسب سترول، "استخدمت طهران كل ركيزة من هذه الركائز لتهديد جيرانها، وتحدي وجود إسرائيل، ومحاولة تقويض الوجود الأميركي في المنطقة، وكل ذلك في إطار سعيها لفرض هيمنتها ورؤيتها على الشرق الأوسط".

هذا يعني، أن إيران تحمل إلى طاولة المفاوضات أوراق لعب - إذا صح التعبير - بعضها ضعيف وبعضها خسرته، وبعضها الآخر على طريق أن تخسره. لكن البرنامج النووي يعد بمثابة ورقة "الجوكر" التي تستخدمها إيران للتفاوض مع الغرب. 

"لدى ترامب فرصة للتوصل إلى اتفاق مع إيران"، يقول الكاتبان جون ف. كيري وتوماس س. كابلان في مقال مشترك في صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

المشروع الإمبراطوري

ويرسم الكاتبان في مقالهما صورة لوضع إيران الحالي الذي من شأنه أن "يحفّز النظام الايراني على رؤية مصالحه بشكل مختلف"، ويضيفان أن "مشروع طهران الإمبراطوري المزعوم في حالة يُرثى لها".

ويعتبران أن "الجمهورية الإسلامية في موقف تفاوضي ضعيف، في الوقت الذي تقترب فيه من امتلاك قنبلة نووية".

ويرجع الكاتبان ضعف الأوراق التي تمتلكها إيران إلى "إضعاف حماس وحزب الله بشكل كامل. وسقوط نظام بشار الأسد،" معتبرين أن "المجال الجوي الإيراني أصبح بلا دفاع ضد إسرائيل".

لهذا تجد طهران نفسها مضطرة لاستخدام أوراق أخرى لطالما اعتبرتها، ولا تزال، خارج النقاش، مثل ترسانتها الصاروخية، التي جرى اختبارها في قصف إسرائيل، والتي أثبتت بحسب خبراء عسكريين ضعفها. 

وبالنسبة إلى سترول، فإن "ظهور تحالف دفاع جوي إقليمي بقيادة الولايات المتحدة في أبريل 2024"، بالإضافة إلى "تصدي إسرائيل لهجوم صاروخي باليستي واسع النطاق في أكتوبر، أثبت أن الهجمات التقليدية المعقدة لإيران وتهديداتها الصاروخية يمكن مواجهتها بفعالية"، وهذا يضعف مجالا مهما من المجالات الاستراتيجية التي تعتمد عليها إيران.

وبذلك، يبقى البرنامج النووي هو المطروح بشكل أساسي على طاولة المفاوضات، وهو الذي تهتم له بشكل أساسي الولايات المتحدة. 

ماذا نعرف عن هذا البرنامج؟

لم يبدأ الاهتمام الإيراني بالتكنلوجية النووية مع مجيئ النظام الحاكم الحالي. إذ بدأت إيران تسعى لامتلاك برنامج نووي في العام ١٩٥٧، حينما زار الشاه محمد رضا بهلوي فرنسا واطّلع على أحد المفاعلات النووية الفرنسية.

بحلول العام ١٩٦٠، جرى استحداث برنامج نووي مشترك بين إيران وإسرائيل سُمي "برنامج الزهرة"، واستطاع الشاه في العام ١٩٦٧ الحصول على مفاعل نووي من الولايات المتحدة من طراز TYPE POOL، وكانت تلك خطوات إيران الأولى لإنشاء محطة نووية بحثية لإنتاج الطاقة الكهربائية.

في كتابه "البرنامج النووي الإيراني/ تحليل البعدين الداخلي والخارجي"، يشرح الباحث ستار جبار علاي أن برنامج الشاه النووي توقف بعد وصول الخميني إلى السلطة في العام ١٩٧٩، وفي العام ١٩٨٤ بدأت إيران برنامجا نوويا موسعا ركز على دورة الوقود النووي وتخصيب اليورانيوم وإنتاج وفصل البلوتونيوم.

وكان الهدف المعلن لهذا البرنامج هو إنتاج الطاقة الكهربائية. وشهد انطلاقته الحقيقة بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية عام ١٩٨٨ بالتزامن مع بدء انهيار الاتحاد السوفياتي ورواج التجارة السرية للمواد النووية، فضلا عن استفادة إيران من التقنية النووية الباكستانية ومن مصادر أخرى.

في أغسطس 2010، دشنت إيران محطة الطاقة النووية في "بوشهر".

اتفاق 2015

وفي أبريل ٢٠١٥، توصلت إيران ودول الـ"5+١" إلى اتفاق وافقت طهران بموجبه على قبول القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم وتخزينه، وإغلاق أو تعديل منشآت في مواقع نووية عدة، والسماح بزيارات المفتشين الدوليين لها.

ونص الاتفاق، في المقابل، على رفع العقوبات المالية والاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من المؤسسات الدولية على شركات وهيئات إيرانية منذ أكثر من عقد في ذلك الوقت.

دخل الاتفاق حيز التنفيذ مطلع عام 2016، ورفعت العديد من العقوبات المالية الدولية المفروضة على إيران، لكن الموقف ما لبث أن تدهور بنهاية عام 2017 مع انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة في ولايته الأولى خلفا لباراك أوباما.

وفي 8 مايو 2018 أعلن ترامب انسحاب أميركا من الاتفاق وأعاد فرض العقوبات على إيران.

"الضغط على دواسة البنزين"

وجدت إيران في انسحاب واشنطن من الاتفاق ذريعة للمضي في تخصيب اليورانيوم فوق المستويات المسموح بها بموجب الاتفاق، وقلصت تعاونها مع المفتشين الدوليين.

وفي يناير، أعرب رافائيل غروسي، المدير العام لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، عن قلقه البالغ إزاء أنشطة تخصيب اليورانيوم في إيران، مشيرا إلى أنها "تضغط على دواسة البنزين" عبر تسريع التخصيب بشكل كبير إلى مستويات تقترب من تلك المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وأوضح أن إنتاج إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60% ارتفع من نحو سبعة كيلوغرامات شهرياً إلى أكثر من 30 كيلوغراماً. 

وأكد أن الجمهورية الإسلامية هي الدولة الوحيدة غير الحائزة على أسلحة نووية التي تنتج اليورانيوم بهذا المستوى المرتفع من التخصيب، واصفا ذلك بأنه "مثير للقلق الشديد"، وهو يعني اقتراب إيران من تصنيع قنبلة نووية.

مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير ٢٠٢٥، وضع الرئيس الأميركي برنامج إيران النووي على رأس سلم أولوياته، وخيّر إيران بين التوصل إلى اتفاق، أو مواجهة "الحل العسكري"، وهو ما أعاد عجلة المفاوضات إلى الدوران عبر جولات غير مباشرة تجري بوساطة عُمانية في العاصمة مسقط، فيما ستكون الجولة المقبلة في العاصمة الإيطالية روما.

وفي الملاحظات التي قدمتها إلى لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، ترى الباحثة الأميركية دانا سترول وجود فرص حقيقية لمنع إيران من السعي لامتلاك القدرة على صنع أسلحة نووية، وتعزيز المكاسب العسكرية ضد أنشطتها المزعزعة للاستقرار. 

وللقيام بذلك، تتابع سترول في إحاطتها، "يجب على الولايات المتحدة أن تستفيد بشكل كامل من جميع عناصر قوتها الوطنية وتوظيفها في الشرق الأوسط: ليس فقط العمليات العسكرية والعقوبات، بل أيضاً برامج المساعدة وتحقيق الاستقرار والدبلوماسية".