سلطة خامنئي لا لبس فيها فيما يتعلق بقرارات السياسة الخارجية والداخلية
سلطة خامنئي لا لبس فيها فيما يتعلق بقرارات السياسة الخارجية والداخلية

حمل الموت المفاجئ للرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، معه كثيرا من التساؤلات بشأن مستقبل البلاد، ليس في ما يتعلق باسم الرئيس القادم، بل بخليفة المرشد الإيراني الأعلى، ومدى إمكانية أن تستغل المعارضة التطورات لدفع الشارع إلى احتجاجات مناهضة للنظام الحاكم.

وفور الإعلان رسميا عن مصرع رئيسي ومسؤولين آخرين، من بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان، إثر تحطم مروحية كانت تقلهم في منطقة جبلية شمال غربي البلاد، كلف المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، الاثنين، النائب الأول لرئيس الجمهورية، محمد مخبر، بتولي مهام الرئاسة.

وقال المرشد الأعلى في أول تعليق له بعد إعلان الوفاة: "التزاما بالمادة الـ131 من الدستور، يتولى مخبر رئاسة السلطة التنفيذية"، لافتا إلى أنه يتوجب عليه، حسب القوانين النافذة، العمل مع رئيسي السلطتين التشريعية والقضائية لإجراء انتخابات رئاسية جديدة "في مهلة أقصاها 50 يوما".

وحسب المادة 131 من الدستور الإيراني، في مال "وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته أو غيابه أو مرضه لأكثر من شهرين، أو في حال انتهاء فترة رئاسة الجمهورية وعدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية نتيجة وجود بعض العقبات أو لأمور أخرى من هذا القبيل، يتولى النائب الأول للرئيس أداء وظائف رئيس الجمهورية، ويتمتع بصلاحياته بموافقة قائد الثورة الإسلامية".

سرعة إجراء الانتخابات

ويرى محللون وخبراء، خلال حديثهم مع "الحرة"، أن النظام الإيراني قد لا يجد معضلة كبيرة في ما يتعلق باسم الرئيس القادم، مع اعتبار البعض أن رئيس البرلمان الحالي، محمد باقر قاليباف، الأقرب لهذا المنصب.

وتتم عملية اختيار رئيس في إيران من خلال الاقتراع العام المباشر، لكن هذا يكون بعد موافقة "مجلس صيانة الدستور" على المرشحين المحتملين، والذي، وفق تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كثيرا ما يستبعد مرشحين، يعتبرهم المرشد الأعلى أقل ولاء لحكمه الشخصي.

الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبدالرحمن، يرى أن النظام الإيراني "قد لا يتحمل عدم وجود رئيس منتخب لمدة 50 يوما كاملة، وقد يُعجل بإجراء الانتخابات".

ويقول عبدالرحمن في مقابلة مع قناة "الحرة" إن "وفاة رئيسي قد تخلق أزمة كبيرة لا يتحملها النظام؛ لذلك أعتقد أن النظام سيحاول معالجة ذلك من خلال الإسراع في إجراء الانتخابات"، خصوصا في ظل التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة.

وإيران لديها تدخلات في المنطقة وتنخرط في الصراع بقطاع غزة، عبر المليشيات التابعة لها، حسب عبدالرحمن، الذي يشير إلى أن "مقتل رئيسي سيكون له تأثير على هذا الملف، بالإضافة إلى ملف العلاقات مع الدول العربية، إذ لعب في الماضي دورا للتقارب والمصالحة مع بعض دول المنطقة".

ويتابع: "لذلك سيحاول النظام الاستعجال باستقدام رئيس منتخب للبلاد على الأقل للاحتفاظ بما لديه الآن من سياسات"، متوقعا أن تتم تزكية رئيس البرلمان الحالي قاليباف، ليخلف رئيسي.

ويتفق مع هذا الطرح، الباحث في الشؤون الإيرانية، محمد عبادي، الذي يعتبر أن موت رئيسي "لن يفتح صراعا داخليا على منصب الرئيس، خصوصا أن النظام الإيراني لديه منظومة هرمية في ما يتعلق بقيادة المؤسسات الحاكمة بالبلاد".

ويضيف لموقع "الحرة" أن "النظام سيتجاوز، أو تجاوز بالفعل هذا الأمر، لأنه قد يكون تعمد تأخير إعلان موت رئيسي ومرافقيه، وانتظر حتى يتم ترتيب البيت من الداخل".

وخلال عمليات البحث المكثفة التي كانت تجريها فرق الإنقاذ خلال ليل الأحد/الاثنين، ووسط غموض كان يكتنف مصير رئيسي، خرج خامنئي في أول بيان، لطمأنة الإيرانيين وعدم القلق، قائلا إن "شؤون الدولة لن تتعطل".

وهذا ما يؤكده عبادي أيضا بقوله إن النظام الإيراني "الثيوقراطي (الحكم الديني)، يجعل من خامنئي المالك للسلطات المطلقة، ولن تتوقف الأمور أبدا على موت الرئيس".

ورغم اتفاقه مع هذا أيضا أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، خالد عبد الإله، فإنه يقول في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة" إن "ذلك لا يعني أنه لن تكون هناك انعطافات في الأوضاع السياسية بإيران".

ويدلل عبدالإله على ذلك، بسرعة "خروج المرشد الإيراني لتأكيد عدم تأثر شؤون الدولة، وذلك قبل إعلان وفاة رئيسي بساعات، فضلا عن الانتشار المكثف لقوات الأمن في الميادين والشوارع".

أزمة سياسية

ولم يستبعد المحللون الذين تحدثوا لـ"الحرة" أن يخلق موت رئيسي صعوبات سياسية في ما يتعلق بالخليفة المحتمل للمرشد، إذ يقول عبدالرحمن إن "رئيسي شخصية مهمة في إيران، ليس فقط لأنه رئيس الجمهورية، بل لأنه كان المرشد المحتمل للبلاد بعد موت خامنئي".

ويضيف: "ليس بالأمر السهل على النظام أن ينجح في تعويض شخصية أصولية متشددة كهذه".

ووفق تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، نشر أبريل الماضي، فإن خامنئي "يحتفظ بالمتشددين في مناصب مهمة في الدولة، وأعرب عن رضاه عن الرئيس إبراهيم رئيسي، الذي انتخب عام 2021 بنسبة إقبال منخفضة قياسية، اعتُبرت انعكاسا للسخط الشعبي".

وعلى عكس رؤساء حكومات سابقين، "فإن رئيسي لم يتحد خامنئي، واتبع توجيهاته عن كثب، ربما لتحسين موقعه كخليفة محتمل"، حسب ما أوردت الصحيفة. وهو ما يؤكده أيضا عبادي بالقول: "كان هناك حالة من التوافق والتناغم الداخلي بين المؤسسات الفاعلة في إيران، سواء المرشد الأعلى أو الرئاسة أو البرلمان أو الحرس الثوري، على أن يلعب إبراهيم رئيسي دورا سياسيا مستقبليا بعد وفاة المرشد الحالي، سواء في بقائه بمنصب رئيس الجمهورية أو تصعيده ليكون مرشدا".

ويتابع عبادي: "النظام الإيراني عليه الآن أن يوفر بديلا يحظى بإجماع داخلي مثل رئيسي ليكون مرشدا محتملا للبلاد".

رئيسي تولى رئاسة إيران عام 2021
من يتولى مهام رئيسي ومتى تجرى الانتخابات الجديدة في إيران؟
أكدت السلطات الإيرانية، الإثنين، أن هيئة تتكون من رؤساء السلطة القضائية والتشريعية والنائب الأول لرئيس الجمهورية، سوف تتولى صلاحيات رئيس البلاد وستتخذ الإجراءات اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية خلال 50 يومًا، وذلك عقب مصرع الرئيس إبراهيم رئيسي خلال حادث مروحية.

وحسب الصحيفة البريطانية، فإن "نظام الحكم في إيران "معقد ومتعدد الطبقات ومبهم، ويشكل تحديا يصعب فهمه أمام المطلعين من الداخل والخارج"، لكن يظل المرشد الأعلى، "بشكل لا لبس فيه يمتلك سلطة صناعة القرارات العليا لجميع السياسات الداخلية والخارجية في البلاد".

وفي ما يتعلق بتعيين الزعيم التالي بعد وفاة خامنئي، فإن "جمعية الخبراء"، التي تضم 88 رجل دين، تتولى هذه المسؤولية في إيران، كما يُفترض بأنها تراقب أفعال المرشد الأعلى، "على الرغم من أنها لم تمارس أي رقابة على الإطلاق"، حسب ما تقول الصحيفة.

السؤال الصعب؟

ومن المتوقع أن تتجاوز إيران موت رئيسي، لكنها ستكون أمام سؤال صعب قد يُشكل المستقبل السياسي، وفق عبادي، وهو "هل ما جرى كان حادث عابر بسبب الإهمال وتحرك الطائرة في مثل هذه الظروف الجوية أم كان اغتيالا سواء من الداخل أو الخارج؟".

ويضيف: "الإجابة على هذا السؤال بالتحديد ستُشكل معضلة بالنسبة للنظام، حيث إن أي إعلان عن اغتيال رئيس الجمهورية داخل إقليم الدولة، بمكانة اعتداء على السيادة ويتطلب الرد عليه".

ويلمح إلى هذا أيضا عبدالرحمن، والذي يقول إن فكرة "مقتل رئيسي سواء بتدبير خارجي أو داخلي، ستؤثر على الاختلافات الموجودة داخل السلطة وقد تعمق الخلافات وترهق النظام أيضا".

لكن عبادي عاد مرة أخرى ليقول إن ما جرى من عملية بحث طويلة عن الطائرة التي قيل في البداية إنها هبطت بشكل اضطراري بسبب الأحوال الجوية "وفر مساحة معقولة من أجل إنكار هذه الفرضية. لهذا قد ستتجاوز إيران هذا التساؤل، مع استبعاد خروج أي طرف للإعلان على أنها عملية اغتيال".

والاثنين، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إسرائيل، أنه "لا علاقة لإسرائيل" بمصرع الرئيس الإيراني، حيث قال المسؤول الإسرائيلي الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "لم نكن نحن".

وكانت حدة التوترات تزايدت بين إيران وإسرائيل مع اندلاع الحرب في قطاع غزة قبل 7 أشهر، ودخول ميليشيات مسلحة موالية لطهران في سوريا ولبنان والعراق واليمن على خط التصعيد في جبهات إقليمية عدة، حيث نفذت طهران لأول مرة في تاريخها هجوما مباشرا على إسرائيل، بعد أن اتهمتها باستهداف مقر القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من أبريل الماضي.

احتجاجات مناهضة

يتوقع الخبراء أن تحيي المعارضة أو التيارات الإصلاحيات في البلاد موجة احتجاجات مناهضة لنظام الملالي، مدفوعة بغضب المواطنين من الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتفاقمة.

ومنذ عام 2009، نجح النظام الإيراني في سحق موجات الاحتجاجات المعارضة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الموجة الأخيرة التي اندلعت عام 2022، على خلفية مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني بعدما أوقفتها الشرطة بتهمة انتهاك قواعد اللباس.

ويؤكد عبدالإله خلال حديثه أن "الساحة الإيرانية لا تزال في مأزق مع استمرار العقوبات، وقد يأتي موت رئيسي، ليعزز من تحركات التيارات الإصلاحية ضد النظام".

ويتوقع عبادي تجدد الاحتجاجات المناهضة للنظام خلال الأشهر المقبلة، حيث يقول إنه "خلال الأحداث الكبرى في إيران من المتعارف عليه أن يتبعها موجة احتجاجات كبيرة ضد النظام".

ويضيف: "يمكن أن تكون هذه الاحتجاجات مدفوعة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد وانهيار العملة مع ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير".

الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي
رئيسي و"لجان الموت".. "جرائم" روّعت الإيرانيين في الثمانينيات
مع صعوده إلى السلطة في عام 2021، كانت الموجة قوية ضد الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، بسبب قيادته لما عرفت بلجنة الموت في عام 1988، واتهامه بالمسؤولية عن إعدام آلاف السجناء السياسيين في إيران، عام 1988، وكان رده على تلك الاتهامات بأنه "فخور" بكونه مدافعا عن حقوق الإنسان.

ومنذ انسحاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، فرضت واشنطن عقوبات على إيران والشركات المرتبطة بها، مما أضر بالبنك المركزي وقطاع النفط، وتسبب بانهيار العملة الوطنية وأدى إلى تراجع حاد في عدد السياح الأجانب.

وحسب تقرير نشره البنك الدولي، نوفمبر الماضي، وهو أول تقييم رسمي للفقر في إيران منذ 45 عاما، يرزح ما يصل إلى 10 ملايين إيراني تحت خط الفقر في البلاد التي يبلغ عدد سكانها نحو 85 مليون نسمة، بسبب الإدارة الاقتصادية السيئة والعقوبات المفروضة.

ويقول البنك الدولي في التقرير الذي أوردته وكالة "بلومبيرغ" الأميركية قبل 6 أشهر إنه "إلى جانب 28 بالمئة يعيشون في الفقر بالفعل، فإن 40 بالمئة آخرين من سكان إيران معرضون لخطر الوقوع في الفقر خلال العامين المقبلين".

لذلك يرى عبادي أن "الشعب الإيراني قد يتجه نحو إحياء الاحتجاجات الضخمة"، ويعتبر أن "المشاركة المتدنية في الانتخابات البرلمانية العام الماضي تضيف إلى جانب التطورات السياسية الأخيرة مزيدا من الدوافع لدى الإيرانيين للخروج في احتجاجات كبرى".

ويختتم عبادي حديثه بالقول: "نعم ليس من الوارد أن تندلع الاحتجاجات في الأسابيع القليلة المقبلة، لكنها ستحدث في كل الأحوال من الأحوال خلال أشهر".

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

بينما تواصل روسيا التأكيد على ضرورة إصلاح العلاقة بين أنقرة ودمشق، تسود ضبابية الموقف الخاص بإيران، وما إذا كانت تؤيد وترحب بآخر التطورات التي كسرت جزءا من الجمود على صعيد التصريحات بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ورئيس النظام السوري، بشار الأسد.

وطهران حليفة للأسد ونظامه، كما هو الحال بالنسبة لموسكو، وتنخرط في الملف السوري عسكريا على الأرض بميليشيات و"مستشارين"، وكذلك سياسيا من خلال حضورها في مسارات، على رأسها "محادثات أستانة".

ورغم أنها كانت قد انضمت بصورة متأخرة للمسار الثلاثي الأول بين أنقرة ودمشق، فرضت نفسها لاحقا على المشهد باعتبارها طرفا رابعا، وبمواقف أبداها سابقا الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته الراحل، حسين أمير عبد اللهيان.

وتشير جملة معطيات حصلت، في غضون الأسبوعين الماضيين، إلى أن أنقرة ودمشق دخلتا في مرحلة جديدة ومختلفة عن السابق. من المقرر أن تكون ثمرتها الأولى عقد لقاء أمني، في عاصمة يرجح أن تكون بغداد أو موسكو، حسبما ذكرت وسائل إعلام تركية.

وجاء ذلك بعدما أبدى إردوغان نيته لقاء الأسد وفي أعقاب تخفيف الأخير للهجته مرتين، الأولى خلال لقائه مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتيف في دمشق، والثانية أمام الصحفيين بعدما تتالت الدعوات التي وجهها له الرئيس التركي.

وتشير المعطيات إلى أن الجولة الجديدة لإعادة العلاقات بين تركيا والنظام السوري تحظى برعاية روسية "بامتياز" وبدفع من بغداد أيضا، في حين لم يتردد حتى الآن أي حديث عن بادرة إيرانية في هذا السياق.

ومع ذلك، أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى أن كبير مستشاري وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية الخاصة، علي أصغر خاجي، ناقش عدة ملفات في الزيارة التي أجراها إلى دمشق، الاثنين.

وكان على رأس تلك الملفات التي ناقشها المسؤول الإيراني مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد ووزير خارجيته، فيصل المقداد، "عملية حل الخلافات بين تركيا وسوريا"، وضرورة "اتخاذ خطوات لإعداد الاستعدادات اللازمة لنجاح المحادثات".

"بين الحليف والجار"

وتحدثت أوساط إعلامية تركية لأكثر من مرة، خلال الأيام الماضية، عما وصفته بـ"العراقيل" التي قد تضعها إيران على طريق التقارب بين أنقرة ودمشق، وكتب عن ذلك صحفيون وكتاب أعمدة في صحف مقربة من الحكومة، بينها "حرييت".

ونقلت صحيفة "ديلي صباح" التركية، الاثنين، عن مصدر لم تسمه أن "إيران ربما تُستبعد من العملية الجديدة بين أنقرة ودمشق"، وهو ما لم تؤكده مصادر دبلوماسية.

وأضاف المصدر للصحيفة أن "مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا ليست شرطا مسبقا، لكن تم الاتفاق على مناقشتها لاحقا لتحقيقها في النهاية".

وتابع أن "التجارة ستكون على رأس أجندة الاجتماع الأول (مع دمشق)"، وأنها بدأت بالفعل بعد فتح معبر أبو الزندين، الذي يفصل مناطق سيطرة فصائل المعارضة التي تدعمها تركيا في ريف حلب مع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ويوضح الباحث السياسي التركي، عمر أوزكيزيلجيك، أن "تركيا ترى في الوقت الحالي موقفا غير بناء من جانب طهران بشأن تعاملها الدبلوماسي مع دمشق".

ويقول في تصريحات لموقع "الحرة" إن "الشعور التركي يذهب باتجاه أن إيران كانت ومازالت تتخذ موقفا أكثر عنادا وتشددا".

وتختلف النظرة التركية تجاه إيران عن تلك الخاصة بموسكو، وفق الباحث.

ويضيف أوزكيزيلجيك أنه بالنسبة لتركيا فإنها ترى في المقابل أن "موسكو حافظت دائما على نهج بناء وأكثر معقولية من طهران، التي كان لديها نهج أكثر تطرفا في المطالب".

ولروسيا نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي واسع في سوريا.

ولإيران أيضا ذات النفوذ، لكنها لم تصل إلى النقطة التي وصلت إليها موسكو على صعيد الاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية.

وعلى مدى السنوات الماضية دعم هذان الحليفان الأسد بشكل مطلق، على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية. 

لكنهما، وعلى الطرف الآخر، لم يصلا إلى توافق تام وكامل بشأن السياسات الخاصة بسوريا، وعلاقة الأسد ونظامه بالجيران وبقية الدول، سواء في الإقليم أو العالم.

ويعتقد الباحث في الشأن الإيراني، محمود البازي، أنه "توجد أخطاء في التقييم بين ما ترغب به طهران وما تستطيع فعله".

ويوضح البازي لموقع "الحرة" أن الشرط الذي وضعته الحكومة السورية للقاء إردوغان قديم وليس ما تفرضه إيران" (قاصدا انسحاب القوات التركية من سوريا).

ويشير البازي إلى أن "إيران قد تعرقل التطبيع في حالة واحدة، وهي استبعادها من المسار الحالي".

ويشرح بالقول: "بمعنى أن إيران ترغب بأن يكون مسار أستانة هو المنصة لأي تغييرات في الملف السوري، لأنه يوفر لها مقعدا على طاولة المفاوضات".

"منافس وعائق"

وتعتبر إيران وتركيا وروسيا دولا ضامنة لمسار "أستانة السوري". ومنذ عام 2017 تتجمع أطراف من المعارضة السورية والنظام باستمرار، من أجل بحث قضايا ميدانية وسياسية في آن واحد.

ولكل دولة مذكورة قوات في سوريا، مع اختلاف نمط وطبيعة انتشار كل واحدة عن الأخرى.

وتنتشر قوات تركية في شمال سوريا في إدلب وأرياف حلب، وتدعم أنقرة آلاف المسلحين من فصائل المعارضة، وتشير معظم التصريحات الرسمية إلى أنها ليست بوارد التخلي عنهم.

وكذلك بالنسبة لإيران التي يدعم "الحرس الثوري" فيها ميليشيات كثيرة في سوريا، وله أيضا "مستشارون" قتل عدد منهم بضربات إسرائيلية خلال السنوات الماضية.

أما روسيا فيتركز انتشارها في قاعدة "حميميم" بريف اللاذقية.

وتسير قوات الشرطة العسكرية التابعة لموسكو بانتظام دوريات مع الجانب التركي، في أجزاء من الحدود الشمالية لسوريا، وسبق أن سيرتها في جنوب إدلب بعد اتفاق 2020 الذي أبرم بين إردوغان ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين.

ويرى كبير الخبراء الأميركيين في "المجلس الأطلسي"، ريتش أوتزن، أن "إيران استعمرت سوريا الأسد بشكل أو بآخر من خلال سيطرتها على مؤسساتها الأمنية وسياستها الخارجية".

ويقول لموقع "الحرة" إن "إيران ترى في تركيا منافسا وعائقا أمام حريتها في المناورة في سوريا، بسبب الوجود العسكري ودعم المعارضة المناهضة للأسد".

وقد تدعم طهران صفقة تؤدي إلى انسحاب عسكري تركي واستئناف التجارة السورية التركية، إذا لم تكن هناك شروط ملزمة بشأن دمشق، وفق أوتزن.

لكنها "ستكون خاسرة في أي اتفاق يتضمن تنازلات حقيقية من دمشق تجاه المخاوف التركية (خاصة فيما يتعلق بحزب العمال الكردستاني) أو حماية الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة".

وللسبب المذكور يوضح الباحث الأميركي أن "الأسد صب مؤخرا الماء البارد على فكرة إجراء مفاوضات جادة أو تسوية في هذه المرحلة".

ويتابع: "وحتى لو أراد اتباع هذا المسار (وهو على الأرجح لا يريد ذلك)، فسيكون لدى رعاته الإيرانيين سبب لمنعه".

وبالنسبة لتركيا، يقول الباحث أوزكيزيلجيك، إن بلاده تشعر أن "إيران تشكل عائقا أمام العملية الدبلوماسية في سوريا، ليس فقط في المحادثات مع دمشق، بل أيضا في عملية أستانة وكل العملية التي جرت".

ويضيف أن "تركيا تريد الاستمرار مع روسيا"، وأنها "تثق بالجانب الروسي أكثر من طهران".

لكنه لا يعتقد أنه "يمكن فعل أي شيء في سوريا فيما يتعلق بنظام الأسد من دون إيران".

ويعتبر أنه "من غير الممكن عقد أي صفقة أو أي اتفاق مع نظام الأسد إذا لم تكن إيران متورطة. لقد رأينا مرات عدة قدرة إيران على منع أي نوع من الاتفاق"، على حد قوله.

"تفاهمات تكتيكية لا أكثر"

وقبل اندلاع أحداث الثورة السورية كانت العلاقة السورية التركية على أوجها، خاصة على صعيد الاقتصاد والاتفاقيات. ووقعت الحكومة التركية وحكومة الأسد بين عامي 2004 و2010 سلسلة اتفاقيات.

وكان أبرزها اتفاقية "التجارة الحرة"، وتنفيذ مشروع سككي بين غازي عنتاب وحلب، واتفاقيات أخرى لإنشاء بنك تركي سوري مشترك، مع زيادة حجم التجارة إلى مستويات عليا.

ومع انكسار جزء من الجمود في أعقاب تصريحات إردوغان والأسد مؤخرا، بدأت وسائل إعلام تنشر عن "مرحلة الازدهار" السابقة وسيناريوهات إعادة تفاصيلها من جديد.

ويستبعد مراقبون وخبراء أن تمضي عملية التقارب بين دمشق وأنقرة بشكل متسارع، ومع ذلك يشيرون إلى أن الأمر غير مستحيل، وأن الجانبين قد يبديا "نوايا حسنة" من بوابة فتح الطرق والاقتصاد.

وأيا كانت المسارات المقبلة، يعتقد الباحث البازي أن "إيران ترسم نفوذا سياسيا وعسكريا ولوجستيا موازيا لتفادي أي توافقات تحت رعاية روسية تضر بمصالحها".

وفيما يتعلق بالاقتصاد، يوضح أن "عدم تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية بين سوريا وإيران يعود إلى أن الحكومة السورية لا ترغب بتسليم الاقتصاد لإيران".

ولذلك يشير إلى أن "العلاقات الاقتصادية سيئة (بين دمشق وطهران) سواء تم تطبيع العلاقات مع تركيا أم لا".

ويرى الباحث أوتزن أن "روسيا لا تستطيع تحقيق المصالحة بين أنقرة ودمشق بعيدا عن إيران"، وهي غير قادرة على حل القضايا الكبرى (اللاجئون، العائدون، حزب العمال الكردستاني، حماية المعارضة).

ويقول إن "وجودها (روسيا) على الأرض في سوريا أضعف من إيران"، وعلى أساس ذلك "يمكنها تسهيل التفاهمات التكتيكية لا أكثر".

وإذا ما تم التطبيع بين أنقرة ودمشق "برعاية روسية وإيرانية" فقد تعتبره طهران مناسبا ومفيدا لها، بحسب حديث الباحث البازي، "لأن المستهدف هو (قوات سوريا الديمقراطية) الحليف الأميركي القوي".

ويتابع: "لذلك إذا ما تمت تصفية (قسد) في الشمال الشرقي سيكون هناك تسليم لهذه المناطق للحكومة السورية وهذا يعني بالضرورة مجال نفوذ أوسع لإيران هناك".

وتدعم الولايات المتحدة "قسد" منذ سنوات في إطار حربها على تنظيم "داعش"، لكن أنقرة ترى هذا التشكيل الذي تهيمن عليه "وحدات حماية الشعب" مرتبطا بـ"حزب العمال الكردستاني"، المصنف على قوائم الإرهاب.

وقال قائد "قسد"، مظلوم عبدي، في تصريحات له، الاثنين، إن قواته منفتحة على الحوار مع الجميع وفي مقدمتهم حكومة دمشق، و"لديهم إيمان" بالتوصل إلى حل مع دمشق.

وأوضح أن "قسد" على اتصال مع النظام السوري، لكن على دمشق إعادة النظر بموقفها، كما أبدى استعداده في السابق للحوار مع تركيا.