صورة للسجين السياسي والناشط العمالي الإيراني محمد داوري- وسائل إعلام إيرانية
صورة للسجين السياسي والناشط العمالي الإيراني محمد داوري- وسائل إعلام إيرانية

"ما شهدته خلال عملي الحقوقي مع السجناء في إيران، يشبه سجون الحجاج بن يوسف"، قال السجين السياسي والناشط العمّالي محمد داروي عبر رسالة مسجلة من أحد زنازين سجن "عادل آباد".

يقع السجن في مدينة شيراز جنوبي إيران، وهناك كما روى داوري "زنزانة تحت الأرض مكونة من 6 غرف تُعرف باسم القبو، ومرفق تعذيب سيء السمعة يُدعى (عنبر الإرشاد)"، كلاهما تم إخفاؤه عن المفتشين والزوار.

يوجه داوري (30 عاماً) رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، يذكر فيها صنوف التعذيب التي تعرض لها، والتهديد بالاغتصاب.

كما انتقد السجين عدم الحصول على العلاج المناسب وعدم الاهتمام بالأوضاع الإنسانية للسجناء في هذا السجن.

نُشرت الرسالة الصوتية السبت على حسابه في إنستغرام، وتداولها نشطاء ومنصات إعلامية إيرانية.

بعد ذلك، تم نقل داروي إلى وجهة غير معلومة، بحسب ما ذكرت وكالة "هرانا" الحقوقية، الأحد.

 

"أنت سبب معاناتي"

سجن داوري مرات عدة وحاليا يقضي عقوبة بالسجن لمدة 3 سنوات منذ مايو 2024، بتهمة "إهانة خامنئي".

وقال في رسالته "أنا في السجن بسبب إهانتكم (خامنئي)، لذلك أحملكم مسؤولية كل المعاناة والمصاعب التي عانيت منها أنا وأسرتي خلال هذه الفترة".

وفي 23 ديسمبر الماضي، تم نقله لمركز التوقيف المعروف بـ"البلوك 100"، عبر إجباره على الصعود إلى سيارة، دون إعلامه بالوجهة أو توضيح السبب".

وخلال المسافة، تحولت السيارة لمركز تعذيب متنقل، وفق تعبير داوري، قال "تم تقييد يدي من الخلف وتكبيل قدمي بشدة لدرجة أن أطرافي أصيبت بالخدر والكدمات، ولا تزال آثارها واضحة بعد أكثر من 50 يوماً على ذلك. وتعرضت للضرب المتواصل".

حدث ذلك بعد أقل من شهر على وفاة والده.

أين حقوق الإنسان؟

في رسالته يُذكّر داوري المرشد الأعلى بتصريحات له عن "حقوق الإنسان" و"الأمن النفسي" التي لا معنى لها أو صدى داخل السجون.

"كنتَ تؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات ضد من يهددون الأمن النفسي للمجتمع، لكن قبل أن يمضي شهر على وفاة والدي، اختُطفت، تاركا عائلتي المفجوعة في قلق وعدم يقين. مرضت والدتي، وأصيبت شقيقتي بصدمة نفسية شديدة، وتعرضت للضرب العنيف لدرجة أن ضلوعي وصدري تعرضا للكدمات، ونزف أنفي، وأصيبت ساقاي بجروح، وتحطمت نظارتي"، قال داوري.

وتابع "لقد أهانوني وأذلوني، وهددوني بالاعتداء الجنسي باستخدام زجاجة صودا. لماذا؟ كانت المعاناة التي تعرضت لها شديدة لدرجة أنني لم أتمكن من تناول الطعام لعدة أيام. لا أتكلم عن ألمي الشخصي، لكن من يستطيع أن يفهم العذاب الذي تحملته عائلتي"؟

صورة للسجين السياسي والناشط العمالي الإيراني محمد داوري- وسائل إعلام إيرانية

ووجه سؤالا لخامنئي: "من هم المخالفون للأمن النفسي للمجتمع؟" مستعرضاً أبرز تجليات الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث تعاني أشد آثارها الطبقة العاملة وجزء كبير من الطبقى الوسطى، وحيث لم يعد هناك أي "أمن نفسي".

بخصوص حقوق الإنسان، كان خامنئي وجّه القضاة لاحترام حقوق الإنسان الإسلامية والالتزام بها، لكن هذه الحقوق ،وفق داوري تمر "بوضع كارثي" أكثر من أي مكان.

وشبّهها بالفزاعة المهترئة التي لا تخيف حتى أضعف الطيور.

وقال السجين السياسي عبر رسالته المسجلة، إن المسؤولين عن استمرار الانتهاكات الحقوقية في السجون، يقومون بالوقت ذاته بمهاجمة إسرائيل، "للتغطية على اضطهادهم".

لكنّ أي شيء قد تفعله الجمهورية الإسلامية لتزيين صورتها في الخارج والظهور بمظهر القوي لا يمكنه إخفاء الضعف الداخلي. 

وكانت محامية داوري، فرشته تابانيان، أعلنت في يناير الماضي تعرض موكلها للتعذيب في مركز احتجاز إدارة المعلومات في شيراز، وقالت إن الطب الشرعي أكد وجود كدمات وجروح على الضلوع والصدر والساقين.

وعن هذا قال داوري إن القضاة لم يفعلوا أي شيء إزاء تقرير الطب الشرعي، بل على العكس "أسقطوا القضية وبرأوا الجلاد".

لذلك: "كيف يمكن للمرء أن يأمل في مثل هذا القضاء؟" تساءل داوري.

تهديد والده قبل وفاته 

في رسالته أيضاً، ذكر محمد داورني أنه تعرض للتعذيب خلال احتجازه عام 2018، آنذاك كان عمره 23 عاماً. 

وقال "اعتُقلت على يد ضباط الاستخبارات، وتعرضت للتعذيب ليلة كاملة. حيث تم تقييدي في وضعية أبولو، وجَلدي بالأسلاك على قدميّ، ثم تعليقي على الحائط حتى أعترف بتهمهم الملفقة".

وأشار داوري لمفارقة تُظهر أن طريقة التعذيب التي تعرض إليها هي نفسها التي تعرض لها زوار متحف "عبرت" الذي كان بالأساس سجناً في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حيث عُذب معارضوه على يد قوات "السافاك".

وأكد داوري تعرض والده للتهديد على يد المخابرات في مدينة ياسوج: "استدعوا والدي المريض ليلا، وقالوا له إما أن يوافق ابنك على شروطنا أو نشنقه، وفي وقت آخر سنقتله بصبّ السم في كأسه".

وكان ردّ والده المريض بالسرطان ""أين غرفة الإعدام؟ حتى لو شنقته أمام عيني فلن أسمح لابني بالخضوع لمثل هذا الإذلال واللعب بشرفه وشرف عائلته".

توفي والده بعد ذلك، ولم يتمكن داوري من توديعه لمثواه الأخير.

تهمة "إهانة خامنئي" كلفت داوري 3 سنوات سجن، ثم عامين من منعه مغادرة البلاد عبر إلغاء جواز سفره، وعامين يُحرم فيهما من الخدمات الاجتماعية، مثلهما من استخدام مواقع التواصل.

هروب السينما الإيرانية

في ربيع عام 2024، انتشر مقطع فيديو على نطاق عالمي، يظهر فيه المخرج الإيراني المعروف، محمد رسولوف، وهو يسير، على قدميه، في مناطق وعرة. 

يرصد المقطع رسولوف أثناء هروبه من إيران إلى تركيا بعد أن أصدرت السلطات الإيرانية بحقه حكما بالجلد والسجن ثماني سنوات بسبب أعماله السينمائية. 

بعد أيام من هروبه وحصوله على اللجوء في السويد، أطل رسولوف في مهرجان "كان" السينمائي، في حضور حمل رسالة قوية إلى النظام الحاكم في إيران. 

صفق المشاركون في المهرجان طويلا، وبحرارة، للمخرج الإيراني، بعد فوزه بجائزة "لجنة التحكيم" الخاصة، عن فيلمه "بذرة التين المقدس".

واكتسبت تلك اللحظة زخما إضافيا لحقيقة أن رسولوف كان قد صور وأنتج فيلمه الفائز في "كان" داخل إيران قبل هروبه، تحت رقابة مشددة، وملاحقة أمنية، وتهديد دائم بالاعتقال.

يروي الفيلم قصة محقق قضائي كبير في طهران، مخول باستخدام نظام رقابة إلكتروني، يصاب بالرعب وهو يرى الاحتجاجات تتصاعد في أنحاء المدينة، فيشرع في مراقبة زوجته وبناته في المنزل، لأن آراءهن السياسية تختلف عن آرائه.

ظهر الفيلم في وقت كانت فيه إيران تتعرض لانتقادات دولية واسعة لقمعها الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني في عهدة الشرطة عام 2022.

يقول كافيه عباسيان، وهو مخرج وخبير سينمائي إيراني لـ"الحرة" إن رسولوف أنجز فيلمه رغم كل العراقيل والضغوط التي تعرض لها داخل بلده. لكن الضغوط أجبرت عددا كبيرا من السينمائيين الإيرانيين على العزوف عن الإنتاج السينمائي.

إضافة إلى مزاياها  الفنية، تثير الأفلام الإيرانية في الخارج اهتماما كبيرا داخل المهرجانات وخارجها بسبب موضوعاتها التي غالبا ما تثير أسئلة حول الحرية والديمقراطية والاعتقال، ودور الدين في الحياة العامة.

القائمة لا تنتهي

يعتقد  عباسيان أن هروب غالبية العاملين الإيرانيين في قطاع السينما ساهم في جذب الاهتمام بالأفلام الإيرانية في الخارج. 

"برويس سياد، أحد أعظم صانعي الأفلام لدينا هرب من إيران. وعاد غلام علي عرفان إلى البلاد وأنتج بعض الأفلام، مُنعت جميعها. وكذلك رضا لاميزاده، لم يتمكن أيضا من مواصلة مسيرته المهنية فهرب من إيران. وكذلك نصرات حكيمي، وسوزان تسليمي وهي ممثلة إيرانية أيضا، وكثيرون غيرهم. أعني القائمة لا تنتهي".

فريدون جورك، مثل كثير من هؤلاء السينمائيين، اضطر إلى المغادرة عام 2002، بعدما لاحقته السلطات الإيرانية طوال سنوات عمله في السينما داخل إيران. 

يقول جورك لـ"الحرة" إنه قضى أكثر من أربعين عاما يعمل في مختلف المجالات السينمائية في إيران. أخرج حوالي 25 فيلما، لكن أجبرته الاعتقالات والملاحقة المستمرة  له ولزوجته على الهروب من طهران.

"فررنا خوفا من أن نُعتقل مرة أخرى، ولجأنا إلى الولايات المتحدة، نعيش اليوم في لوس أنجلوس ونحاول إظهار بعض جرائم هذا النظام للناس، وشرحها لهم من خلال الصورة. فالصورة دائما تساعد أكثر على إبراز الحقيقة".

من سيئ إلى أسوأ

بدأت معاناة السينمائيين الإيرانيين تتعمق مع انتقال الحكم من الشاه محمد رضا بهلوي إلى روح الله الخميني.

قبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت السينما الإيرانية تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون، وكانت مهمتها الأولى، الإشراف والتدقيق في كل ما ينتجه السينمائيون، يقول جورك.

مع تربع الخميني على سدة الحكم، أصبحت الأمور أكثر سوءا. "فعندما جاء الخميني، كان أول تعليق له عن السينما بمثابة إهانة حقيقية للمجتمع الفني. قال الخميني 'نحن لسنا ضد السينما لكنه ضد الرذيلة'. أهان العاملين في مجال السينما علنا.

بعد هذا التصريح شرع أنصاره بإحراق دور السينما في جميع أنحاء البلاد.

أثناء تحقق فريق "الحرة" من معلومات جورك بشأن تصريح الخميني، وجدنا أنه يعود إلى فترة وجود الخميني في المنفى في فرنسا وقتها، ووجدنا تقريرا نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية عام 1978.

 يبين التقرير أن أول حادث عنف ضد العاملين في السينما  داخل إيران حريق أضرم في دار سينما مزدحمة في مدينة عبادان الإيرانية، وأسفر عن مقتل 377 شخصا على الأقل في واحدة من أسوأ الكوارث من نوعها في تاريخ إيران، بحسب وصف الصحيفة.

قُتل رواد السينما دهسا أو اختناقا أو أُحرقوا أحياء. ويكشف التقرير أن زعماء دينيين متطرفين ألقوا كلمات في تجمعات حاشدة في جميع أنحاء إيران، حثوا فيها الإيرانيين على أداء الصلاة في المساجد بدلا من مشاهدة الأفلام في السينما أو التلفزيون. 

يؤكد فريدون جورك، الذي عايش تلك الأحداث في إيران، أن المحكمة كشفت أن الخميني كان مسؤولا عن الحريق. 

"هذا العمل الشنيع كان من عمل الجمهورية الإسلامية"، يقول. 

الحديث عن الإبداع "سخف"

"منذ الثورة تصاعد العنف ضد العاملين في قطاع السينما،" يقول علي المقدم، وهو مخرج إيراني هرب أيضا من إيران في  أواخر عام 2027، بعد اعتقاله وسجنه عدة مرات. 

يشير المقدم إلى أن الحديث عن الإبداع تحت حكم الجمهورية الإسلامية يصبح سخيفا، لأن السلطات لا تسمح لأحد بالاجتهاد والإبداع. "الحكومة تريد فقط فرض رأيها على كل شيء، وهذا لا يتعلق بالسينما فقط، إنما يتعداه إلى الموسيقى، الكتابة والشعر والنحت".

حتى عام 2023، تجاوز عدد السينمائيين المعتقلين في إيران 150 شخصا، أودت السلطات معظمهم في سجن إيفين، سيء الصيت، الذي أصبح معروفا باسم "سجن الفنانين".

رغم تضييق السلطات على السينمائيين، يعد قطاع السينما داخل إيران من أكثر الصناعات نشاطا، بإنتاج يقارب مئة فيلم سنويا، لكن الغالبية العظمى من ذلك الإنتاج تقع ضمن دائرة البروباغندا الإعلامية. 

يقول المخرج الإيراني كافيه عباسيان لـ"الحرة" إن الحرس الثوري الإسلامي يملك شركة إنتاج تُسمى "المعهد الثقافي"، وهي تنتج، إضافة إلى الأفلام، مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية.

 "لدينا هنا ميليشيا إسلامية للإنتاج الإعلامي، تُوازي الجيش الإيراني، وهم يتفوقون على أي شركة إنتاج خاصة أخرى في إيران" يقول عباسيان، "يدفعون أجورا أعلى بكثير لمحترفي السينما والممثلين لإنتاج أفلامهم، ونتيجة لذلك تبدو أفلامهم رائعة، لكن السينما الإيرانية لها تاريخ طويل".

رغم القمع، واضطرار رسولوف وجورك، وعشرات السينمائيين إلى الهروب من إيران، معهم إبداعاتهم، تتواصل في القرى والمدن الإيرانية إنتاجات السينما المستقلة، و"هذا هو الأهم، هذا هو مستقبل إيران، هذا هو المستقبل الذي يهمنا"، يقول المخرج الإيران كافيه عباسيان لـ"الحرة" من منفاه البريطاني.