كل عمليات الإعدام تقريبا تُنفّذ شنقا وعادة ما لا تكون علنية (AFP)
كل عمليات الإعدام تقريبا تُنفّذ شنقا وعادة ما لا تكون علنية (AFP)

كشفت منظمتان حقوقيتان، الخميس، أن السلطات في إيران أعدمت ما لا يقل عن 975 شخصا خلال العام 2024 في "تصعيد مريع" لتنفيذ عقوبة الإعدام كوسيلة "قمع سياسي" في البلاد.

وقال تقرير صادر عن "المنظمة الإيرانية لحقوق الإنسان" ومقرها في النروج والمنظمة غير الحكومية الفرنسية "معا ضد عقوبة الإعدام" إن عمليات الإعدام التي نفّذت في العام 2024 كانت مرتبطة بجرائم مخدرات أو قتل أو اغتصاب، وبتهم مبهمة أكثر مثل "الإفساد في الأرض" و"التمرد"، ما يسمح باستهداف المعارضين.

ودعا واضعو التقرير الأمم المتحدة خصوصا إلى "وقف تعاونها مع النظام الإيراني" في مجال مكافحة تهريب المخدرات، وهي الحجة التي يستخدمها النظام لتبرير قمعه، وفقا لهم.

في المجموع، أعدمت طهران حتى الآن 10 رجال، من بينهم اثنان عام 2024، بموجب تهم تتعلق باحتجاجات "مرأة، حياة، حرية" الحاشدة التي اندلعت في سبتمبر 2022، بعد وفاة الشابة مهسا أميني بعد توقيفها للاشتباه بأنها انتهكت قواعد اللباس الصارمة المفروضة على المرأة في إيران.

وأُعدم محمد غوبادلو (23 عاما) وغلام رضا رسايي (34 عاما)، في يناير وأغسطس 2024، تواليا، الأول بتهمة قتل شرطي والثاني بتهمة قتل أحد أفراد الحرس الثوري خلال احتجاجات 2022، بعد محاكمات شابتها مخالفات، وفقا لمجموعات حقوقية.

وتُنفّذ كل عمليات الإعدام تقريبا شنقا، وعادة ما لا تكون علنية، في السجون التي يُحتجز فيها السجناء، إلا أن بعضها تنفّذ علنا.

ويحرم المدانون بانتظام من التواصل مع محاميهم، كما ذكر التقرير الذي أشار أيضا إلى استخدام "منهجي" للتعذيب الجسدي والنفسي للحصول على اعترافات يستند إليها القضاة معظم الأحيان لإدانتهم.

واليوم، ينتظر ما لا يقل عن 13 ناشطا من حركة "مرأة، حياة، حرية" في إيران تنفيذ حكم الإعدام في حقهم، وفق تقرير المنظمتين غير الحكوميتين.

كذلك، ثمة عدد كبير من أفراد الأقليات العرقية، ولا سيما البلوش والأكراد، بين المحكوم عليهم بالإعدام، مثل بخشان عزيزي وفاريشة مرادي، وهما ناشطتان كرديتان في مجال الدفاع عن حقوق المرأة تواجهان خطر الإعدام، وفق المنظمتين.

ورأت المنظمتان " أن هذا العدد "صادم للغاية" والأعلى منذ بدء هذا التعداد في 2008. ويرجح أن يكون العدد أكبر إذ لم يعلن عن معظم عمليات الإعدام (90 %).

ولم تُضمّن حوالى 40 حالة إعدام مفترضة في التقرير، لتعذر جمع المعلومات الكافية، على ما أوضح واضعو التقرير.

ودانت وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، هذه الإعدامات "بأشد العبارات"، ووصفتها بأنها "ترمز إلى القمع الممارس بلا هوادة ضد كل من يجرؤ على التعبير عن التطلعات المشروعة للشعب الإيراني من أجل الحرية"، داعية إلى وقفها.

وقال مدير "المنظمة الإيرانية لحقوق الإنسان" محمود العامري مقدم "يمثل الشعب الإيراني (...) أكبر تهديد للنظام، وتبقى عقوبة الإعدام أقوى أدواته للقمع السياسي"، مع تنفيذ ما يصل إلى 5 إلى 6 عمليات إعدام يوميا في البلاد.

وأضاف أن "هذه الإعدامات جزء من حرب تشنها الجمهورية الإيرانية على شعبها للمحافظة على سطوتها على السلطة" التي هزتها تظاهرات شعبية واسعة في 2022 و2023 أدت إلى موجة توقيفات في البلاد.

وقال محمود العامري مقدم خلال مؤتمر صحافي في باريس الخميس، إن وتيرة عمليات الإعدام تسارعت بشكل كبير في النصف الثاني من العام 2024، مع ما يصل إلى 5 إلى 6 عمليات شنق يوميا، فيما تستغل السلطات حقيقة أن الاهتمام الدولي يركز على "التوترات المتزايدة بين إيران وإسرائيل".

وبين الـ975 الذين أعدموا في 2024، ما يشكل زيادة نسبتها 17% مقارنة بالعام 2023، 31 امرأة وأربعة أشخاص شنقوا علنا على ما جاء في التقرير.

كذلك، نفّذت أحكام إعدام بمتّهمين كانوا قاصرين وقت ارتكاب الجريمة، بحسب التقرير، ومن بينهم مهدي جهانبور الذي كان يبلغ 16 عاما عندما حكم عليه بعد إدانته بتهمة القتل وأمضى سنوات عدة في السجن، والذي أعدم عن 22 عاما في سبتمبر 2024.

وأضاف العامري مقدم أن الأشخاص الذين أُعدموا "ينتمون إلى أكثر الطبقات تهميشا في المجتمع" الذين يواجهون "نظاما إيرانيا فاسدا للغاية". وتابع "يتم شنق الفقراء، لكن إذا كان لديك ما يكفي من المال، فيمكنك تجنب عقوبة الإعدام".

وتُعد عقوبة الإعدام أداة أساسية في النظام القضائي الإيراني القائم على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وتنفذ إيران ثاني أكبر عدد من عمليات الإعدام على مستوى العالم سنويا بعد الصين، بحسب مجموعات حقوقية بينها منظمة العفو الدولية.

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟