صورة تعبيرية من برنامج "بلايند دايت" إيراني سابق حُظر العام الماضي 2024
صورة من برنامج "بلايند دايت" إيراني سابق حُظر العام الماضي 2024

أعلنت السلطات الإيرانية الاثنين استدعاء واعتقال 15 شخصاً من منظمّي "المواعيد الغرامية العمياء" عبر الإنترنت، خلال الأيام الماضية.

وقال  رئيس شرطة الأمن العام (فراجا)، مجيد فايز جعفري، إنهم اتخذوا هذا الإجراء بسبب استياء عدد من العائلات التي رأت في التعارف الإلكتروني "ضررا اجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا" قد ينجم عن العلاقات.

وأضاف "تم إجراء تحقيقات معلوماتية شاملة ورصد دقيق في هذا المجال"، وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام إيرانية.

وفي الأيام الثلاثة الماضية، قال جعفري إنه تم استدعاء المنظمين أو اعتقالهم أو توجيه تحذير إليهم بالتنسيق مع السلطات القضائية.


وبحسب موقع "كونين سايتون" النمساوي، فإن المستهدفين في التحقيق والاعتقال، كانوا مسؤولين عن صفحة "vinyvidz" على إنستغرام.

كانت الصفحة تقدم عرضا إيرانيا للمواعدة يتوسط فيه شخص بين رجل وامرأة لا يعرفان بعضهما البعض، ووفي نهاية كل حلقة، يقيّم المشاركون والمشاركات بعضهم، فإما يتواعدان أو يفترقان.

بالبحث عن الصفحة، وجدت "الحرة" أن جميع المحتوى تم حذفه وتغيير الصورة الرئيسية للصفحة التي يتابعها أكثر من مليون و200 ألف شخص.

ولم يبق فيها سوى منشور واحد يقول إن الصفحة أغلقت بقرار قضائي، مرفقاً بشعار الشرطة الإيرانية.

وما جرى قبل أيام، حدث بالفعل لنفس الصفحة في أبريل 2024، التي تقدم برنامجاً موازياً للنسخ الأجنبية والعربية "Blind date" ويُبثّ عبر شبكة "نتفليكس" الأميركية.

وعلى ما يبدو تمكن المستخدمون من الوصول مجددا للصفحة وتفعيلها، قبل أن تغلق قبل أربعة أيام.

واكتسب "Blind Date" شعبية كبيرة داخل إيران، حيث جذب ملايين المشاهدين إلى حلقاته على "YouTube".

وسلط نجاحه الضوء على كيفية عرض مدوني الفيديو الإيرانيين لأسلوب حياة الجيل الجديد في البلاد على الرغم من أنه يصطدم بالقيادة الإسلامية المحافظة، وفق تقرير لراديو أوروبا الحرة.

ولطالما واجهت إيران انتقادات بسبب القيود الواسعة التي تفرضها على الإنترنت، حيث يعتمد العديد من المواطنين على الشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) للوصول إلى المحتوى المحظور، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتويتر وإنستغرام.

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟