الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (يمين الصورة) رفقة ظريف
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (يمين الصورة) رفقة ظريف

خلال حفل ثقافي بمدينة طهران فبراير الماضي، عوّل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في خطابه على الوحدة والوفاق الوطني لتجاوز التحديّات والأعداء.

كان واثقاً جداً من مشروعه الوطني، حتى يومي الأحد والاثنين، عندما شهدت البلاد إقالة واستقالة.

الأولى، حين صوت البرلمان بالأغلبية لحجب الثقة عن وزير الاقتصاد عبد الناصر همتي.

والثانية، عندما قدم محمد جواد ظريف استقالته من منصب مساعد الرئيس في الشؤون الإستراتيجية.

العديد من وسائل الإعلام الإيرانية داخل وخارج البلد ربطت بين الحدثين، بينما قالت وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري، المصنف منظمة إرهابية، إنه لا علاقة بينهما.

الوفاق والمفاوضات.. وداعاً؟

انقسمت الآراء بين تيّار إصلاحي مؤيد لحكومة بزشكيان ورؤيته في العلاقات الدولية، وتيار محافظ مناوئ.

بعضها نظر للإقالة والاستقال باعتبارهما مسماراً أول في نعش "الوفاق الوطني"، فيما استغلّهما نوّاب للمطالبة بإقالة مسؤولين آخرين في الحكومة التي.

الحكومة تشكلت قبل 6 أشهر فقط.

كما ظهرت عبارة "تصفية حسابات" في المشهد الإيراني، لتوصيف ما يحدث.

وفي عددها الصادر الاثنين، انتقدت صحيفة "هم ميهن" عزل الوزير همتي باعتباره نهاية لمشروع الوفاق الوطني.

ووصفت ما حدث بـ"موت الوفاق" و"ذبح الوزير" في عناوينها الرئيسة.

وأكدت عبر تصريحات ناقدة لحجب الثقة عن همتي، أن هذه الخطوة لن تعود بالفائدة على المواطنين بل قد يحدث العكس، يصبح الوضع "أسوأ".

ونقل موقع "إيران إنترناشونال" خلال جولة في صحف إيران الاثنين، عن صحيفة "كيهان" القريبة من المرشد الأعلى بغيران علي خامنئي، قولها إن عزل همتي "مساعدة" من البرلمان للحكومة من أجل إصلاح الاقتصاد.

في الوقت نفسه، عدّت منتقدي إقالة همتي بـ"الإصلاحيين المتطرفين".

وقالت "كيهان" إن إقالة همتي كانت "ضرورية" لكنها "غير كافية". وعلى بزكشيان أن "يتعلم الدرس" ويجري تغييرا في نهج الحكومة الاقتصادي.

نائب الرئيس الإيراني يكشف السبب وراء استقالته
قال مساعد الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، محمد جواد ظريف، الاثنين، إنه استقال من منصبه بناء على نصيحة من رئيس السلطة القضائية من أجل المساعدة فى تخفيف الضغوط على إدارة الرئيس مسعود بزشكيان" في أول تعليق له بعد تقديم استقالته من منصبه.

أما المحور الثاني لتباين الآراء، فهو الموقف من الولايات المتحدة والغرب.

وقد عرف بزشكيان عبر رؤيته وخطاباته الأولى بأنه يتجه نحو تغيير في السياسة الخارجية الإيرانية، قبل أن يصطدم بتيار المحافظين، على رأسهم خامنئي.

هؤلاء أنفسهم الذين رفضوا وجود جواد ظريف منذ البداية، لأن أبناءه يحملون الجنسية الأميركية.

ولا يريدون أي شكل من التقارب بين إيران والولايات المتحدة، باعتباره "انصياعاً" للضغوطات.

ووصف بعض النوّاب والسياسيين الذين عارضوا وجود ظريف في حكومة بزشكيان، أنه استقالته "غير قانونية" لأن وجوده في حكومة بزشكيان أساساً "غير قانوني".

السبب هو قانون صدر عام 2022 ينظم التعيينات في المناصب الحساسة، حيث يرى منتقدوه أن حمل أبنائه الجنسية الأميركية يقع في هذا الصدد.

وقد حصل أبناؤه عليها لأنهم ولدوا هناك أثناء دراسته في الولايات المتحدة ثمانينيات القرن الماضي.

وفي لقاء مع إذاعة "أوروبا الحرة"، قال المحلل السياسي المقيم في تركيا، روح الله رحيمبور "مع رحيل ظريف من الحكومة، يمكننا اعتبار احتمال إجراء مفاوضات مع أميركا ورفع العقوبات قد انتهى تماما".

وكان ظريف أعلن استقالته عبر منصّة إكس، بقوله إنه "تلقى نصيحة" من رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، بالعودة للعمل الأكاديمي "كي يتجنب المزيد من الضغط الواقع على الحكومة".

وشغل ظريف منصب وزير الخارجية خلال رئاسة حسن روحاني وكان له دور أساسي في إبرام الاتفاق النووي عام 2015.

وانسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى (2018).

وخلال جلسة استجواب همتي، أمس الأحد، صرح بزشكيان للنواب أنه كان يرغب في بدء حوار مع الإدارة الأميركية، لكنه غيّر رأيه بعد معارضة المرشد الأعلى.

همتي أيضا من المؤيدين للمحادثات مع الولايات المتحدة.

وبعد المشادة بين ترامب والرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، استخدم العديد من مناهضي المفاوضات ما حصل لتدعيم موقفهم.

واعتبروا أن جلسة بين بزشكيان وترامب، قد تلقى ذات المصير.

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.