جانب من مفاعل نووي جنوب العاصمة الإيرانية طهران
جانب من مفاعل نووي جنوب العاصمة الإيرانية طهران

قال مراقبون إن الرسالة الأميركية التي وجهها الرئيس، دونالد ترامب، الأسبوع الماضي إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تمثل خطوة حاسمة في الضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي.

وحددت الرسالة مهلة شهرين للتوصل إلى اتفاق جديد، مع تحذير من عواقب وخيمة إذا استمرت إيران في تطوير برنامجها النووي.

وفي مقابلة خاصة مع قناة "الحرة"، توقع نورمان رول، المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية، والمستشار الأول لمنظمة "متحدون ضد إيران النووية" أن تدرس إيران بعناية هذه الرسالة.

 وأشار إلى أن طهران ستواجه تحديات في الموازنة بين استجابتها للضغط الأميركي مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وأوضح رول، أن الرسالة الأميركية والرد الإيراني تكشف الكثير من التفاصيل عن موقف طهران. فإيران ستواصل تحدّي التهديدات الأميركية، لكن من جهة أخرى قد تكون راغبة في التفاوض بهدف تقليل تبعات العقوبات أو لتفادي رد عسكري ضدها.

وأفاد موقع "أكسيوس" نقلا عن مسؤول أميركي ومصدرين مطلعين على الرسالة، بأن البرنامج النووي الإيراني شهد تقدما خلال السنوات الأربع الماضية، وأصبح أقرب من أي وقت مضى لإنتاج سلاح نووي.

وأضاف الموقع أن مخزون طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يكفي لصنع ست قنابل نووية إذا تم تخصيبه إلى 90%، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، إن إيران ستدرس "الفرص" كما ستدرس التهديدات الواردة في رسالة الرئيس ترامب، في وقت رفض خامنئي الرسالة، وقال إن مطالب ترامب "ستضيق خناق العقوبات على إيران وتزيد الضغط عليها".

يقول رول، في حديث لقناة "الحرة" إن الرئيس ترامب كان قد عبّر بوضوح عن اعتراضه على اتفاقية إيران النووية لعام 2015، والتي وصفها بأنها تحتوي على العديد من الثغرات.

وأضاف أن الموقف الأميركي لم يتغير، حيث كان الهدف منذ البداية هو الضغط على إيران، وهو ما أثمر في النهاية من خلال إجبار طهران على التفاوض. في ذلك العام.

أما بالنسبة لإدارة ترامب الحالية، يذكر رول، فهي تواصل سياسة "الضغوط القصوى"، وقد تجسّد هذا الموقف مؤخرًا في فرض مزيد من العقوبات على الشركات الصينية المتورطة في استيراد النفط الإيراني. رول أشار إلى أن هذه العقوبات سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الإيراني وعملتها الوطنية.

قبل تسليمها إلى الإيرانيين، أطلع البيت الأبيض حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل والسعودية والإمارات، على محتوى الرسالة.

وقال ترامب الاثنين إن الولايات المتحدة ستعتبر أي هجمات أخرى من الحوثيين في اليمن صادرة عن إيران وهدد الحكومة الإيرانية بـ"عواقب وخيمة".

وفي منشور على "تروث سوشال" الأربعاء، قال ترامب إنه توجد تقارير تفيد بأن إيران تخفض دعمها العسكري للحوثيين، لكن "هم لا يزالون يرسلون كميات كبيرة من الإمدادات". وأعاد تأكيد دعوته لإيران لوقف تزويد الحوثيين.

ويقول رول، في حديثه لقناة الحرة" أن إيران قد تكون مستعدة لتقليص بعض مطالبها المتعلقة بالبرنامج النووي أو الدعم العسكري الذي تقدمه للميليشيات المنتشرة في المنطقة.

وأشار إلى أن رسالة الرئيس ترامب تسعى لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو تقليص البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، والثاني هو منع إيران من استمرار دعمها للميليشيات الإقليمية.

على الجانب الآخر، أكد رول أن إيران ستتحدى هذه العقوبات علنًا، لكنها في الوقت ذاته سترسل إشارات إلى الدول الأوروبية بشأن رغبتها في التفاوض مع الولايات المتحدة.

قال مستشار الأمن القومي لترامب، مايك والتز، الأحد إن إيران بحاجة إلى "تسليم والتخلي عن" جميع عناصر برنامجها النووي، بما في ذلك الصواريخ، وتعبئة الأسلحة، وتخصيب اليورانيوم، "أو يمكنهم مواجهة سلسلة من العواقب الأخرى"، وأضاف، "لقد تم عرض طريقة للخروج من هذا المأزق على إيران".

يتوقع رول أن يتسم هذا "التحدي" الإيراني بالتصريحات العلنية والبيانات الرسمية، لكن في القنوات السرية، ستسعى طهران للتفاوض بشرط أن تضمن لنفسها نفوذًا إقليميًا، بما في ذلك الحفاظ على قوة "فيلق القدس".

في المقابل، أضاف رول أن إدارة الرئيس ترامب سترفض أي محاولة من إيران لاستخدام التخفيف المحتمل للعقوبات في دعم الميليشيات الإقليمية مثل جماعتي الحوثي وحزب الله، المصنفتين على قائمة الإرهاب.

وقال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إنه لا يدعم المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن بعد عدة ساعات، أصدرت البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة بيانًا على منصة "إكس" ولم تستبعد إمكانية المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حول البرنامج النووي.

"إذا كان الهدف من المفاوضات هو معالجة المخاوف بشأن أي عسكرة محتملة للبرنامج النووي الإيراني، فقد تخضع هذه المناقشات للاعتبار"، قال البيان.

وأضافت البعثة الإيرانية أنه إذا كان الهدف من المحادثات هو "تفكيك البرنامج النووي السلمي الإيراني للادعاء بأن ما فشل أوباما في تحقيقه قد تحقق الآن، فإن هذه المفاوضات لن تتم أبدًا".

ونقلت رويترز عن مصدر "مطلع"، الخميس، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان محادثات عالية المستوى بشأن البرنامج النووي الإيراني في البيت الأبيض مطلع الأسبوع.

الشرع وإسرائيل

مع أن الخريف يحمل أحيانا مسحة من الكآبة، كان بالإمكان ملاحظة ابتسامات خفيفة على وجوه الرجال الثلاثة في الصور المؤرخة في الثالث من يناير من العام ٢٠٠٠. 

تجمع الصور فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك في عهد حافظ الأسد، ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، يتوسطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون. 

يسير الثلاثة على ما يبدو أنه جسر حديدي في غابة مليئة بالأشجار التي تتخلى للخريف عن آخر أوراقها اليابسة في ولاية ويست فرجينيا الأميركية. كان كلينتون يحاول أن يعبر بالطرفين من ضفة إلى أخرى، من الحرب المستمرة منذ عقود، إلى سلام أراده أن يكون "عادلاً وشاملاً".

كانت تلك الورقة الأخيرة المترنحة في شجرة مفاوضات طويلة ومتقطّعة بين إسرائيل وسوريا، استمرت طوال فترة التسعينيات في مناسبات مختلفة. لكن خريف العلاقات بين الطرفين كان قد حلّ، وسقطت الورقة، وتباطأت في سقوطها "الحر" حتى ارتطمت بالأرض. 

كان ذلك آخر لقاء علني مباشر بين مسؤولين سوريين ومسؤولين إسرائيليين على هذا المستوى. لم تفض المفاوضات إلى شيء، وتعرقلت أكثر فأكثر احتمالاتها في السنوات اللاحقة بعد وراثة بشار الأسد رئاسة سوريا عن أبيه الذي توفي في حزيران من العام ٢٠٠٠. 

وفشلت جميع المبادرات الأميركية والتركية بين الأعوام ٢٠٠٠ و٢٠١١ لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات المباشرة، مع حدوث بعض المحادثات غير المباشرة في إسطنبول في العام ٢٠٠٨، وكان بشار الأسد يجنح شيئاً فشيئا إلى الارتماء تماماً في الحضن الإيراني.

كان الربيع العربي في العام ٢٠١١ أقسى على بشار الأسد من خريف المفاوضات التي خاضها والده في خريف عمره. وإذا كان موت حافظ الأسد شكّل ضربة قاسمة لاحتمالات التسوية السورية- الإسرائيلية، فإن الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر من العام ٢٠٢٤، أعادت على ما يبدو عقارب الزمن ٢٤ عاماً إلى الوراء، لكن هذه المرة مع شرع آخر هو أحمد الشرع. 

ومع أن الرئيس السوري، المتحدر من هضبة الجولان، قد يبدو لوهلة أكثر تشدداً من الأسد، إلا أن الرجل يبدو أنه يخطو بخطوات سريعة نحو تسوية مع إسرائيل تكون استكمالاً لاتفاقيات أبراهام التي عقدتها إسرائيل برعاية أميركية مع دول خليجية.

الرئيس السوري قال بشكل صريح للنائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي، مارلين ستوتزمان، إنه مستعد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. 

وقال ستوتزمان في مقابلة حصرية مع صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن الشرع أعرب عن انفتاحه على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما قد يعزز مكانة سوريا مع إسرائيل ودول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضايا مثل التوغل الإسرائيلي بالقرب من مرتفعات الجولان.

لم يتلق السوريون تصريحات الشرع بصدمة او استغراب. بل على العكس فإن تصريحات الشرع، كما يقول المحلل السياسي مصطفى المقداد، لم تكن مفاجئة للشارع السوري، "فهو منذ وصوله إلى الحكم قام بإرسال إشارات إلى أنه يرغب بأحسن العلاقات مع جميع جيران سوريا، وقد أبدى استعداده للتنازل عن أمور كثيرة، بهدف تأمين استقرار سوريا ووحدتها". 

وينقل مراسل موقع "الحرة" في دمشق حنا هوشان أجواءً عن أن السوريين بمعظمهم، يرغبون بالسلام وتعبوا من الحروب، ولن يمانعوا عودة المفاوضات تحت قيادة الشرع لسوريا.

المقداد رأى في حديث مع "الحرة" أن الجديد والمهم في تصريحات الشرع المنقولة عنه، أنها تصدر بعد تشكيل الحكومة السورية وفي وقت يرفع وزير خارجيته، أسعد الشيباني، علم سوريا في الأمم المتحدة. ويرى المقداد أن المشكلة لا تكمن في الجانب السوري ولا في شخص الشرع، بل "تكمن في الجانب المقابل الذي لا يبدي رغبة حقيقية في قبول هذه المبادرات".

والجمعة، قال الشيباني في الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل".

تصريحات الشرع قد يكون لها الأثر الأبرز في الأيام المقبلة على النقاشات بين دروز سوريا على الحدود مع هضبة الجولان، المنقسمين حول العلاقة مع إسرائيل وحول العلاقة بحكومة الشرع، مع ما يحمله ذلك من مخاوف يعبّر عنها رموز الطائفة، تارة من الاندماج مع حكومة الشرع، وطوراً بالانفصال والانضمام إلى إسرائيل. 

وتأتي تصريحات الشرع حول التطبيع لتفتح الباب لخيار ثالث درزي، قد يبدد المخاوف، لكن ليس هناك ما يضمن ألا يعزّزها.

بين ديسمبر من العام ٢٠٠٠، وأبريل من العام ٢٠٢٥، يقع ربع قرن، توقفت فيه عجلة المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة. وبين الشرعين -فاروق الشرع وأحمد الشرع- تحمل التطورات احتمالات إنعاش المفاوضات وعودتها إلى الطاولة مع تبدلات جذرية في الظروف وفي اللاعبين. فهل "تزهر" المفاوضات في ربيع العام ٢٠٢٥، بعد أن يبست ورقتها وتساقطت في خريف العام ٢٠٠٠؟