خلال تظاهرات ضد الفساد في بغداد
خلال تظاهرات ضد الفساد في بغداد

انتهى عام 2017 بإعلان العراق انتصاره على تنظيم داعش، لكنه سيطر على الكثير من الأراضي المدمرة والركام المتداعي، مواجها أزمة النازحين الذين فروا من بيوتهم بعد احتلال داعش أراضيهم.

عائدون

في الرابع من كانون الثاني/ يناير 2018، كشفت المنظمة الدولية للهجرة عن عودة 3.22 ملايين نازح إلى منازلهم مع نهاية 2017 وبالتزامن مع إعلان السلطات العراقية طرد داعش من كافة الأراضي العراقية، في حين أن هناك 2.61 مليون لا يزالون نازحين.

وكان نحو ستة ملايين، أي زهاء 15 في المئة من السكان غادروا منازلهم ولجأوا إلى مناطق أخرى منذ هجوم الإرهابيين عام 2014، وسيطر على ثلث الأراضي العراقية.

وحسب المنظمة، فإن أقل من نصف مليون نازح عادوا إلى منازلهم في نهاية 2015، وفي 2017 عاد 1,85 مليون نازح.

وفي مطلع أيلول/ سبتمبر 2018، كانت سجلات المنظمة الدولية للهجرة تؤكد وجود أقل من مليوني نازح بقليل، وهو أدنى مستوى منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2014.

ويعاني النازحون الذين عادوا إلى ديارهم، كما جميع العراقيين، من بنى تحتية متداعية أو غير موجودة.

فالنقص المزمن في الكهرباء والماء يزيد من صعوبات الأسر وخصوصا تلك التي تعتاش من الزراعة.

ملاحقة داعش.. القائمة الأولى

في الرابع من شباط/فبراير 2018، نشرت السلطات العراقية للمرة الأولى، أسماء 60 شخصا من أهم المطلوبين أمنيا بسبب انتمائهم لتنظيمات داعش والقاعدة وحزب البعث الذي كان يرأسه الدكتاتور السابق صدام حسين الذي ظهرت اسم ابنته رغد في هذه القائمة.

وتضمنت القائمة الأولى، 28 من كوادر داعش، و12 من قادة تنظيم القاعدة، و20 من قادة حزب البعث المنحل، إضافة إلى مناصبهم داخل التنظيمات، وبعضهم نشرت صورهم.

ولم يدرج في هذه اللائحة اسم زعيم داعش "أبو بكر البغدادي"، لكن السلطات نشرت قائمة جديدة بـ14 اسما جديدا كان هو على رأسها، ثم نائبه والرجل الثاني في التنظيم عبد الرحمن مصطفى القادولي، المعروف بـ "أبو علاء العفري".

وضمت هذه القائمة تسعة عراقيين وخمسة من جنسيات عربية هم سعوديان وقطري وأردني ويمني.

إعمار العراق.. من الكويت

في الرابع عشر من شباط/فبراير 2018، حصل العراق في مؤتمر المانحين في الكويت على التزامات بقيمة 30 مليار دولار من حلفائه للنهوض مجددا بالبنية التحتية التي تعاني من الضعف الشديد.

وكان هذا المبلغ "نتج عن زخم واسع من مشاركة 76 دولة ومنظمة إقليمية ودولية و51 من الصناديق التنموية ومؤسسات مالية إقليمية ودولية و107 منظمة محلية وإقليمية ودولية من المنظمات غير الحكومية و1850 جهة مختصة من ممثلي القطاع الخاص".

وأعلنت الكويت أنها ستقدم للعراق مليار دولار على شكل قروض وستقوم باستثمار مليار دولار آخر للمساهمة في إعادة إعمار البلد الجار.

لكن بغداد كانت تأمل في الحصول من هذا المؤتمر على مساهمات مالية بنحو 88 مليار دولار.

مصادرة ممتلكات صدام حسين

في الخامس من آذار/ مارس 2018، أعلنت هيئة المساءلة والعدالة العراقية حجز ومصادرة الأملاك والأموال المنقولة وغير المنقولة للرئيس العراقي السابق صدام حسين وأكثر من أربعة آلاف من أقاربه وأركان نظامه السابق.

وجاء في بيان رسمي "أنجزت الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة الإثنين تدقيق أسماء المشمولين بالقانون الخاص بحجز ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لأركان النظام السابق، وبلغ عدد المشمولين 4257 شخصا".

وشمل قرار الهيئة المكلفة اجتثاث نظام البعث السابق، الرئيس السابق صدام حسين المجيد الذي أعدم في 2006، إضافة إلى أولاده وأحفاده واقربائه حتى الدرجة الثانية، ووكلائهم ممن أجروا نقل ملكية الأموال المشار إليها في هذا القانون بموجب وكالاتهم.

وينص القرار على أن تحال الأموال لوزارة المالية.

كما شمل هذا القرار جميع المحافظين ومن كان بدرجة عضو فرع فما فوق في حزب البعث المنحل، ومن كان برتبة عميد في الأجهزة الأمنية للنظام السابق كجهاز المخابرات والأمن الخاص والأمن العسكري والأمن العام وفدائيي صدام، وفقا للبيان.

رفع الحظر عن كردستان

في 13 آذار/ مارس 2018، قرر رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي إعادة فتح مطاري أربيل والسليمانية في كردستان أمام الرحلات الدولية، بعد ستة أشهر من الحظر، وبعد موافقة حكومة الإقليم على إخضاعهما لسلطة الحكومة الاتحادية.

وكانت الحكومة العراقية قد فرضت نهاية أيلول/سبتمبر 2017 حظرا على الرحلات الدولية من وإلى مطاري الإقليم (أربيل والسليمانية)، إضافة إلى غلق المنافذ الحدودية البرية في الإقليم، بعد أيام من استفتاء حول مستقبل كردستان اعتبرته بغداد غير قانوني، وهو ما أدى إلى خسارة الإقليم موارد نفطية كانت تحت سيطرته في تلك المحافظة.

وأكدت بغداد استعادة سيطرتها على جوازات السفر وتصاريح الإقامة في كردستان، إضافة إلى الرسوم الجمركية وعائدات الجمارك.

أخيرا.. عودة المباريات الدولية

بعد عقود من الانتظار، عاش العراق لحظة تاريخية مساء الجمعة 16 آذار/ مارس 2017، عندما سمح له الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باستضافة مباريات دولية رسمية بعد حظر استمر لأعوام.

وأعلن رئيس الفيفا جاني إنفانتينو السماح باستضافة العراق للمباريات الرسمية في مدن البصرة وكربلاء الجنوبيتين، وأربيل مركز إقليم كردستان الشمالي، في خطوة انتظرها العراقيون منذ فترة طويلة، وعملوا بجهد للوصول إليها في الأشهر الماضية.

وحظيت الجهود العراقية بدعم الاتحاد الآسيوي ولا سيما رئيسه البحريني الشيخ سلمان بن ابراهيم آل خليفة الذي زار في شباط/فبراير مدينة البصرة، لمتابعة مباراة ودية تاريخية استضاف فيها المنتخب العراقي نظيره السعودي، كانت الأولى للمنتخب الأخضر في العراق منذ 1979.

أولى الضربات في سوريا

في 19 نيسان/أبريل 2018، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن القوات الجوية العراقية شنت غارات على مواقع لتنظيم "داعش" في سوريا قرب الحدود العراقية.

وقال بيان صدر حينها إن الضربات كانت تهدف إلى التسريع في القضاء على التنظيم، بعد القضاء عليه في العراق.

الانتخابات للمرة الرابعة

في 12 أيار/ مايو 2018، توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان في رابع انتخابات تشريعية تشهدها البلاد منذ سقوط النظام السابق عام 2003.

وخاض السباق نحو سبعة آلاف مرشح للفوز بـ329 مقعدا في البرلمان العراقي.

مقاطعة الانتخابات

في 13 أيار/ مايو 2018 كشفت المفوضية العامة للانتخابات أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية بلغت 44,52 في المئة من أصل نحو 24,5 مليون ناخب فقط أدلوا بأصواتهم لاختيار ممثليهم في مجلس النواب.

وتعد هذه النسبة الأدنى منذ سقوط نظام صدام حسن عام 2003، إذ سجلت انتخابات عام 2005 مشاركة بنسبة 79 في المئة، و62,4 في المئة عام 2010، و60 في المئة عام 2014.

وعزا المراقبون عزوف العراقيين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع في أول اقتراع تشريعي بعد دحر تنظيم داعش، إلى إحجام الناخبين عن تجديد الثقة بالطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد وإنكار الوعود منذ 15 عاما.

حريق صناديق انتخابية

في العاشر من حزيران/ يونيو 2018، أتى حريق ضخم على أكبر مخازن صناديق الاقتراع الواقعة في الرصافة بالجانب الشرقي من العاصمة بغداد.

ولم تحدد السلطات أسباب اندلاع الحريق، لكنه جاء بعد قرار البرلمان إعادة العد والفرز لأكثر من 10 ملايين صوت بشكل يدوي، إثر مزاعم عن حصول عمليات تزوير كبيرة خلال الانتخابات التشريعية التي أعلن فيها فوز تحالف "سائرون" الذي يقوده الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

إعدام

بعد يوم من قرار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي القاضي بالتنفيذ الفوري لأحكام الإعدام الصادرة بحق "إرهابيين"، وبالتحديد في 29 حزيران/ يونيو، نفذت السلطات العراقية حكم الإعدام بحق 13 إرهابيا مدانا، بعد العثور على جثث ثمانية عراقيين كان خطفهم داعش وظهروا في تسجيل للتنظيم هدد فيه بقتلهم ما لم تطلق بغداد سراح "المعتقلات من أهل السنة".

وأعدمت السلطات العراقية شنقا 111 شخصا على الأقل في 2017، وفي 2018 بلغت حصيلة الإعدامات 44 مدانا.

وبحسب المصادر القضائية فقد صدرت أحكام بالإعدام بحق أكثر من 300 شخص، بينهم نحو مئة أجنبي، كما صدر عدد مماثل من الأحكام بالسجن مدى الحياة لمدانين بالالتحاق بداعش الذي سيطر في 2014 على نحو ثلث مساحة العراق.

وتنتقد منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان كثرة أحكام الإعدام التي تصدرها محاكم مكافحة الإرهاب في العراق بشكل شبه يومي.

اندلاع المظاهرات

في الثامن من تموز/يوليو 2018، اندلعت المظاهرات في محافظات العراق الجنوبية الغنية بالنفط احتجاجا على البطالة وتردي الخدمات وانتشار الفساد ونقص الخدمات، وذلك بعد إصابة الآلاف بالتسمم من المياه الملوثة.

وامتدت التظاهرات إلى مدن أخرى في جنوب البلاد، ثم امتدت إلى العاصمة بغداد، وهاجم المتظاهرون مقر القنصلية الإيرانية في البصرة، ومقار الأحزاب الشيعية في المحافظة، وعددا من المباني الحكومية.

وخلال أسبوعين قتل 14 شخصا في مدن متفرقة من البلاد، بحسب ما قال مسؤول في مفوضية حقوق الانسان العراقية.

اقرأ أيضا: احتجاجات البصرة.. بالصور

انتخاب رئاسة البرلمان

بعد شلل سياسي لأكثر من أربعة أشهر، وبالتحديد في 15 أيلول/ سبتمبر، انتخب النواب محافظ الأنبار السابق محمد الحلبوسي، رئيسا لمجلس النواب، والذي كان مدعوما من تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري المقرب من إيران.

وبعيد ذلك، انتخب المجلس نائبا أولا للحلبوسي، هو حسن كريم، مرشح ائتلاف "سائرون"، والقائمقام السابق لمدينة الصدر.

اغتيالات أرعبت الشارع

خلال أسابيع قليلة في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2018، لقيت أربع نساء شهيرات حتفهن في العراق، اثنتان منهن على الأقل اغتيلتا برصاص مسلحين أمام كاميرات مراقبة.

كانت أبرزهن عارضة الأزياء تاره فارس (22 عاما) التي أثار اغتيالها في 27 أيلول/ سبتمبر جدلا فاق الجدل الذي كانت تثيره صورها الجريئة، إذ كان يتابعها أكثر من مليونين ونصف المليون على صفحتها في تطبيق إنستغرام.

قبل تاره فارس، وتحديدا في آب/أغسطس الماضي، لقيت مديرتا أبرز مركزي تجميل في بغداد حتفيهما بفارق أسبوع تماما. الأولى هي رفيف الياسري، الملقبة بـ"باربي" نسبة إلى اسم مركزها، والثانية هي رشا الحسن، صاحبة مركز "فيولا" التجميلي.

وقبل يومين من اغتيال فارس، تلقت الناشطة في مجال حقوق المرأة سعاد العلي رصاصات عدة في جسدها وهي تهم بالصعود إلى سيارتها في مدينة البصرة النفطية في جنوب البلاد.

رئيس ورئيس وزراء جديدين

في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2018، انتخب البرلمان العراقي المرشح الكردي الأكثر قبولا لدى بغداد برهم صالح (58 عاما)، رئيسا للجمهورية العراقية، وهو منصب فخري مخصص للأكراد منذ عام 2005، وشهد للمرة الأولى منافسة شرسة بين قطبي السياسة الكردية.

وبعد أقلّ من ساعتين من انتخابه، كلف صالح، النائب السابق لرئيس الجمهورية عادل عبد المهدي تشكيل الحكومة العراقية

وكان عبد المهدي (76 عاما)، في السابق مسؤولا في أحد الأحزاب المقربة من إيران، واعتبره البعض مقبولا لدى الولايات المتحدة، ما يجعله قادرا على الإمساك بالعصا من المنتصف في بلد يجد نفسه في خضم التوتر بين واشنطن وطهران.

جائزة نوبل للسلام

في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، منحت جائزة نوبل للسلام للطبيب الكونغولي دينيس موكويغي والشابة العراقية ناديا مراد الضحية السابقة لتنظيم داعش، تكريما لجهودهما في مكافحة العنف الجنسي المستخدم "سلاح حرب" في النزاعات.

ولدى تسلمها جائزة نوبل للسلام طالبت ناديا المجتمع الدولي بتوفير حماية لشعبها والعمل على تحرير آلاف النساء والأطفال الذين لا يزالون في قبضة تنظيم داعش.

منح جزئي

في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، منح البرلمان العراقي الثقة لجزء من الحكومة التي اقترحها رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي.

ووافق غالبية أعضاء البرلمان الجديد، على أسماء 14 وزيرا بينهم وزراء الخارجية والمالية والنفط، فيما لم تشمل الثقة حقائب رئيسية مثل الداخلية والدفاع.

200 مقبرة جماعية

في السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر كشف تقرير للأمم المتحدة عن العثور على 202 مقبرة جماعية تضم حوالي 12 ألف جثة في محافظات عراقية مختلفة كانت تحت سيطرة تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.

ويتراوح عدد الضحايا في هذه المقابر بين ستة آلاف وأكثر من 12 ألف ضحية بينهم نساء وأطفال وكبار سن وذوو إعاقة وعمال أجانب، بالإضافة إلى عناصر سابقين من قوات الأمن والشرطة، وفقا للتقرير.

ثلاثة

في الرابع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2018، صوت مجلس النواب العراقي لصالح وزيرين جديدين ضمن حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي من أصل خمس حقائب وزارية بقيت عالقة بسبب الخلافات السياسية بين الكتل النيابية.

زيارة مفاجئة

في 26 كانون الأول/ ديسمبر وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق في زيارة مفاجئة لتفقد قوات بلاده هناك وتهنئتها بعيد الميلاد نافيا في الوقت نفسه وجود أي خطط لسحب القوات الأميركية من العراق، بعد قرار الانسحاب من سوريا.

 

حازم صاغية

تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية في طفولته من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

وعرض أيضا تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، حلّ صاغية ضيفاً على منصة "ارفع صوتك" التابعة لـ"الحرة" في يوليو الماضي، في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبدالجبار، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه "هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟".

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه. وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل (وقت إجراء الحوار). هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.