حافلات حكومية تنتظر نقل عائلات من مخيم في محافظة الأنبار إلى مخيم آخر خلال موجة سابقة من إغلاق مخيمات في ديسمبر 2018
حافلات حكومية تنتظر نقل عائلات من مخيم في محافظة الأنبار إلى مخيم آخر خلال موجة سابقة من إغلاق مخيمات في ديسمبر 2018

"قد تكون هذه حوادث فردية من قبل الذين فقدوا أبناءهم في فترة داعش"، هكذا يقول وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية جاسم العطية لـ"موقع الحرة"، في محاولة للتقليل من مخاوف المنظمات الدولية بشأن تداعيات قرار إعادة النازحين إلى مناطقهم، بشكل عاجل، في إطار سعي السلطات لإغلاق المخيمات.

وفي الأيام القليلة الماضية، وبعد قرار السلطات العراقية إعادة النازحين من نينوى إلى مناطقهم في كركوك وصلاح الدين والأنبار، استُهدف النازحون في الشرقاط بالقنابل الصوتية أكثر من مرة، بالرغم أن أغلب الساكنين في المخيمات هم من النساء والأطفال، فتم نقلهم ليلا إلى مخيم الشهامة شمال تكريت لكن كان هناك رفض شعبي وصل إلى وقفات احتجاجية بالقرب من المخيم الذي يضم أيضا عوائل الدواعش.

ففي أوائل يوليو، أصدر "مجلس الأمن الوطني"، الذي ينسق استراتيجية الأمن القومي والاستخبارات والسياسة الخارجية في العراق، القرار 16. لم يُنشر القرار علنا، ولكن وصف مسؤولون محتوياته في رسائل إلى المنظمات الإنسانية. يأمر القرار بمغادرة مَن هم مِن خارج نينوى، وتعدادهم على الأقل 38 ألف شخص، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش".

وقالت المنظمة الأربعاء إن السلطات المحلية طردت قسرا، منذ 23 أغسطس 2019، أكثر من ألفي عراقي من مخيمات النازحين في محافظة نينوى.

وقال العطية لـ"موقع الحرة": "نحن كحكومة نسعى إلى إغلاق المخيمات، فاستمرارها لا يولد إلا الأفكار الإرهابية في المستقبل، حاليا يوجد حوالي 400 ألف نازح تقريبا، وخطتنا إنهاء أزمة النازحين في العام المقبل وحل مشاكلهم".

كما طردت قوات الأمن 671 شخصا على الأقل من مخيمات نينوى إلى مخيم في صلاح الدين في 31 أغسطس.

وفي 2 سبتمبر، طردت السلطات 481 شخصا آخرين من مخيمات نينوى إلى صلاح الدين، بعد تركهم ينتظرون الحافلات زهاء خمس ساعات بلا حمّام أو طعام، بحسب "هيومن رايتس ووتش".

لكن جاسم يقول لـ"موقع الحرة إن "أعداد الباصات أكبر من أعداد الناس ولا توجد لدينا مشكلة، لكن أحيانا ينتظرون بالساعتين والثلاثة أمام المخيم للتدقيق الأمني قبل دخول المخيمات حتى لا يندس بينهم عنصر داعشي، هذه إجراءات أمنية، في النهاية هم ليسوا في نزهة".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن البعض تم إجباره على العودة إلى مناطقهم الأصلية رغم المخاوف حيال سلامتهم، بما فيها التهديد من جيرانهم السابقين الذين يعتقدون أن لهم علاقة بتنظيم داعش، مشيرة إلى أن بعضهم هوجم بالفعل منذ إجبارهم على العودة إلى ديارهم.

في المقابل يقول العطية "لا توجد عائلة الآن ممنوعة من دخول المخيمات أو ملقاة في الشارع، تم نقل عدد من النازحين من المخيمات إلى المخيمات في محافظاتهم التي كانوا يسكنون فيها، كإجراء أولي وتدقيق أمني ومن يريد العودة طواعية نتركه يعود إلى دياره".

لكن النائبة نورة البجاري أكدت من جهتها في تصريح لـ"راديو سوا" أن الأيام القليلة الماضية شهدت عودة قسرية لبعض عوائل النازحين لمناطقهم، رغم أنها مدمرة والخدمات (فيها) قليلة، وبدون تأهيل لدورهم أو حتى بدون تعويض لهم لتأهيل دورهم"، رافضة تحديد أي سقف زمني للعودة، و"عدم تسريع الأمر".

وأعربت منظمة الأمم المتحدة، الإثنين، عن قلقها بشأن قرار اعادة النازحين إلى مناطقهم بشكل عاجل، وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق مارتا رويداس، إن الجهد الحكومي يفتقد إلى التنظيم والتواصل مع المجتمعات المتضررة والشركاء في المجال الإنساني.

لكن المتحدث باسم الوزارة علي عباس برر، في تصريح لـ "راديو سوا" عملية تسريع نقل النازحين "لأننا مقبلون على سنة دراسية وحريصون على إلحاق الطلاب بفصولهم من بداية العام الدراسي"، مشيرا إلى أن عملية إعادة النازحين تمت بالتنسيق مع قيادات عمليات محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار وكركوك والمسؤولين المحليين.

وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط بالإنابة في "هيومن رايتس ووتش" لما فقيه: "خلال الأسبوعين الأخيرين، نقلت الحكومة فعليا أشخاصا إلى أماكن يُستهدفون فيها بقنابل يدوية ويُهددون بالقتل. قبل أن يستقل الناس الحافلات الحكومية لنقلهم خارج المخيمات، ينبغي للسلطات توضيح وجهة الحافلات كي تتمكن العائلات من اتخاذ قرار مستنير بشأن سلامتها".

وطالبت المنظمة السلطات العراقية بضمان إخطار النازحين قبل سبعة أيام على الأقل من عمليات إجلائهم وعرض مجموعة من الخيارات التفصيلية لمساعدتهم في الانتقال بأمان.

صدام

"صدام حسين يعمل ممثلاً مسرحياً في العاصمة البريطانية لندن". هذا ليس عنوان خبر ملفق لجذب النقرات، وليس خبراً افتراضياً معداً بتقنية الذكاء الاصطناعي. الشخص الذي نتحدث عنه، المدعو صدّام حسين، لا يجد ما يربطه أصلاً بالرئيس العراقي الأسبق، سوى الاسم.

حمل هذا الممثل اسمه، ليس من باب الصدفة، بل لأن والده كان معجباً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

القصة كانت لتبدو شبه طبيعية لو أن صدّام حسين، الممثل، كان عراقياً أو حتى عربياً، لكن الأغرب في الحكاية أنه هندي الولادة والمنشأ، وانتقل إلى إنكلترا ليكمل دراسته ويعمل في المهنة التي اختارها: التمثيل.

قال صدّام لمنصة "ارفع صوتك" التابع لـ"الحرة" إن اسمه طالما شكّل له إرباكاً، وأوقعه في مواقف محرجة "آلاف المرات"، بدءاً من المدرسة حيث كان يتحول إلى مادة لسخرية زملائه.

كما كان الاسم، ولا يزال، كثيرا ما يعرقل معاملاته الرسمية، في التحويلات المالية وإصدار جوازات السفر، ويضعه في مواقف صعبة ويخضعه لأسئلة غريبة أثناء التدقيق في المطارات.

بعض المواقع الإلكترونية كانت ترفض أن يستخدم صدام حسين اسمه لدى إدخال بيانته، وتعتبر أنه ينتحل صفة أو يسوّق لشخصية مرتبطة بالإرهاب. يضيف صدّام "خلال تجارب الأداء على المسرح غالباً ما كنت أرى على وجوه الناس ضحكات مكتومة لدى معرفتهم باسمي".

لكن الاسم كانت له حسنة يتيمة تتمثل في دفع الممثل الهندي إلى متابعة ما يحدث في الشرق الأوسط، بسبب أثر صاحب الاسم الذي يحمله على تاريخ الشرق الأوسط وحاضره، وربما أيضاً مستقبله.

لا يعيش "صدام حسين" الهندي وحده هذه المعاناة التي سببها له الاسم. فمئات العراقيين والعرب وجدوا أنفسهم بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، مع اسم اختاره لهم آباؤهم، ويحيل في معظم الأحيان إلى صاحبه الأصلي، الذي ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالديكتاتورية والاستبداد، وبجرائم ضد الإنسانية.

ومؤخراً، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لضابط في الجيش العراقي يدعى صدام، وهو يشتكي لوزير الدفاع العراقي ثابت العباس من عدم ترقيته في العمل منذ 8 سنوات بسبب اسمه.

وفي فيديو آخر، نشرته وسائل إعلام عراقية ناشد مواطن يدعى صدام حسين عبد المجيد من محافظة نينوى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لمساعدته بعد أن تعرض للتهميش كما يقول، ولم يثبّت في عمله مع هيئة "الحشد الشعبي" بسبب اسمه.

واعتبر أن اسمه "قد يكون نقمة على حياته"، مؤكداً أنه لن يغيره إذا طُلب منه ذلك، بل طالب رئيس الوزراء والجهات المعنية بإيجاد حل له أو "على الأقل أن يحصل على راتب الرعاية الاجتماعية".

من المفارقات أن سمياً هندياً آخر لصدام حسين، غير صدام الممثل، كتبت عنه "بي بي سي" عام 2017 وكان يشكو هو الآخر أنه "لم يجد وظيفة بسبب اسمه"، وقد اضطر إلى تغييره رسمياً إلى "ساجد".

صدّام مراسلاً تلفزيونياً

ولد صدام حسين، وهو مراسل تلفزيوني كان يظهر في تقارير متلفزة عبر قناة لبنانية محلية، عام 1987 في ذروة حرب الخليج الأولى المعروفة عراقيا بـ"قادسية صدام".

في ذلك الوقت، كما روى صدام لـ"ارفع صوتك"، كانت هناك "حماسة لصدام حسين في الشارع السوري رغم التمايز بين حزبي البعث في سوريا والعراق"، وكان والده "متحمساً لصدام كقائد عروبي والكنية لديه حسين، فكان تركيب الاسم مثالياً".

وأضاف صدّام أن الاسم "بدا مسلياً في طفولته، خصوصاً أنه كان يفرح لسماعه في نشرات الأخبار".

هكذا وبعد ثلاثة عقود ونيف من ولادته، وبعد عقدين على سقوط حزب البعث العراقي، صار صدّام حسين مراسلاً تلفزيونياً، وكان قد سبق له أن وقّع باسم صدام حسين مقالاته في إحدى الصحف اللبنانية وأذاع تقارير على أثير إذاعة لبنانية محلية.

قبل ذلك، وبعد بداياته الإعلامية في إذاعة سورية، كان يعدّ التقارير ويسجلها بصوته ويختمها باسمه، "ما أثار حالة من الاستغراب لدى المستمعين، وخلق حالة من الفضول والرغبة في معرفة من هو هذا الشخص الذي يحمل اسم صدام حسين، وهل هو حقيقي أم اسم مستعار، لكنهم اعتادوا الاسم لاحقاً"، بحسب قوله.

ويعتقد صدام حسين السوري، الذي يشتغل اليوم في قناة "روسيا اليوم"،  أن الإسقاطات المرتبطة باسمه ستبقى موجودة وأن "الناس ستبقى تربط بينه وصاحب الاسم الأصلي". وأضاف: "لا أظن أنها قد تخف مع الزمن لأن صدّام كان قائداً غير عادي مع ما رافق سيرته من ظروف إعدامه واحتلال العراق وشخصيته وشعبيته الكبيرة حتى اليوم في الشارع السوري والعربي عموماً".

حالة الاستغراب من الاسم دائماً موجودة، كما يقول صدام الإعلامي، عندما يعرّف عن نفسه لشخص لا يعرفه، أو عندما يتقدم بمعاملات في الدوائر الرسمية، أو في المطارات وعلى الحدود.

لكنه لم يواجه تعقيدات كما حدث مع الممثل الهندي. والطريف في حالة صدّام السوري، كما يقول: "معظم أصدقائي المقربين جداً ولأسباب مختلفة يُعادون صدام حسين سياسياً، لكن ذلك لم يؤثر على صداقتنا أبداً".

صدّام "أبو عراق"

صدّام حسين ثالث التقاه "ارفع صوتك"، يُعدّ وجبات سريعة ومأكولات عراقية في مطعم يملكه في قضاء بعقوبة التابع لمحافظة ديالى.

يروي حكايته مع الاسم: "زوجة عمي وأمي وضعتا مولودين في اليوم نفسه عام 1975. كان صدام حسين حينذاك نائباً لرئيس الجمهورية، والرئيس كان أحمد حسن البكر. عمي اسمه حسن وأبي اسمه حسين. حينما وُلد ابن عمي سمّاه والده أحمد ليصير أحمد حسن على اسم رئيس الجمهورية، بينما سمّاني والدي صدّام ليصير اسمي صدّام حسين تيمناً باسم نائب الرئيس".

يقول صاحب المطعم إن "والده وعمه كانا مثل كثير من العراقيين يحبان النظام الذي كان يحكم في ذلك الوقت، لذا فإن التسمية جاءت عفوية". وبالفعل شهد العراق في فترات الثمانينيات والتسعينيات مئات التسميات بصدام حسين أو أحد أبنائه، إما حباً بالرئيس أو خوفاً منه أو مجاملةً له ولنظامه..

ولا يزال كثير من العراقيين يحملون هذا الاسم، بينهم شخصان ترشحّا في انتخابات مجالس المحافظات التي شهدها العراق خلال ديسمبر الماضي. كما عمد كثيرون من أصحاب هذا الاسم إلى تغييره؛ تفادياً للمشكلات الناتجة عنه.

لم يعان صدام العراقي من المواقف المحرجة المرتبطة باسمه، لكنه يتذكر حادثة وقعت بعد سقوط النظام عام 2003 ودخول الجيش الأميركي إلى العراق. حينها، كان صدام هذا يدخل إلى بغداد من جهة الكاظمية، فأوقفه حاجز "سيطرة" وطلب أحد العناصر الأمنية بطاقة هويته، فصاح العنصر حينما قرأ اسمه للضابط المسؤول "سيدي هذا اسمه صدام حسين"، لكن الضابط أجاب "نحن لا نحاسب الناس على أسمائهم بل على أفعالهم".

يقول بائع المأكولات العراقي إن كثيرين نصحوه بتغيير اسمه حتى لا يحمل أعباءه، لكنه لم يجد داعياً من ذلك، وهو يتعايش مع الاسم اليوم دون مشاكل.

سمّى صدّام ابنه البكر عراق، ويفضّل أن ينادى عليه بـ"أبو عراق"، وهو لقب حمله قبل أن ينجب ابنه واستمر معه، كما أنه الاسم المحبب له والأقرب إلى قلبه، كما يقول.

صدام الممثل الهندي، بات معتاداً على اسمه "بعض الشيء"، مع أن "الناس ينصحونني دائماً بتغيير الاسم، إلا أنني لن أغيره"، يقول.

وما يجب أن يتغير، برأيه "طريقة تعامل المجتمع مع ما توحي بعض الأسماء التي لا يتحمل حاملوها مسؤولية معانيها أو خلفياتها".

أما المراسل التلفزيوني الذي يعيش اليوم في موسكو ويعمل في قناة روسية، فيرى أن "الحياة أقصر من أن يعيشها باسمين، ولا يفكر بتغيير اسمه. لذا سيكمل حياته بالاسم الذي أعطي له لحظة ولادته.. صدام حسين".