عراقي يلوح بشارة النصر مرتديا العلم العراقي خلال تظاهرة في ساحة الطيران وسط بغداد
عراقي يلوح بشارة النصر مرتديا العلم العراقي خلال تظاهرة في ساحة الطيران وسط بغداد

لا يريد المتظاهرون في العراق "لا سياسيين ولا معمّمين" في احتجاجاتهم التي بدأوها قبل يومين، اعتراضا على الفساد والمحسوبية والبطالة، الهدف نصب أعينهم واضح: تغيير الطبقة السياسية الحاكمة منذ أكثر من 15 عاما.

ويقول المتظاهر مجيد ساهر (34 عاما) في بغداد "هذا الحراك لا يشبه أي شيء قبله. حراك شعبي، غير مسيس، ولا صلة له بأي حزب أو عشيرة".

ويؤكد المتظاهرون أن التجمعات الكبيرة التي خرجت في بغداد ومدن رئيسية عدة في جنوب البلاد لم تتشكل بدعوة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أو المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني الذي يعد رأيه حاسما إلى حد ما في القرارات السياسية العراقية. وهي المرة الأولى التي تحصل فيها مثل هذه الاحتجاجات العفوية.

ويقول حسين محمد لوكالة فرانس برس "لا قائد في التظاهرات، أنظروا إلى عددنا! كلنا شباب، وكلنا عاطلون عن العمل".

وتطال البطالة 25 في المئة من الشباب العراقي، بينما القطاع العام الذي كان ملجأ جميع خريجي الجامعات خلال عهد صدام حسين، أصابه التضخم ولم يعد قادرا على استيعابهم.

وبشكل شبه يومي تقريبا وفي كل مدينة أو ناحية من العراق، ينظم الخريجون العاطلون عن العمل اعتصامات متواضعة تقابل بلا مبالاه. لكن هذه المرة، نزل هؤلاء بكثافة إلى الشوارع، والتحق بهم كل ساخط على حكومة عادل عبد المهدي التي تطفئ شمعتها الأول نهاية الشهر الحالي.

ويعاني العراق الذي أنهكته الحروب، انقطاعا مزمنا في التيار الكهربائي ومياه الشرب منذ سنوات، ويحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فسادا في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية.

وتشير تقارير رسمية الى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ابتلع الفساد نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.

"أحلام مسروقة"

وتطالب نسرين محمد (46 عاما) بـ"رحيل" الجميع قائلة "لا نحصل من الحكومة والسياسيين إلا على الأكاذيب والوعود التي لا يفون بها أبداً. الأحزاب سرقت كل أحلامنا". وتضيف "لا مكان للفقراء في هذا البلد".

ويقول العسكري السابق وليد أحمد الذي لا يتوقف عن السعال وسط أعمدة الدخان الأسود المتصاعدة من الإطارات التي أشعلها المتظاهرون عند التقاطعات الرئيسية في بغداد الأربعاء، أنه لا يمكن لهذا الحراك أن يسقط بأيدي سياسيين.

ويقول "مشكلتنا الأولى هي الفساد، لقد قتلنا. اليوم، نحن نريد فقط الشعب وبلدنا. لا نريد الأحزاب السياسية أو الشخصيات البارزة أو المعممين، لا نريدهم أن ينضموا إلى حراكنا".

ويرى الخبير في الشأن العراقي فنر حداد أن الطبيعة العفوية للاحتجاجات، وهي الامتحان الأول لحكومة عبد المهدي، غير مسبوقة.

ويقول لفرانس برس "هذه هي المرة الأولى التي توجد فيها تظاهرات حاشدة وعنيفة دون مشاركة التيار الصدري".

موت "أسطورة"

ويشير إلى أن التظاهرات التي انطلقت الثلاثاء، أياً كانت نتيجتها، ستظهر شيئا واحداً للعراقيين ولأولئك الذين يراقبونهم، أن "الأسطورة القائلة بأن أتباع مقتدى الصدر هم فقط الذين يستطيعون إخراج الناس من الشوارع ماتت".

ويضيف حداد "يبدو لي أن الناس أنفسهم يمكنهم إخراج الشعب إلى الشوارع"، إذ إن الحراك المطلبي الكبير في العام 2016 والذي طال المنطقة الخضراء في وسط بغداد، كان بقيادة الصدر.

والجدير بالذكر أن الصدر نفسه، عندما دعا مساء الأربعاء إلى "إضراب عام"، كان حريصا على التأكيد أنه لا يريد تحويل "التظاهرات الشعبية" إلى "تظاهرات تيارية".

لكن حداد يحذر من أن استقلالية الحراك الذي دعي إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولم يدعمه أي حزب "هو سيف ذو حدين للحكومة والمتظاهرين".

فمن جهة، أصبح الشارع يدرك ثقله من خلال "موجة لا يمكن السيطرة عليها تمتد من حي إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى"، ومن جهة أخرى لا أحد يعرف "إلى أين تتجه هذه الموجة؟".

وليس للشعار الشهير في "الربيع العربي" في العام 2011 "الشعب يريد إسقاط النظام" أي صدى في العراق، حيث توزع المناصب بحسب الانتماء الديني.

لذلك يرى حداد أن "السلطة موزعة، وبالتالي لا يوجد ملك لإرساله إلى المقصلة" في العراق.

رئيس الوزراء العراقي المكلف مصطفى الكاظمي يتوجه بكلمة متلفزة للعراقيين
رئيس الوزراء العراقي المكلف مصطفى الكاظمي يتوجه بكلمة متلفزة للعراقيين

تعهد رئيس الوزراء العراقي المكلف مصطفى الكاظمي في خطاب متلفز مساء الخميس بأنه سيشكل حكومة "لن تكون جدلية وستكون خادمة للشعب".

وقال الكاظمي: "تسلمت اليوم كتاب تكليفي من رئيس الجمهورية وحسب السياقات الدستورية"، مؤكدا أن "قرار العراق سيكون بيد أبنائه".

وأضاف أن "شعبنا لا يزال لم يحقق طموحاته وعلينا واجب المصارحة"، مبينا أن "الكابينة التي سأقدمها ستكون حكومة خدمات للشعب، ولن تكون حكومة غرف مغلقة وأسرار".
 
وتابع الكاظمي: "سنوفر الميزانيات اللازمة لحماية الصحة العامة، ولا تنازل على حساب كرامة العراق، فهو بلد سيادي والحكومة ستكون ساهرة على مصالح العراقيين".

وتابع أن "العراق للعراقيين والسلاح هو اختصاص الدولة فقط، وسنعمل على حصر السلاح" مضيفا أن "المؤسسات العسكرية والأمنية بمختلف صنوفها، الجيش والشرطة والحشد الشعبي والبيشمركة، ستقوم بواجبها لمنع انفلات السلاح".

وأكد رئيس الوزراء المكلف أن تكليفه "هو مسؤولية وطنية مهمة وخطيرة والنجاح يقع على عاتق الجميع".

وأشار الكاظمي إلى أن "علاقاتنا الخارجية يجب أن تكون ناجحة، ولن نسمح بإهانة أي عراقي من أي جهة داخلية أو خارجية، فالعراقي ليس تابعا، ونحن أنداد لخصومنا وأشقاء لجيرانا".

وقال الكاظمي إن "محاربة الفساد والفاسدين مهمة وطنية، وعلينا أن نثبت أننا نليق بالعراق بالأفعال، وأن نتعاون ونثق بالدولة فهي ليست شخصاً أو طائفة أو قومية". 

وتابع الكاظمي: "سنبذل كل الجهود والعلاقات الداخلية والعراقية لحماية العراق في مواجهة وباء فيروس كورونا، وسندعم الكوادر الصحية والطلبة والأجهزة الامنية الآن ومستقبلا، ونوفر الميزانيات اللازمة لحماية الصحة العامة".

يذكر أن رئيس العراق برهم صالح أصد الخميس مرسوما بتكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة المقبلة، عقب اعتذار عدنان الزرفي.

وأنهى اعتذار الزرفي حالة من الشك والتكهنات سادت المشهد السياسي العراقي على خلفية التسريبات التي أشارت إلى انخفاض حظوظ الزرفي في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

والكاظمي، مستقل لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، تسلم منصب رئيس جهاز المخابرات الوطني في يونيو 2016، خلال فترة تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة، ولا يزال يشغل المنصب حتى إعلان ترشيحه.

 ويرى البعض أنه يتمتع بعلاقات واسعة خصوصا مع الولايات المتحدة وإيران على حد سواء، الأمر الذي يخوله أن "يكون عامل تهدئة"، بالإضافة إلى أنه "مقبول لدى الأطراف والكتل الكردية والسنية".

ورفض المتظاهرون، قبل انتشار فيروس كورونا في البلاد، ترشيح الكاظمي، وهو صحفي سابق ورئيس لجهاز المخابرات في حكومتين، معتبرين أنه "وجه حكومي آخر".