متظاهر يحمل العلم العراقي خلال اليوم الخامس من سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها المدن العراقية لمناهضة الفساد والمطالبة باستقالة الحكومة
متظاهر يحمل العلم العراقي خلال اليوم الخامس من سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها المدن العراقية لمناهضة الفساد والمطالبة باستقالة الحكومة

أصدر مجلس الوزراء العراقي الحزمة الأولى من "القرارات المهمة" في الجلسة الطارئة التي دعا اليها رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، والتي عقدت ليل السبت استجابة لمطالب المتظاهرين وعموم المواطنين ولما ورد في نص خطبة المرجعية الدينية العليا"، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء العراقية الأحد. 

يأتي هذا في وقت جدد فيه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر دعوته، السبت، للحكومة بالاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف الأمم المتحدة، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الرسمية. 

وتضمنت القرارات فتح باب التقديم للأراضي المخصصة لذوي الدخل المحدود والفئات الأخرى، و"استكمال توزيع سبعة عشر ألف قطعة سكنية للمستحقين من ذوي الدخل المحدود في محافظة البصرة وخلال فترة زمنية لا تتجاوز أربعة أسابيع".

وشمل نص القرارات إعداد وتنفيذ برنامج للإسكان بهدف بناء مائة ألف وحدة سكنية للمحافظات والألوية الأكثر فقرا .

وقرر مجلس الوزراء إعداد وتنفيذ برنامج وطني للإسكان يشمل بناء مائة ألف وحدة سكنية موزعة على المحافظات ، ومنح الأولوية للمحافظات والمناطق الأكثر فقرا.

وتضمنت القرارات تعزيز رصيد صندوق الإسكان من خلال وزارة المالية لزيادة عدد المقترضين وتمكينهم من بناء الوحدات السكنية على قطع الأراضي التي ستوزع على المواطنين وتضمين ذلك في موازنة 2020 وتكون القروض معفاة من الفوائد وفقا لقانون الصندوق .

وقرر مجلس الوزراء منح 150 ألف شخص من العاطلين ممن لا يملكون القدرة على العمل منحة شهرية قدرها 175 ألف دينار لكل شخص ولمدة ثلاثة أشهر.

وأكد المجلس على إنشاء مجمعات تسويقية حديثة (أكشاك) في مناطق تجارية في بغداد والمحافظات تتوزع خلال ثلاثة أشهر، على أن "يتعهد صاحب الكشك بتشغيل اثنين من العاطلين عن العمل لضمان توفير ما لا يقل عن 45 ألف فرصة عمل للمواطنين مع مراعاة إعطاء الأولوية لمن أزيلت أكشاكهم".

وتضمنت القرارات أيضا إعداد برنامج تدريبي وتأهيل العاطلين عن العمل بالإضافة إلى توفير قروض لتأسيس المشاريع المتوسطة والصغيرة من خلال "صندوق القروض المدرة للربح في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أو منحهم قروضا من خلال مبادرة البنك المركزي لإقراض الشباب والبالغة (ترليون) دينار". 

وقرر مجلس الوزراء العراقي تقديم تعويضات للضحايا من المتظاهرين والأجهزة الأمنية وشمولهم بالقوانين النافذة ومنح عوائلهم الحقوق والامتيازات المترتبة على ذلك، وشكلت القرارات توفير وزارة الصحة للخدمات العلاجية للجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية "على نفقة الحكومة بما في ذلك العلاج خارج العراق إن تطلب ذلك".

وأضاف مجلس الوزراء مناقشته للحزمة الثانية من القرارات المتعلقة بالاصلاحات ومطالب المتظاهرين "في الجلسة المقبلة" دون تحديد الموعد. 

يأتي هذا في وقت اشتدت فيه الاحتجاجات العراقية التي خرجت لمناهضة الفساد وسوء الأوضاع الاجتماعية حيث طالب المحتجون بإقالة الحكومة. 

وقتل ما لا يقل عن ثمانية عراقيين بالرصاص في بغداد، السبت، خلال تظاهرات مطلبية شهدتها لليوم الخامس على التوالي العاصمة العراقية ومدن جنوبية وأسفرت منذ اندلاعها عن سقوط حوالي مئة قتيل، فيما واصلت السلطات حجب الإنترنت في إطار مساعيها لتضييق الخناق على الاحتجاجات الدامية.

وبعيد ساعات على بدء سريان قرار رفع حظر التجول في العاصمة تجمّع عشرات المتظاهرين أمام مقر وزارة النفط في بغداد حيث تعرضوا لإطلاق النار عليهم بالرصاص الحي.

"التفاوض مع الحكومة أمر غير وارد"

وتأتي التساؤلات حول مدى نجاح هذه القرارات في إرضاء المتظاهرين بالأخص بعدما نفى متظاهرون في بغداد تخويل أي جهة للتفاوض مع رئيسي مجلس النواب محمد الحلبوسي والوزراء عادل عبد المهدي، مؤكدين الالتزام بمطلب إقالة الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن قتل نحو 100 متظاهر وجرح الآلاف، نتيجة استخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع لتفريق الاحتجاجات.

وكانت وسائل إعلام محلية عراقية ذكرت في وقت سابق السبت أن رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي التقى وفدا يمثل المتظاهرين في مبنى مجلس النواب في المنطقة الخضراء وسط بغداد.

وقال متظاهر يدعى ناصر في اتصال هاتفي مع راديو سوا إن "التفاوض مع الحكومة أمر غير وارد في ظل سقوط العشرات من القتلى بين صفوفنا، فلا رغبة للشباب في الجلوس مع الحكومة بل إقالتها".

حلم العراقيين في زمن "كورونا".. دفن الموتى
حلم العراقيين في زمن "كورونا".. دفن الموتى

بات الحصول على قبر أكبر أحلام العراقيين، بسبب رفض المدافن الرسمية والسكان استقبال جثث ضحايا فيروس كورونا، لاعتقادهم بأنهما من مصادر العدوى، مما أدى إلى تكدس الجثث في ثلاجات الموتى، بحسب تقرير لوكالة الأبناء الفرنسية.

وقال مالك سعد وقريبه سالم الشمري اللذان غادرا الحجر الصحي قبل الأيام، لمخالطتهما والد مالك الذي توفي نتيجة إصابته بفيروس كورونا، أن كل محاولاتهما لتأمين قبر باءت بالفشل، مما اضطر إلى إعادة والده لثلاجة الموتى مرة أخرى.

كما قال مالك: "لم نقم مأتماً لأبي، ولا نستطيع دفن جثته، رغم مرور أكثر من أسبوع على وفاته"، وأضاف "هل يعقل أن هذا العراق الكبير ليس فيه عدة أمتار لدفن مجموعة صغيرة من الجثث؟"

وأودى فيروس كورونا حتى الآن بـ42 عراقياً وأصاب أكثر من 500 شخص، بحسب وزارة الصحة العراقية، لكن هذه الأرقام قد تكون أقل من الإصابات الموجودة الفعلية، إذ أن نحو ألفي شخص فقط من أصل 40 مليون نسمة خضعوا للفحص في أنحاء العراق.

وأكدت وكالة الأنباء الفرنسية، أن الرفض يأتي من العشائر العراقية صاحبة الكلمة الفصل في بلد تغلب فيه العادات والتقاليد سلطة القانون، فقد منعت إحدى كبرى العشائر في شمال شرق بغداد مثلاً، فريقاً تابعاً لوزارة الصحة كان ينقل أربع جثث دفنها في مقابر خصصتها الدولة لضحايا كورونا.

وعندما حاول الفريق نفسه دفن الجثث في منطقة النهروان في جنوب شرق بغداد، خرج العشرات من السكان بتظاهرة، ما دفع الفريق لإعادة الجثث إلى ثلاجات المستشفى.

سأدفنها في بيتي

يقول أحد السكان الذين رفضوا الدفن في مقبرة قريبة منهم: "شعرنا بالذعر على أطفالنا وأسرنا  لذا قررنا منع أي دفن في مناطقنا".

ورغم تأكيدات وزير الصحة جعفر علاوي أن الأمور ستسير على ما يرام، هناك اعتراضات قائمة أجبرت الوزير على مناشدة المرجعيات الدينية للتدخل في تسهيل عملية الدفن.

وطالت المشكلة الوفيات في محافظات عدة، بينها مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، حيث توجد مقبرة السلام، التي تعد من بين الأكبر في العالم.

وبحسب عائلات لمتوفين، فإن السلطات فشلت أيضاً في الحصول على أذونات للدفن في مدينة كربلاء، بسبب رفض سلطاتها المحلية، خصوصاً وأنها تعتبر قبلة لملايين الزائرين الشيعة.

من جانبه، قال أحد الأطباء الذي طلب عدم كشف هويته، إن السلطات فاتحت سلطة النجف لاستقبال جثة متوف بفيروس كورونا، لكنها قوبلت بالرفض، فباتت الوزارة عاجزة عن إيجاد حلول.

ونقل الطبيب عن زوج إحدى النساء اللواتي توفين جراء المرض قوله بعد يأسه: "سلموني الجثة وأنا سأدفنها في بيتي"، وأضاف "هذه هي الحال ونحن لدينا نحو 40 وفاة، ماذا لو تفاقم الوضع؟ أين سنضع الجثث؟".

 

الفيروس لا ينتقل من الموتى

وتسود حالة من القلق الشديد حوفاً من فقدان السيطرة في العراق، خصوصاً وأنه مجاور لإيران التي ضربها الفيروس بشدة وأودى حتى الآن بأكثر من 2500 شخص.

ويواجه العراق الفيروس اليوم، بعدد قليل من الأطباء والمستشفيات التي أنهكتها الحروب المتتالية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، في العراق 14 سريراً في المستشفى لكل عشرة آلاف نسمة، ومن باب المقارنة، فإن فرنسا الذي غلب الفيروس نظامها الصحي، تملك سريراً لكل 60 شخصاً.

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر في فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي إن منع الدفن قضية لا تنسجم مع الأعراف الدينية والانسانية التي تشدد على أن إكرام الميت عبر دفنه.

واعتبر أن مسألة انتشار المرض من الأموات "غير مستندة إلى حقائق علمية"، وأن هناك إجراءات تتخذها الدولة للحد من المخاطر "كالتعقيم ولف الجثة بأكياس وتابوت خاص". 

بدورها، أفتت المرجعية الدينية الشيعية العليا بوجوب تكفين الميت بوباء كورونا بالأثواب الثلاثة (الأكفان) وعلى السلطات المعنية تسهيل دفنه في المقابر العامة، ولا يجوز حرق جثمانه.

ووسط هذه المعضلة، يقول الشمري بحسرة: "لم يعد يفجعنا الموت، بل بات حلمنا دفن موتانا فقط".