قاسم سليماني في العراق (أشيف)
قاسم سليماني في العراق (أشيف)

خلال الموجة الأولى من الاحتجاجات في العراق، شكلت إيران خلية أزمة لقمع المتظاهرين ما أسفر عن سقوط أكثر من 150 قتيل في أسبوع بقيادة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، إلا أن إرهاب المواطنين لم يحل دون تفجر موجة ثانية كان لإيران فيها دور فعال أيضا في سقوط مزيد من الضحايا الأبرياء.

وأكد تقرير لأسوشيتد برس، نشر الأربعاء، أنه بعد يوم على اندلاع الاحتجاجات الأولى المناهضة للحكومة مطلع الشهر الجاري ، توجه الجنرال الإيراني قاسم سليماني جوا إلى بغداد في وقت متأخر من الليل، واستقل طائرة هليكوبتر إلى المنطقة الخضراء شديدة التحصين، حيث فاجأ مجموعة من كبار مسؤولي الأمن بترأسه اجتماعا ليحل محل رئيس الوزراء.

ويأتي هذا التقرير ليؤكد معلومات كان موقع الحرة قد نقلها عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، والتي تشير إلى أن سليماني ترأس "خلية أزمة" لقمع المتظاهرين، أعضاؤها قادة في ميليشات الحشد الشعبي الموالية لطهران.

ويشير وصول سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني ومهندس جهاز الأمن الإقليمي التابع لها، إلى قلق طهران بشأن الاحتجاجات التي اندلعت في جميع أنحاء العاصمة وفي قلب العراق، وشملت دعوات لوقف تدخل إيران في شؤون البلاد.
 
وتغذي الاحتجاجات في العراق ولبنان المظالم المحلية وتتوجه أساسا ضد النخب السياسية، لكنها تشكل أيضا تحديا لإيران التي تدعم عن كثب كلتا الحكومتين والجماعات المسلحة القوية في كل بلد. وأثارت حملة القمع العنيفة المتزايدة في العراق وهجوم أنصار حزب الله على معسكر الاحتجاج الرئيسي في بيروت مخاوف من رد الفعل العنيف من جانب إيران وحلفائها.
 
وقال سليماني للمسؤولين العراقيين "نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات"، وفقا لمسؤولين اثنين كبار مطلعين على الاجتماع تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما كونهما يتحدثان عن فحوى اجتماع سري، وأضاف سليماني "لقد حدث هذا في إيران وسيطرنا عليه."
 
ولكن بعد مرور نحو شهر تقريبا، استؤنفت الاحتجاجات في العراق وتواصلت التظاهرات في لبنان، وكلا الاحتجاجات كانت موجهة ضد الحكومتين والفصائل المتحالفة مع طهران. وتهدد الاحتجاجات نفوذ إيران الإقليمي في وقت تكافح فيه تحت وطأة العقوبات الأميركية.
 
في اليوم الذي تلا زيارة سليماني، أصبحت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في العراق أكثر عنفاً بكثير، حيث ارتفع عدد القتلى إلى 100 بعد أن أطلق قناصة مجهولون النار على المتظاهرين في الرأس والصدر. قتل نحو 150 محتجا في أقل من أسبوع.
 
وخلال تجدد الاحتجاجات هذا الأسبوع، وقف رجال يرتدون ملابس مدنية وأقنعة سوداء أمام الجنود العراقيين في مواجهة المتظاهرين وقاموا بإطلاق الغاز المسيل للدموع. قال السكان إنهم لا يعرفون من هم، مع توقع البعض أنهم إيرانيون.
 
وقال هشام الهاشمي، المحلل الأمني العراقي "إن إيران تخشى هذه المظاهرات لأنها حققت أكبر المكاسب في الحكومة والبرلمان من خلال الأحزاب القريبة منها" منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003. "إيران لا تريد أن تفقد هذه المكاسب، لذا فقد حاولت العمل من خلال أحزابها لاحتواء الاحتجاجات بطريقة إيرانية للغاية".
 
استؤنفت الاحتجاجات في العراق يوم الجمعة بعد توقف قصير، حيث تجمع المحتجون في ساحة التحرير ببغداد واشتبكوا مع قوات الأمن أثناء محاولتهم اختراق الحواجز المقامة على جسر يؤدي إلى المنطقة الخضراء، حيث مقر الحكومة والعديد من السفارات الأجنبية.
 
وفي جنوب العراق، هاجم المتظاهرون مكاتب الأحزاب السياسية والميليشيات التي تدعمها الحكومة المتحالفة مع إيران وأحرقوها.
 
يشكو العراقيون الفقراء، في بلد يعد ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، من بناء الميليشيات الشيعية القوية المرتبطة بإيران إمبراطوريات اقتصادية، والسيطرة على مشاريع إعادة الإعمار الحكومية والدخول في أنشطة تجارية غير مشروعة.

"فشل نموذج الوكيل"

وقال علي العراقي، وهو محتج يبلغ من العمر 35 عامًا بلدة الناصرية جنوب العراق، التي شهدت اشتباكات عنيفة خاصة بين المتظاهرين وقوات الأمن: "جميع الأحزاب والفصائل فاسدة، وهذه الفصائل مرتبطة لإيران، لأنها تستخدمها لمحاولة تصدير نظام حكمها الديني إلى العراق."
 
وأضاف "العراقيون يرفضون هذا، وربما كان ذلك هو السبب في قيام انتفاضة ضد إيران."
 
وكان أشخاص ملثمون، يبدو أنهم على صلة بقوات الأمن العراقية، قد فتحوا النار على المتظاهرين في مدينة كربلاء، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 18 محتجا وجرح المئات في مشهد يمكن أن يمثل نقطة تحول مشؤومة في المظاهرات.
 
في بغداد، أحرق المحتجون العلم الإيراني، حيث تجمعوا قبل أيام خارج القنصلية الإيرانية في كربلاء، وهتفوا "إيران بره، بره!"
 
وفي لبنان، خرج مئات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع مطالبين باستقالة الحكومة التي تهيمن عليها الفصائل الموالية لإيران. وكما هو الحال في العراق، خرجت المظاهرات احتجاجا على الأوضاع المعيشية الصعبة.
 
وقال أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة أوراسيا: "الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان تتعلق بالأساس بالسياسات المحلية وطبقة سياسية فاسدة فشلت في تنفيذها."
 
وأضاف كامل إن الاحتجاجات "تظهر فشل نموذج الوكيل حيث تستطيع إيران توسيع نفوذها لكن حلفاءها غير قادرين على الحكم بنجاح".

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.