المتظاهرون يحتشدون يوميا في ساحة التحرير وسط بغداد.
المتظاهرون يحتشدون يوميا في ساحة التحرير وسط بغداد.

ميشال غندور - واشنطن/  

يدور جدل في واشنطن حول موقف الإدارة الأميركية من التظاهرات المستمرة منذ أسابيع في لبنان والعراق، وسط مخاوف من تصاعد قمع المتظاهرين على أيدي ميليشيات موالية لإيران. 

وقبل أيام، قال مسؤول في الخارجية الأميركية إن الموقف الأميركي يقوم على عدم التدخل "فنحن لسنا معنيين أو مشاركين في تظاهرات لبنان والعراق ولا علاقة لنا بها، نحن مراقبون لا نشجع هذه التظاهرات ولا نحبطها ولا نأخذ طرفاً فيها ولا نتطلع للاستفادة منها أو استخدامها لأغراض سياسية أو تقويضها، حتى مع وجود بعض الأحزاب في هذه الدول التي لدينا خلافات كبيرة معها والتي نعتبرها إرهابية.. ".

وأضاف "إنها إرادة الشعوب في العراق ولبنان، الذين لديهم مظالم مشروعة. ونحن حذرون جدا. نجري محادثات مع القادة السياسيين في البلدين ومع كل الأطراف التي نريد التحدث معهم ولكننا لا نقول لهم أو ننصحهم ماذا يفعلون. لا نريد أن يكون هذا الأمر عنا أو يتعلق بنا. هذا الأمر يعود للشعبين العراقي واللبناني".

هذا الموقف يلقى تأييدا من فاعلين وخبراء في واشنطن، وبعض الملاحظات والتحفظ من مسؤولين وخبراء آخرين.

وقال برادلي بليكمان، نائب مساعد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، في برنامج "عاصمة القرار" على الحرة، إن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، "ينتهج السياسة الملائمة. فأميركا ولفترة طويلة كانت قد تدخلت في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة". 

وأضاف "على أميركا اليوم أن تساعد ولكن أن تبقى بعيدة عن التدخل في السياسات الداخلية". 

والتقى حسن منيمنة، الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، مع بليكمان على هذه النقطة في البرنامج عينه، وقال "إن الإعلام المعادي للولايات المتحدة من شأنه توظيف أي خطوة مهما كانت رمزية لإظهار المتظاهرين أصحاب الحقوق على أنهم عملاء وتابعين للخارج". 

لكنه استطرد قائلا "ندعي بأننا نستخدم أدوات لمساندة الإصلاحيين فيما نحن نتأرجح بين المساعدة والانكفاء عنهم مما يؤدي إلى الإضرار بهؤلاء الإصلاحيين بدلاً من دعمهم".

وتثير التقارير الصحافية التي تتحدث عن وقوف إيران وميليشيات مدعومة منها، في وجه المتظاهرين في لبنان والعراق مخاوف وتساؤلات في العاصمة الأميركية. فهل يجب أن تترك الولايات المتحدة المتظاهرين واجهون إيران وأعوانها بمفردهم؟

في هذا الإطار، يقول بليكمان "على أميركا والأصدقاء والحلفاء الضغط على حكومتي لبنان والعراق لحماية المتظاهرين، وهناك حاجة إلى إصلاحات حقيقية يجب أن تأتي من الشعب وليس من الولايات المتحدة. وهنا علينا أن نضغط وربما نستعمل العقوبات ضد إيران التي عليها أن تفهم أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر ولا يمكن أن تصدر الإرهاب". 

ويؤكد منيمنة على أهمية العقوبات المفروضة على إيران، والتي يجب حسب رأيه، أن تشدد وتستمر، لكنه يرى أنه "ليس هناك اطمئنان على مستوى المنطقة من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التقليديين بأن هذه السياسة التي تبدو اليوم وكأنها ثابتة سوف تستمر وذلك بناء على ما حصل في سوريا تحديداً".

ومن بين نقاط النقاش وربما الاختلاف بين الوكالات الأميركية والخبراء في واشنطن، هي مسألة استخدام المساعدات كورقة ضغط على الحكومات. 

وقد تردد الأسبوع الماضي أن البيت الأبيض سيوقف المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن للجيش اللبناني، إلا أن وزارة الخارجية عادت وأوضحت، السبت الماضي، أن لا تغيير بشأن استمرار تقديم هذه المساعدات للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

وفي هذا الشأن، قال بليكمان إن "المساعدات يجب أن تكون مشروطة ولا يمكننا أن نساعد من دون شروط"، وتساءل " لماذا نقدم أموالاً في حين أن حزب الله لديه مصانع صواريخ لا يغلقها الجيش اللبناني؟". 

لكن منيمنة لا يوافقه الرأي، وقال "لا أؤيد وقف المساعدات لأننا نحن أمام المؤسسة الوحيدة في لبنان التي استفادت من الدعم الأميركي والتي ترجمت هذه الإستفادة على الأرض حيث تصرفت وكل القوات المسلحة اللبنانية بشكل يقارب المثالية خلال هذه الفترة"، وأشار إلى أن وقف هذه المساعدات يرسل إشارة على أننا نريد أن نطعن في قدرة هذه المؤسسات على العمل الإيجابي".

المظاهرات مستمرة في العراق ولبنان وكذلك النقاش في واشنطن. لكن التعامل الحذر يبدو سيد الموقف على ساحة الإدارة الأميركية على الأقل في هذه الفترة.

الكاظمي يزور مقر هيئة الحشد الشعبي في بغداد
الكاظمي يزور مقر هيئة الحشد الشعبي في بغداد

تكمن مهمة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في الموازنة بين قوتين متخاصمتين، هما الولايات المتحدة وإيران، والحفاظ على "توجيه دفة" العراق بعيدا عن احتمالية التحول إلى ساحة للمعركة بينهما، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وتقول الصحيفة الأميركية في تقرير نشر الجمعة إن واشنطن وطهران اجتمعتا، بهدوء خلف سياسي عراقي تريان أنه سيكون حاسما لمنع المزيد من الفوضى في بلاده.

كرئيس للوزراء، قدم الكاظمي بالفعل مبادرات طيبة للمتظاهرين الذين عارضوا النفوذ الإيراني والجماعات الموالية لطهران التي تعتبر المظاهرات "مؤامرة أميركية".

وبعد أيام من توليه منصبه، أمر بمداهمة ميليشيا صغيرة قتلت متظاهرا في مدينة البصرة الجنوبية، في خطوة ينظر إليها على أنها علامة على نيته تحجيم الفصائل الأكثر قوة المرتبطة بإيران.

بعدها بأيام، وفي خطوة واضحة لطمأنة هذه الجماعات شبه العسكرية المدعومة من إيران، زار مقرها وأشاد بدورها في الحرب ضد تنظيم داعش.

تنقل الصحيفة عن غالب الشابندر، وهو محلل سياسي عراقي يعرف الكاظمي منذ أن كان مراهقا، القول: "إنه (الكاظمي) يصنع صداقات، حتى مع أعدائه".

وتتابع أن داعمي الكاظمي يأملون في أن يتمكن من الحفاظ على التوازن الهش من أجل وضع العراق في مسار أفضل، بعد أن خرجت البلاد من الحرب ضد تنظيم داعش وتكافح حاليا مع ضغوط انخفاض أسعار النفط.

وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن التحديات التي يواجهها الكاظمي هائلة، على الرغم من انحسار الاحتجاجات الشعبية التي أجبرت سلفه على الاستقالة، لكن الغضب الشعبي أكبر من أي وقت مضى. 

وفي غضون ذلك، كثف تنظيم داعش هجماته ضد قوات الأمن العراقية، سعيا لاستغلال التحديات الأمنية الناشئة عن تفشي فيروس كورونا والتصدعات في الشراكة بين واشنطن وبغداد.

تقول الصحيفة إن المسؤولين الأميركيين عملوا بشكل وثيق مع الكاظمي بصفته رئيسا لجهاز المخابرات خلال الحرب ضد تنظيم داعش، وصعوده يمثل فرصة لإصلاح العلاقات التي تلاشت في عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي.

وتنقل عن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر القول إن الكاظمي قام "بعمل جيد" كرئيس للمخابرات، مرحّبا في الوقت ذاته بالشراكة معه.

ومن المقرر أن يعقد البلدان حوارا استراتيجيا في يونيو لتحديد شروط علاقتهما المستقبلية، حيث تتطلع واشنطن إلى تقليص التزاماتها دون تمكين تنظيم داعش من الظهور مرة أخرى.

كما أنها تعتبر الكاظمي شريكا لديه الاستعداد لمنع العراق من الانجراف أكثر إلى حضن طهران.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة إن "هناك بعض الأمل والتفاؤل بأن لدينا شريك يعمل أولا وقبل كل شيء للعراق".