يتظاهر العراقيون في البصرة وبغداد ومدن أخرى للطالبة بإسقاط الحكومة ووقف النفوذ الإيراني في البلاد
يتظاهر العراقيون في البصرة وبغداد ومدن أخرى للطالبة بإسقاط الحكومة ووقف النفوذ الإيراني في البلاد

شهدت مدينة البصرة جنوب العراق أعمال عنف دامية خلال اليومين الماضيين وقبلهما أيضا وأسفرت عن مقتل عدد من المحتجين واصابة عشرات آخرين، فيما تواصل السلطات هناك شن حملات اعتقال بحق ناشطين ومحتجين يرفضون العودة لمنازلهم.

وتتزامن الأحداث في البصرة، الغنية بالنفط والمنفذ البحري الوحيد للبلاد، مع موجة الاحتجاجات التي اجتاحت العراق منذ الأول من أكتوبر الماضي وقتل فيها نحو 280 شخصا وأصيب أكثر من 12 ألفا آخرين نتيجة استخدام قوات الأمن الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع.

وأعادت الأحداث في البصرة للأذهان ما جرى في هذه المدينة، التي تعاني من نقص كبير في الخدمات والبنية التحتية، قبل أكثر من عام عندما خرج أهالي البصرة في احتجاجات مماثلة أدت إلى مقتل 12 متظاهرا واحراق مبنى القنصلية الإيرانية في المدينة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي سرمد الطائي إن "أساس الحركة الاحتجاجية التي نراها اليوم انطلقت من البصرة في عام 2018".

وأضاف الطائي في حديث لموقع الحرة أن "الذي يجري حاليا في مدن العراق كافة هو استنساخ لما حصل في البصرة قبل عام من كمية الغضب الشعبي والعنف الذي تمارسه السلطة وطريقة تنظيم الاحتجاجات ونوع المطالب التي خرج من أجلها المتظاهرون".

وتركز غضب المتظاهرين الذين يطالبون بـ"إسقاط النظام" خلال الأيام الماضية، على إيران صاحبة النفوذ الواسع والدور الكبير في العراق.

وما أجج غضب المحتجين هو الزيارات المتكررة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني للعراق، وتصريحات المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي عن وجود "مخططات من الأعداء لإثارة الفوضى وتقويض الأمن في بعض دول المنطقة".

واتسمت الموجة الأولى من الاحتجاجات بين الأول والسادس من أكتوبر بتواجد قناصة على أسطح مبان استهدفوا المتظاهرين، لكن هويتهم لا تزال مجهولة بالنسبة إلى السلطة، فيما يتهم ناشطون ميليشيات مدعومة من إيران مثل عصائب اهل الحق وسرايا الخراساني بالوقوف وراء عمليات استهداف المتظاهرين.

ويرى الطائي، المتحدر من مدينة البصرة، أن "إيران تنظر للمدينة النفطية كرؤيتها للعراق بشكل عام حيث تعتقد أن برامجها المتمثلة بدعم سياسة العنف و الميليشيات سيؤديان إلى بسط سيطرتها على البلاد وخصوصا البصرة".

ويشير إلى أن "الدعوات المطالبة بالحريات في البصرة والتي تنتقد أيضا موقف المتشددين وتدفق المخدرات عبر الحدود الإيرانية تصاعدت خلال الآونة الأخيرة في البصرة وهذا ما تخشاه أيران".

وشهدت البصرة ومدن جنوب العراق منذ عام 2003، تزايدا ملحوظا في معدلات تعاطي المخدرات، حيث تعلن القوات العراقية بمعدل شبه يومي إلقاء القبض على أفراد وعصابات يتاجرون بالمخدرات التي تقول السلطات إنها تدخل بشكل غير شرعي عبر الحدود الإيرانية.

لكن النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي كشف في وقت سابق أن مليشيات مسلحة تابعة لأحزاب إسلامية شيعية هي من تساهم في انتشار المخدرات في مناطق جنوب العراق.

وتُتهم هذه الميليشيات المدعومة من طهران، والتي تنتشر بشكل ملحوظ في البصرة، بتهريب مئات البراميل من النفط الخام العراقي بشكل غير شرعي والاستيلاء على موارد مدينة البصرة الغنية.

ويتابع الطائي :" لكن الذي جرى على الأرض تبين أن البصرة هي أول مدينة ذات أغلبية شيعية تعلن معارضتها لسياسات إيران وحرس الثوري في العراق والمنطقة".

ويؤكد أن "إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة هو بمثابة إعلان بداية انطلاق المواجهة الكبيرة بين العراقيين وإيران التي اعتبرت منذ ذلك الحين أن مشروعها في العراق مهدد بالفشل".

ويشير الطائي إلى أن "إيران لديها ثأر مع شباب مدينة البصرة، وربما سنشهد خلال الأيام المقبلة شوطا أخر من المواجهة المؤسفة بين الطرفين، إذا لم تتحل القوى السياسية العراقية بالشجاعة لاستعادة القرار والسيادة الأمنية والسياسية من الميليشيات الموالية لطهران".

وكان رجال ملثمون هاجموا متظاهرين مناهضين للحكومة في مدينة البصرة بجنوب العراق خلال الليل، ما أسفر عن مقتل خمسة وجرح العشرات، حسبما أفاد التلفزيون الحكومي ومسؤولون طبيون عراقيون الجمعة.

ويستخرج العراق، ثاني أكبر منتج للنفط الخام بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، معظم انتاجه النفطي من حقول جنوبية ويصدره عبر مرافئ في البصرة وحولها.

والبصرة واحدة من مدن قليلة في الشرق الأوسط دون نظام فعال لمعالجة المياه. وكانت تتمتع بمرافق صحية متطورة في الستينات لكنها انهارت قبل عقود، لتتحول ممرات البصرة المائية إلى مجارير يتسبب المناخ الصحراوي الحار في زيادة الروائح الكريهة المنبعثة منها.

وكذلك تضم البصرة المنفذ البحري الوحيد للعراق على الخليج ومنافذ حدودية بية تجارية مهمة مع الكويت وإيران.

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.