متظاهرون يحرقون إطارات في ساحة الخلاني وسط بغداد، الأحد 10 سبتمبر
متظاهرون يحرقون إطارات في ساحة الخلاني وسط بغداد، الأحد 10 سبتمبر

قتل ثلاثة متظاهرين جنوبي العراق الأحد، وسقط عشرات الجرحى برصاص قوات الأمن التي أطلقت النار في وسط العاصمة، فيما حذرت منظمة العفو الدولية من "حمام دم".

واستمرت الاحتجاجات التي تهز السلطات العراقية، مترافقة مع أعمال عنف دامية أسفرت منذ انطلاق التظاهرات في الأول أكتوبر عن مقتل 319 شخصا غالبيتهم من المتظاهرين، حسب حصيلة رسمية أعلنت صباح الأحد، وإصابة أكثر من 12 ألفا.

واتفقت الكتل السياسية العراقية السبت على وضع حد للاحتجاجات، في وقت يتهمها المحتجون بالولاء لإيران التي يعتبرونها مهندسة النظام السياسي في البلد.

وبعد هذا الاتفاق على "العودة الى الحياة الطبيعية" كثفت قوات الأمن قمع المتظاهرين، فيما لا تزال البلاد من دون إنترنت وبالتالي من دون مواقع تواصل اجتماعي منذ نحو أسبوع.

في مدينة الناصرية، قتل ثلاثة متظاهرين جدد مساء الأحد برصاص قوات الأمن، في حين أصيب مئتان آخرون بجروح، كما سقط عشرات الجرحى في ساحة الخلاني قرب ساحة التحرير في بغداد برصاص قوات الأمن وسط استخدام كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع.

"أريد بلادي"

ويؤكد المتظاهرون عزمهم على البقاء في الشارع رغم الرصاص الموجه إلى صدورهم والاعتقالات وعمليات الخطف والقنابل الصوتية التي تهز انفجاراتها وسط العاصمة بهدف الترهيب.

وقال أحد المتظاهرين لوكالة فرانس برس الأحد "لا يوجد أي ولاء للبلاد من قبل القادة وهم يدينون بالولاء لإيران والولايات المتحدة".

وتابع "طيلة 16 عاما لم يقدموا شيئا للبلاد وها هم اليوم يقتلوننا بدم بارد. حان وقت رحيلكم يكفي ما فعلتموه".

وبحسب مصادر طبية، قُتل تسعة متظاهرين السبت في ساحة التحرير، مركز الاحتجاجات بوسط بغداد، مع إطلاق قوات الأمن الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، فيما قتل ثلاثة آخرون في البصرة، ثاني أكبر مدن البلاد الواقعة في أقصى الجنوب.

ونددت لجنة حقوق الانسان البرلمانية بقيام قناصة بإطلاق النار على المتظاهرين من على سطوح أبنية. ومنذ أكتوبر تتهم السلطات قناصة بإطلاق النار على المتظاهرين من دون أن تحدد هوياتهم.

خطة الأمم المتحدة

ومع تخوف المتظاهرين من تدخل قوات الأمن لتفرقتهم بالقوة في ساحة التحرير في بغداد، ومع تحذير منظمة العفو الدولية من وقوع "حمام دم"، عرضت بعثة الأمم المتحدة في العراق مساء الأحد خطة للخروج من الأزمة.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة بإطلاق سراح كل المتظاهرين المعتقلين وإلقاء الضوء على عمليات الخطف التي تستهدف ناشطين وأطباء يعتقد المدافعون عن حقوق الانسان أن مجموعات مسلحة تقف وراءها بعضها يدعي أنه تابع للسلطات.

وتطالب خطة بعثة الأمم المتحدة بإجراء استفتاء حول إصلاح دستوري خلال ثلاثة أشهر وإعادة النظر في القانون الانتخابي خلال أسبوعين واتخاذ إجراءات إضافية لمكافحة الفساد.

إلا إن ما ورد في هذه الخطة يبقى أقل بكثير مما يطالب به المتظاهرون الذين يريدون نسف النظام السياسي الذي قام بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

كما يطالبون بدستور جديد وتجديد الطبقة السياسية.

ولم تخرج الأحد تظاهرات في البصرة جنوبي البلاد حيث كانت قوات الأمن تعتقل على الفور من يخرج إلى الشارع للتظاهر، وذلك غداة مقتل ثلاثة متظاهرين برصاص قوات الأمن.

وفي الناصرية جنوبي البلاد لاحقت قوات الأمن متظاهرين من الأطباء إلى داخل مستشفى للأطفال، حسب ما أفاد مسؤول صحي وكالة فرانس برس.

 

 

صبي يقفز في مياه قناة نهر دجلة في بغداد وسط موجة حارة شديدة.
صبي يقفز في مياه قناة نهر دجلة في بغداد وسط موجة حارة شديدة.

في حي الكريعات السكني في شمال بغداد، يسبح عامل البناء موسى عبدالله (21 عاما) يوميا في نهر دجلة إذ "لا خيار آخر" لديه في ظل ارتفاع درجات الحرارة في العراق والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي.

ويقول العامل بملابسه المبللة والملطخة بدهان أبيض  لوكالة فرانس برس ""نحن شباب ونريد أن نستمتع بوقتنا. إلى أين نذهب؟ في البيت لا كهرباء وحرارة المياه حارقة".

ويضيف فيما الحرارة 47 درجة مئوية عند الساعة الرابعة عصرا "يتسرب مني العرق وأشعر أنني انتهيت بحلول نهاية اليوم بسبب الشمس".

ويتابع "لا خيار آخر" سوى نهر دجلة حيث "المياه ملوثة".

في ظل ارتفاع الحرارة والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي، يلجأ العراقيون للنهر والجليد.

في العراق الذي يضم 43 مليون نسمة، لا يميز الحر الشديد بين الطبقات الاجتماعية في الليل كما في النهار. غير أن سبل مواجهة ارتفاع درجات الحرارة تختلف، فيلجأ البعض إلى الخيارات المجانية مثل الأنهر فيما يقصد آخرون صالات ترفيهية فيها مياه وتكييف.

ومع انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة في اليوم، تلجأ الكثير من الأسر إلى المولدات الكهربائية فيما يصبح التكييف في المنازل ترفا في بلد غني بالنفط لكنه يعاني من تهالك البنى التحتية نزاعات واستمرت لعقود وسياسات عامة غير فعالة.

وفيما يرتدي عبدالله صندلا بني اللون ليعود إلى منزله للاستحمام، يقفز رشيد الراشد البالغ 17 عاما في المياه حيث كان اثنان يغسلان شعرهما بالصابون.

ويقول الشاب الذي يعمل في جمع النفايات "الجو حار في المنزل ولا يمكنني أن أبقى فيه وقتا طويلا".

في ظل ارتفاع الحرارة والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي، يلجأ العراقيون للنهر والجليد.

وفي منطقة أخرى على ضفاف دجلة، يختلف المشهد إذ لم يكن أحدا في النهر سوى دورية لشرطة النجدة النهرية أبعدت نحو 10 فتيان عن المياه.

ويقول أحد عنصري الدورية طالبا عدم الكشف عن هويته "كلما أبعدناهم عن المكان يعودون، إلى أن يغرق أحدهم".

ويضيف مشيرا إلى مقطع فيديو على هاتفه "هذا طفل عمره 11 سنة انتشلناه ميتا من المياه بعدما ظل غارقا مدة يوم ونصف اليوم".

وفي محافظة بغداد وحدها، قضى ستة أشخاص معظمهم دون سن العشرين غرقا في نهر دجلة بين الأول من مايو و19 يونيو، حسبما أفاد مصدر في شرطة بغداد.

وفيما تبقى السباحة في النهر الخيار الوحيد لمن يريد الهرب من الحر الشديد مجانا، يلجأ آخرون إلى مدن الألعاب المائية.

في مدينة ألعاب بغداد المائية في منطقة الزيونة في شرق بغداد، تغطس دارين عبد (11 عاما) بزيها الزهري في المياه الباردة.

وتقول "أتمنى لو كان بإمكاني أن آتي إلى هنا 24 ساعة في اليوم".

ومنذ وصولها عند الواحدة ظهرا، توثق تلميذة الصف السادس التي تنوي البقاء في المسبح حتى الثامنة مساء، لحظات المرح بهاتفها على مزالق مائية ملونة ضخمة حيث يستخدم كثر عوامات سباحة خضراء وصفراء للتزحلق. 

وتضيف الفتاة التي تمارس السباحة بانتظام منذ عامين "الحر قاتل والتيار الكهربائي مقطوع كل الوقت في البيت".

وتفتح هذه المدينة المائية التي تفرض رسم دخول يصل إلى 15 ألف دينار (11,5 دولارا تقريبا) للشخص الواحد، أبوابها حتى الساعة 23,00 يوميا.

ويقول المتحدث باسم الإدارة علي يوسف (23 عاما) "حل الصيف باكرا في هذا الموسم لذلك نشهد عددا كبيرا من الزوار يأتون بعد العمل أو بعد المدرسة".

بدوره، يشتكي الموظف في قطاع التربية ميثم مهدي (31 عاما) من انقطاع الكهرباء في منزله.

ويتوقع مهدي وهو أب لأربعة أطفال، في زيارته الثانية للصالة المغلقة هذا الشهر أن يرتاد المكان بكثرة هذا الصيف "من أجل البرودة".

وفي ظل تراجع نسبة المتساقطات وارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف، يعد العراق من بين الدول الخمس الأكثر تأثرا ببعض أوجه التغير المناخي وفق الأمم المتحدة. 

وشهد هذا البلد في السنوات الأربع الأخيرة موجات جفاف متتالية اتسمت بنقص في المياه وانخفاض ملحوظ في مستوى الأنهار. لكن هذا الشتاء كان أكثر اعتدالا ورحب المسؤولون بالأمطار الغزيرة التي يأملون أن تحسن الوضع خلال الصيف.

لكن في بلد يتميز "بمناخ شبه صحراوي"، يتوقع أن تكون "السنوات القادمة أكثر حرارة" ويشهد "موجات حارة غير مسبوقة" نتيجة التغيرات المناخية بحسب المتحدث باسم الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي عامر الجابري.

ويتوقع أن تتخطى درجات الحرارة 50 مئوية هذا الأسبوع في أكثر من نصف محافظات البلاد، بينها بغداد وأخرى جنوبية، وفقا لتقرير لهيئة الأنواء الجوية العراقية.

ويضم مركز زيونة التجاري، صالة للتزحلق على الجليد هي الوحيدة في العاصمة العراقية، بحسب الإدارة.

في ظل ارتفاع الحرارة والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي، يلجأ العراقيون للنهر والجليد.

وقد يصل عدد روادها إلى 100 في أيام العطل والأعياد، حسبما يقول المدرب سجاد محمد (25 عاما).

ويؤكد أن الصالة المجاورة لمطاعم وصالة ألعاب إلكترونية تشهد إقبالا أكثر خلال فصل الصيف.

ويضيف الشاب أن في صالة التزحلق "الكهرباء مؤمنة 24 ساعة وكذلك أنظمة تبريد داخلية" للحفاظ على الثلج. 

في ظل ارتفاع الحرارة والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي، يلجأ العراقيون للنهر والجليد.

وبعد دفع مبلغ سبعة آلاف دينار (5 دولارات)، يضع حسين هلالي (11 عاما) الحذاء الخاص بالحلبة وينطلق فيما تلتقط والدته صورا له.

ويتردد التلميذ في الصف الخامس مرتين في الأسبوع مع أولاد عمه إلى هذه الحلبة.

ويقول "أستأنس بهذا المكان وأشعر براحة كبيرة أكثر من أي مكان آخر".