متظاهرون في ساحة التحرير في بغداد
متظاهرون في ساحة التحرير في بغداد

في وقت يزداد فيه زخم الاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام في العراق، هاجم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الاثنين، الولايات المتحدة وتوعد بإنهاء وجودها "إذا لم تكف يدها عن العراق".

تصريحات الصدر تأتي بعد يومين على توصل الكتل السياسية العراقية إلى اتفاق عقب سلسلة اجتماعات على أعلى مستوى أشرف عليها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وفقا لوكالة فرانس برس.

وينص الاتفاق على "دعم الحكومة في إنهاء الاحتجاجات بكافة الوسائل المتاحة، والتمسك برئيس الوزراء عادل عبد المهدي والتمسك بالسلطة مقابل إجراء إصلاحات في ملفات مكافحة الفساد وتعديلات دستورية".

هجوم الصدر على الولايات المتحدة، قابله آخرون بالإشارة إلى تجاهله للتدخل الإيراني الواضح في الشؤون العراقية.

وقال المحلل السياسي حسين عبد الحسين لموقع الحرة، "لم أسمع الصدر يعترض عندما تحدث المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مباشرة وطالب بقمع التظاهرات في العراق".

وأضاف عبد الحسين أن زعيم التيار الصدري "يبدو أنه لم ينتبه أن هناك تدخلا إيرانيا عندما دعا خامنئي حكومتي العراق ولبنان إلى قمع المتظاهرين. فلم يكن ذلك برأيه يحتاج إلى رد، أما الآن فتصريح شبه عابر من واشنطن يتطلب ردا".

وأعرب البيت الأبيض في بيان عن قلقه العميق إزاء الاعتداءات المستمرة ضد المتظاهرين والناشطين المدنيين ووسائل الإعلام وحظر الإنترنت في العراق.

وقتل 319 متظاهرا وأصيب أكثر 12 ألف آخرين جراء العنف المفرط الذي استخدمته القوات الأمنية وميليشات مدعومة من إيران، في قمع الاحتجاجات التي انطلقت في الأول من أكتوبر الماضي.

وجاء في بيان الصدر أن "الشعب العراقي هو من يقرر مصيره.. للعراق كبار بستطيعون حمايته ولا يحتاج إلى تدخلات منكم ولا من غيركم".

تصريحات الصدر، حسب عبد الحسين، "بسيطة وتفتقد العمق السياسي فهو إما يشتم أميركا أو يهدد وليس ليديه رؤية فعلية متماسكة منذ سقوط نظام صدام إلى اليوم".

وأضاف أن موقفه "يكشف انحيازه لطهران والذي عادة ما يعتمد إخفاءه، لكن هذه المرة ربما تم استدعاؤه إلى إيران وربما عرضوا عليه حوافز أو هددوه".

وتابع أن من الواضح أن الصدر "يقوم حاليا بتقديم خدمات لنظام طهران، فهو يشعر أنه محرج في العراق، ويسعى لإنقاذ هذا النظام والميليشيات والحكومة الموالية لإيران في بغداد لعله يكافأ على هذا الموقف".

وتساءل أحد المغردين في معرض تعليقه على ما قاله الصدر، عن سبب عدم إصداره أمرا الآن للتظاهر المليوني ضد الفساد والسرقة وانعدام الخدمات والتدخل الإقليمي، مشيرا إلى أن إيران هي المستفيد الأكبر.

وكتب آخر "هذا فقط إلي هزك وخلاك تغرد، ما هزك دماء الشهداء ولا روسهم الي تفجرت ولا جثث بدون راس ولا طلقات بنص قلوبهم ما هزك الشباب تقتل بس لانها تريد وطن ولا شفنالك تغريدة عليهم النساء المختطفات من الميليشات ما هزنك شرف العراق الي بيد المليشيات ما هزك حسبنا الله ونعم الوكيل".

وفي حين تعتبر إيران أن الاحتجاجات الشعبية من تدبير أميركا وإسرائيل، فإن سليماني، قائدها العسكري، هو من شوهد مرارا في العراق مؤخرا، حسب مصادر حكومية عراقية.

 فقد كان في بغداد خلال الموجة الأولى من الاحتجاجات التي توقفت بعد مقتل 157 شخصا حسب حصيلة رسمية، غالبيتهم متظاهرون أصيبوا برصاص قناصة تقول الحكومة إنها لم تتمكن حتى الآن من تحديد هوياتهم. ثم عاد مع بدابة الموجة الثانية في 24 أكتوبر، وفي كل مرة يكون هو "قائد الأوركسترا"، حسب المصادر ذاتها.

وقال الخبير في الحركات الإسلامية قاسم قصير لفرانس برس إن مشكلة إيران "أنه كان لها دور مباشر في إدارة الشأن العراقي"، مشيرا إلى أن "دور الإيرانيين الشائع والمباشر في العراق كزيارات سليماني المتكررة، يستفز البعض".

وفيما كانت إيران في مرمى الغضب الشعبي العراقي خصوصا في جنوب البلاد حيث أحرق المتظاهرون مقرات أحزاب وميليشيات مرتبطة بطهران وألقوا القنابل الحارقة على قنصليتها في كربلاء، غابت الشعارات المناهضة للولايات المتحدة عن الاحتجاجات، ومع ذلك اختار الصدر أن يغرد خارج السرب وبالتعارض مع مطالب المحتجين التي يدعي تأييدها.

ويدعو جزء كبير من العراقيين المرشد الأعلى في إيران إلى "الاهتمام ببلاده بدلا من ثورتهم" التي يطالب المشاركون فيها برحيل الحكومة والبرلمان وكل من احتكروا السلطة منذ 2003.

متظاهرون في النجف جنوبي العراق
متظاهرون في النجف جنوبي العراق

519843 4

منقذ داغر وكارل كالتنثالر/

يشهد العراق احتجاجات تهز صميم نظامه السياسي. فقد فاجأت الاحتجاجات المنتشرة في أرجاء البلاد والتي بدأت في 1 أكتوبر 2019 العالم بنطاقها وحجمها والرد العنيف الذي واجهه المتظاهرون المسالمون بأغلبيتهم. ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو تركيبة هؤلاء المتظاهرين الذين يتألفون بأغلبيتهم من شيعة العراق المعارضين لحكومة بلادهم ذات الأكثرية الشيعية. أثارت هذه الاحتجاجات الجارية سؤالا مهما: لماذا انقلب كثيرون من شيعة العراق على حكومة تمثلهم بظاهرها؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ للمرء أولا من أن يفكر في ما ينتظره المواطنون من الحكومة. يُنتظر من الحكومات أن تساعد في تأمين الاحتياجات الثلاثة الأولى لمواطنيها: الأمن والعيش الكريم والشعور بالأهمية. وتشكل هذه الأخيرة، أي "الشعور بالأهمية"، حاجة الأفراد إلى الشعور بأن الحكومة تهتم لهم وتقدّرهم. وكلما ترسخ في فكر المرء أن حكومته لا تقدم هذه العناصر الأساسية الثلاثة بالمستوى المطلوب، فقد يزداد الناس سخطا وغضبا.

فقد شيعة العراق ثقتهم بحكومتهم لأنها فشلت في تلبية احتياجاتهم الأساسية في أي من هذه المجالات الثلاث. كان من المفترض بعد سقوط صدام حسين ونشأة نموذج الحكم الجديد ذي الغالبية الشيعية، أن يتحسن وضع العراقيين الشيعة إلى حد كبير.

ازدادت الآراء المناهضة لإيران إلى حد كبير في السنوات الخمس الفائتة

وقد توقع الشيعة باعتبارهم الأغلبية في دولة العراق الحديثة بأن من المنطقي أن يحظوا بكلمة الفصل في الإدارة العراقية، بدلا من سيطرة المجتمع العربي السني التاريخية على العراق. وقد كان هذا هو الوضع السائد منذ العصر العثماني. وبالتالي عندما سقط حكم صدام حسين، توقع العراقيون الشيعة نهاية منتظرة منذ وقت طويل للهيمنة السنية ورأيا أكبر في السياسات العراقية.

ويضاف إلى هذه التوقعات أن الكثير من الشباب الشيعة حاربوا تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") عندما هدد بالسيطرة على بغداد في العام 2014، وذلك عبر ميليشيات شيعية أدّت في النهاية دورا محوريا في هزيمة التنظيم كقوة قتالية تم الاعتراف بها رسميا في العراق. وبسبب التضحيات التي قدمها كثير من الشيعة من أجل التخلص من الكارثة الداعشية، توقعوا أن تتحسن أحوالهم المعيشية وأوضاعهم في المجتمع العراقي. ولكن لم تحقق الحكومة أيا من هذه التوقعات.

وبالتالي، فقد الشيعة، وكذلك الأكراد ولو بدرجة أقل، الأمل في الحصول على دولة عراقية جديدة ديمقراطية تجسد أصواتهم السياسية أو تحسن مستوى معيشتهم بطرق ملموسة.

ولكن بدلا من تأسيس هذا العراق المنشود، اعتمد النظام السياسي ذو الأغلبية الشيعية الجديد نظاما سياسيا ينخره الفساد لا يراعي المواطن العراقي العادي ولا يستطيع تأمين خدمات أساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء، فضلا عن التعليم والرعاية الصحية. ويضاف إلى هذه الخيبات الواقع الاقتصادي العائم بالفوضى والبطالة المنتشرة في كل مكان وتطال بين من تطاله الشباب الشيعة.

لم تتطور هذه الظروف بين ليلة وضحاها. وبتدهور الأوضاع، ازدادت مشاعر الإحباط والغضب على مرّ الوقت. ويظهر هذا بوضوح في استطلاعات الرأي التي أجرتها الشركة المستقلة للبحوث في العراق، وهي شركة استطلاع عراقية معروفة.

ففي حين عبّر 58 بالمئة من العراقيين الشيعة في العام 2012 عن ثقتهم بأن الحكومة العراقية ستحسن الأوضاع في البلاد، تراجعت النسبة إلى 40 في المئة من الشيعة في العام 2018.

وفي المقابل، وبعد أن كان 35 بالمئة فقط من السنة يعتقد أن بإمكان الحكومة تحسين أوضاعهم في العام 2012، ارتفعت هذه النسبة في الواقع إلى 50 في المئة في العام 2018.

تؤكد هذه الأرقام أن التشاؤم ازداد بين العراقيين الشيعة تجاه النظام السياسي الذي وعد بالكثير ولم يقدّم سوى القليل، في حين أصبح العراقيون السنّة أكثر تفاؤلا بعد هزيمة "داعش".

وما يشير بوضوح أيضا إلى المشاعر العامة هو مستوى الرضى عن الحياة بحسب إفادات شخصية. فبعد الغزو الأمريكي عام 2003، لم يكن العراقيون، الشيعة والسنة على حدّ سواء، راضين عن حياتهم، ولكن بحلول العام 2005، أفاد الشيعة بنسبة 66 في المئة بأنهم سعداء بحياتهم في حين كان 60 في المئة من السنة يشعرون بذلك. استمرت هذه النسب بالازدياد. ففي العام 2009، كان الشيعة بنسبة 81 في المئة راضين عن حياتهم وأعرب السنة بنسبة 65 في المئة عن حياة سعيدة.

ولكن الوضع انقلب منذ ذلك الحين. ففي العام 2018، عندما سئل الشيعة عن رأيهم، أفادوا بنسبة 65 في المئة بأنهم سعداء بحياتهم وهو تراجع كبير مقارنة بما كانت عليه في العام 2005، وأفاد السنة بنسبة 75 في المئة بأنهم سعداء في حياتهم. يثبت هذا السؤال أن الشيعة أصبحوا أكثر إحباطا وتشاؤما مما كانوا عليه أثناء الانتخابات الديمقراطية العراقية الأولى.

ما يزيد حدة غضب الشيعة تجاه حكومتهم هو الرد العنيف الذي واجهه المحتجون السلميون

إن ما يزيد من عدم الرضا عن الحياة بين شيعة العراق هو الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب الذي يواجهونه. ففي العام 2004، ما كان يهم الناس بالدرجة الأولى هو الأمن والبنية التحتية والبطالة، وبهذا الترتيب. وخلال ذلك العام، أفاد الشيعة بنسبة 72 في المئة بأن الوضع الأمني أكثر ما يشغلهم. لكن الحال تغير كثيرا حيث تبين أن الفساد هو أكبر المشاغل في العام 2019، وهو ما أفاد به 47 بالمئة من الشيعة، تليها نسبة 32 في المئة تشير إلى أن البطالة هي الشاغل الرئيسي، ونسبة 21 في المئة قالوا بأن الوضع الأمني يشكّل أكبر مخاوفهم.

ومع تلاشي الخطر الذي شكله تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") خلال العامين 2014 و2015، يزداد سخط العراقيين الآن تجاه عجز النظام السياسي عن تأمين حكم نزيه أو وظائف مناسبة.

لقد أثّرت الأحداث السابقة بشكل كبير على تنامي المظاهرات الاحتجاجية. وما يزيد حدة غضب الشيعة تجاه حكومتهم هو الرد العنيف الذي واجهه المحتجون السلميون في شوارع المدن العراقية.

فمنذ أن بدأت الاحتجاجات في شهر أكتوبر، قتلت الحكومة والقوات المؤيدة لها أكثر من 300 محتج، في حين أصيب أكثر من عشرة ألف محتج. وتعرض المحتجون في الغالب للعنف القمعي والهادف إلى ترويع الناس من النزول إلى الشوارع.

وتزداد مشاعر الغضب تجاه الحكومة حدة بسبب انتشار قناصين يطلقون الرصاص الحيّ على متظاهرين لا يشكلون تهديدا على الحكومة أو المدنيين. تدفع هذه القوة الجائرة المزيد من العراقيين إلى النزول إلى الشوارع بوجه حكومة لا تحترمهم ولم تعد تمثلهم برأيهم.

ويستهدف الغضب الشعبي في الشارع الشيعي إيران أيضا. يزداد شيعة العراق اعتقادا بأن إيران تتدخل بالسياسة العراقية بما يخدم مصلحتها. وعلاوة على ذلك، يرون أن إيران تدعم الحكومة العراقية الحالية والحملة العنيفة على المجموعات المعارضة.

فقد شيعة العراق ثقتهم بحكومتهم لأنها فشلت في تلبية احتياجاتهم الأساسية

هذا وأدت الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران دورا محوريا في العنف الذي تمت ممارسته ضد المتظاهرين وباتت تشكل الآن الجهة الأشد دعما للحكومة العراقية الحالية.

ولكن هذا ليس بجديد، فقد ازدادت الآراء المناهضة لإيران إلى حد كبير في السنوات الخمس الفائتة. ففي العام 2014، أيّد العراقيون الشيعة إيران بنسبة 86 في المئة، في حين انخفضت هذه النسبة في العام 2019 إلى 41 في المئة فقط.

ما هي مطالب شيعة العراق إذا؟ لا يطالب هؤلاء المحتجون بوقف العنف تجاههم واستقالة الحكومة الحالية فحسب، بل يريدون أيضا تغيير هيكل النظام السياسي. ففي حين صُمم النظام السياسي في العراق ما بعد 2003 بشكل يجعله شاملا لكيلا يترك أي مجموعات فرعية محتملة متضررة من السياسة، إلا أن الحكومات التي تأسست بعد ذلك أدت إلى شلل سياسي كامل وشجعت شبكات المحسوبيات والفساد التي باتت منتشرة في العراق.

وقد استخدم البرلمانيون مقاعدهم للاستفادة من خزائن الدولة وتعزيز قوتهم السياسية وإثراء أنفسهم. هذا التصرف الشائن بين أعضاء الطبقة السياسية العراقية الحالية هو ما يؤجج غضب مواطني العراق تجاه السياسيين.

إن الأمر يتطلب شجاعة كبيرة وتركيز أقوى على الوحدة الوطنية بين الجهات السياسية العراقية لتجنب حدوث كارثة في البلاد. ما لم يحدث هذا، من غير المستبعد أن يدفع الغضب بين أغلبية أبناء الطائفة الشيعية في العراق إلى اللجوء إلى وسائل متطرفة لتصحيح الوضع السياسي الواهي في البلاد. وكما تبين في السابق، لن تنصب زعزعة الأوضاع في العراق في مصلحة العراقيين أو المنطقة أو الولايات المتحدة.

يمتلك منقذ داغر سجلا مميزا من الدراسات الاستقصائية المتعمقة حول الشرق الأوسط، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالصراعات الحالية في كلا من العراق وسوريا، حيث قام بالتعاون على نطاق واسع مع العديد من مؤسسات استقصاء الرأي الدولية الرئيسية وقام بنشر تلك الدراسات على نطاق واسع باللغة العربية.

كارل كالتنثالر، هو أستاذ العلوم السياسية ومدير الدراسات الأمنية بجامعة أكرون. وهو متخصص في قضايا الأمن الدولي والتطرف العنيف وسياسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
رؤى استطلاعية حول ثورة الشيعة في العراق FAF29D29-EBB4-4192-A5D0-BEE85E0C4C51.jpg AFP رؤى-استطلاعية-حول-ثورة-الشيعة-في-العراق متظاهرون في النجف جنوبي العراق 2019-11-11 16:49:36 1 2019-11-11 16:59:36 0