قتلت القوات الامنية العراقية أكثر من 25 شخصا في الناصرية الخميس
قتلت القوات الامنية العراقية أكثر من 25 شخصا في الناصرية الخميس

أقدمت الحكومة العراقية على الاستعانة بالقادة العسكريين لمواجه الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت منذ الأول من أكتوبر الماضي، وراح ضحيتها نحو 380 شخصا، في خطوة تصعيدية تنذر بـ"الأسوأ"، وفقا لمراقبين.

وقبيل عمليات التصعيد التي حصلت مساء الأربعاء في ساحات الاحتجاجات في مدن جنوبية، قررت بغداد إرسال قيادات عسكرية إلى عدد من المحافظات من أجل "المساعدة في ضبط الأمن".

وحسب بيان حكومي الأربعاء تقرر تكليف بعض هذه القيادات ليكونوا أعضاء في خلية أزمة تتولى القيادة والسيطرة على كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية في المحافظات، ولمساعدة المحافظين في أداء مهامهم.

ولم تمض سوى ساعات على هذا الإعلان حتى تصاعدت عمليات القمع ضد المتظاهرين في مدن كربلاء وبابل، والنجف التي شهدت قيام محتجين غاضبين بحرق مبنى القنصلية الإيرانية.

لكن القمع الأشد كان من نصيب مدينة الناصرية، مسقط رأس رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي، حيث فتحت قوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين مما تسبب في مقتل أكثر من 25 شخصا وإصابة نحو 200 آخرين.

ويقول المحلل السياسي أحمد الأبيض إن "تعيين قادة عسكريين لإدارة شؤون المحافظات يعد اعلان حالة طوارئ بشكل غير معلن وهو اخر ورقة تلعبها الحكومة من أجل السيطرة على الأوضاع".

ويضيف الأبيض لموقع الحرة أن "القادة السياسيين المقربين من إيران والميليشيات المرتبطة بهم هم من يضغطون على رئيس الحكومة لاعتماد الحل الأمني واستنساخ التجربة الإيرانية لمواجهة التظاهرات".

وفي يوم يعد من الأكثر دموية في التظاهرات المستمرة منذ شهرين قتل 31 متظاهرا الخميس في العراق خلال مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن العراقية.

ونددت المفوضية العراقية لحقوق الإنسان في بيان "بالاستخدام المفرط للقوة" بعد أن سجلت سقوط 25 قتيلا في الناصرية وأربعة قتلى في مدينة النجف، حيث أحرق المتظاهرون قنصلية إيران الأربعاء، وقتيلان في بغداد، إضافة إلى عشرات الجرحى في أنحاء البلاد.

وأوكل عبد المهدي مهمة استعادة الأمن في الناصرية إلى الفريق الركن جميل الشمري الذي كان قائدا لعمليات البصرة خلال المظاهرات الدامية في صيف 2018.

لكنه عاد عن القرار الخميس على خلفية عمليات القمع ضد المحتجين، وعمد إلى "سحب يد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار الفريق جميل الشمري" حسب ما ذكر التلفزيون الرسمي.

كما كلفت الحكومة العراقية الفريق الركن عبد الأمير الزيدي رئيسا لخلية الأزمة في بابل، واللواء علي الهاشمي في النجف والفريق باسم حسين الطائي في كربلاء والفريق الركن كريم جاسم نزال في الديوانية، حسبما ذكرت وسائل إعلام محلية.

ويقول المحلل السياسي حميد الصائح إن "ما يحصل من تصعيد هو صفحة جديدة من صفحات الخيار الأمني الذي اتخذه رئيس الحكومة عادل عبد المهدي والقوى التي تقف وراءه"

ويتابع الصائح في تصريح للحرة أن "اعتماد الخيار الأمني والزج بالمؤسسة العسكرية العراقية بمواجهة المحتجين وقمع التظاهرات أمر خطير وينذر بالأسوأ ويذكر بما حصل في عام 1991 إبان انتفاضة آذار ضد نظام صدام حسين".

وكان نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين استعان بقوات الحرس الجمهوري للقضاء على الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في آذار 1991 بعد طرد القوات العراقية من الكويت.

واستعان صدام حسين في حينه بقادة عسكريين موالين له ومعظمهم من أقربائه مثل علي حسن المجيد وحسين كامل وغيرهم لقيادة القوات العسكرية التي قمعت الاحتجاجات في مدن جنوب البلاد عبر القصف المدفعي مما تسبب بمقتل عشرات الآلاف ودفن، ثم بدأ بحملة إعدامات جماعية بعد قمع الانتفاضة ودفن الضحايا في مقابل جماعية.

ويضيف أن "هناك قرارا سابقا بإفشال التظاهرات بأية طريقة لأن نجاحها كفيل بتأجيج الاحتجاجات في مناطق مختلفة في المنطقة ومن أهمها إيران".

ويتهم المحتجون، وأغلبهم من الشيعة، السلطات العراقية بالعمل ضد شعبها للدفاع عن إيران.

وانتهجت السلطات حتى الآن العنف لإخماد الاضطرابات وقتلت المئات بأعيرة نارية وبالقنابل المسيلة للدموع وطرحت في ذات الوقت مقترحات لتنفيذ إصلاحات سياسية وصفها المحتجون بأنها هامشية وشكلية.

ورفض رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الدعوات التي تطالبه بالاستقالة حتى الآن. وعقد عبد المهدي اجتماعات مع سياسيين بارزين بحضور قائد فيلق القدس وهو وحدة تابعة للحرس الثوري الإيراني منوطة بالقوات والجماعات التي تعمل لصالح طهران في الخارج.

والاحتجاجات التي بدأت في بغداد في الأول من أكتوبر وامتدت إلى المدن الجنوبية هي أصعب تحد يواجه الطبقة الحاكمة في العراق.

الكاظمي يزور مقر هيئة الحشد الشعبي في بغداد
الكاظمي يزور مقر هيئة الحشد الشعبي في بغداد

تكمن مهمة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في الموازنة بين قوتين متخاصمتين، هما الولايات المتحدة وإيران، والحفاظ على "توجيه دفة" العراق بعيدا عن احتمالية التحول إلى ساحة للمعركة بينهما، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وتقول الصحيفة الأميركية في تقرير نشر الجمعة إن واشنطن وطهران اجتمعتا، بهدوء خلف سياسي عراقي تريان أنه سيكون حاسما لمنع المزيد من الفوضى في بلاده.

كرئيس للوزراء، قدم الكاظمي بالفعل مبادرات طيبة للمتظاهرين الذين عارضوا النفوذ الإيراني والجماعات الموالية لطهران التي تعتبر المظاهرات "مؤامرة أميركية".

وبعد أيام من توليه منصبه، أمر بمداهمة ميليشيا صغيرة قتلت متظاهرا في مدينة البصرة الجنوبية، في خطوة ينظر إليها على أنها علامة على نيته تحجيم الفصائل الأكثر قوة المرتبطة بإيران.

بعدها بأيام، وفي خطوة واضحة لطمأنة هذه الجماعات شبه العسكرية المدعومة من إيران، زار مقرها وأشاد بدورها في الحرب ضد تنظيم داعش.

تنقل الصحيفة عن غالب الشابندر، وهو محلل سياسي عراقي يعرف الكاظمي منذ أن كان مراهقا، القول: "إنه (الكاظمي) يصنع صداقات، حتى مع أعدائه".

وتتابع أن داعمي الكاظمي يأملون في أن يتمكن من الحفاظ على التوازن الهش من أجل وضع العراق في مسار أفضل، بعد أن خرجت البلاد من الحرب ضد تنظيم داعش وتكافح حاليا مع ضغوط انخفاض أسعار النفط.

وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن التحديات التي يواجهها الكاظمي هائلة، على الرغم من انحسار الاحتجاجات الشعبية التي أجبرت سلفه على الاستقالة، لكن الغضب الشعبي أكبر من أي وقت مضى. 

وفي غضون ذلك، كثف تنظيم داعش هجماته ضد قوات الأمن العراقية، سعيا لاستغلال التحديات الأمنية الناشئة عن تفشي فيروس كورونا والتصدعات في الشراكة بين واشنطن وبغداد.

تقول الصحيفة إن المسؤولين الأميركيين عملوا بشكل وثيق مع الكاظمي بصفته رئيسا لجهاز المخابرات خلال الحرب ضد تنظيم داعش، وصعوده يمثل فرصة لإصلاح العلاقات التي تلاشت في عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي.

وتنقل عن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر القول إن الكاظمي قام "بعمل جيد" كرئيس للمخابرات، مرحّبا في الوقت ذاته بالشراكة معه.

ومن المقرر أن يعقد البلدان حوارا استراتيجيا في يونيو لتحديد شروط علاقتهما المستقبلية، حيث تتطلع واشنطن إلى تقليص التزاماتها دون تمكين تنظيم داعش من الظهور مرة أخرى.

كما أنها تعتبر الكاظمي شريكا لديه الاستعداد لمنع العراق من الانجراف أكثر إلى حضن طهران.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة إن "هناك بعض الأمل والتفاؤل بأن لدينا شريك يعمل أولا وقبل كل شيء للعراق".