تشييع بعض ضحايا الاحتجاجات في مدينة النجف وسط العراق
تشييع بعض ضحايا الاحتجاجات في مدينة النجف وسط العراق

لم يوقف إعلان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عزمه الاستقالة، دوامة العنف الذي استمر في مناطق الجنوب الزراعية والقبلية، حيث تهدد الفوضى المنطقة منذ أن ظهر مسلحون قبليون لحماية متظاهري الناصرية من جهة، ومسلحون مدنيون أطلقوا النار على محتجين في النجف.

وقتل الجمعة ما لا يقل عن 20 متظاهرا في الناصرية التي تشهد صدامات دموية منذ الخميس، بحسب مصادر الحرة، كما قتل آخر بيد مسلحين مدنيين أمام مقر حزب في النجف، بحسب شهود وأطباء.

وكان جنوب العراق اشتعل، الخميس، بعد عملية قمع نفذها قادة عسكريون أرسلتهم سلطات بغداد بعيد حرق القنصلية الإيرانية في النجف وسط هتاف المحتجين "إيران برا".

وتمت إقالة كبير الضباط الذين أوفدتهم بغداد الخميس إلى الناصرية وذلك بعد مقتل 28 متظاهرا في بضع ساعات برصاص حي أطلقته قوات الأمن.

ونددت الأمم المتحدة بذلك قائلة إن "العدد المتنامي للقتلى والجرحى أمر لا يطاق".

وأشاع إعلان عبد المهدي عزمه الاستقالة أجواء بهجة في ساحة التحرير مركز حركة الاحتجاج. وتخلى الشبان عن الحجارة التي يدافعون بها عن انفسهم لينخرطوا في الرقص فرحا بالخبر.

وقال أحد المتظاهرين لوكالة فرانس برس "هذا أول نصر لنا، وستكون هناك انتصارات أخرى على الآخرين" من السياسيين الذين يعتبرونهم فاسدين وغير أكفاء ويعملون لحساب القوى النافذة في العراق وأولها إيران.

وأضاف، وسط هتافات وأبواق عربات "التوك توك" الثلاثية العجلات التي باتت رمز الاحتجاجات في بغداد، "إنه إنتصار كذلك للشهداء الذين سقطوا" خلال الاحتجاجات.

وقال المتظاهر علي حسين من ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية، جنوب بغداد، إن "هذه خطوة مهمة رغم كونها متأخرة، وبعد أيام دموية خصوصا هنا في الناصرية".

وفي مدينة الديوانية، جنوب البلاد، حيث أقيم تشييع رمزي تكريماً لـ46 متظاهراً قتلوا الخميس بالرصاص في مدن متفرقة من البلاد، أعرب متظاهر عن سعادته، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن "مشكلتنا ليست رئيس الوزراء (فقط)، نريد أن ترحل جميع الأحزاب"، في إشارة إلى فشل السياسيين في إدارة البلاد وما ترتب على ذلك من سوء الخدمات والفساد وارتفاع معدلات البطالة في العراق الذي يعد بين أغنى دول العالم بالنفط.

خمس العراقيين يقبعون تحت خط الفقر، وتعاني البنى التحتية من الترهل ولم يتم أبدا تجديدها في وقت تبخر في 16 سنة ضعفا الناتج الإجمالي في جيوب سياسيين ومستثمرين مشبوهين.

ورحبت جهات بينها كتل سياسية بالدعوة التي كان أطلقها المرجع الشيعي، وقال تحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي "ندعو مجلس النواب العراقي لعقد جلسة خاصة غدا (السبت) لسحب الثقة عن الحكومة وتشكيل حكومة جديدة مستقلة".

وكان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أكد مرارا أن عدم استقالة الحكومة سيكون "بداية النهاية بالنسبة للعراق".  

كما أعرب تحالف "الفتح" الذي يمثل فصائل الحشد الشعبي المدعومة أغلبها من إيران، ويعتبر ثاني أكبر الكتل البرلمانية، عن موقفه المؤيد لتوجيهات المرجعية الشيعية. وقال قيس الخزعلي، أحد أبرز قادة فصائل الحشد الشعبي في تغريدة "أمري لأمركُم مُتبع"، في إشارة للمرجعية الشيعية.

ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الأحد، في وقت لم يشهد العراق منذ إطاحة الرئيس صدام حسين في 2003، رحيل رئيس حكومة قبل نهاية ولايته.

ورغم قمع التظاهرات، يواصل المحتجون التمسك بمطالبهم بـ"إسقاط النظام" السياسي، وخصوصا مع النفوذ المتنامي لإيران سواء في صفوف الطبقة السياسية أو على الصعيد الاقتصادي.

وأدى العصيان المدني والاحتجاجات إلى إغلاق مؤسسات حكومية ومدارس ومقار مختلفة في عدد كبير من المدن وخصوصا في جنوب العراق، ويحاول المتظاهرون، بلا جدوى حتى الآن، الوصول إلى حقول النفط التي تمثل مصدر الدخل الرئيسي وتشكل 90 في المئة من موازنة العراق المثقل بالديون.

يحتاج الكاظمي إلى اتخاذ خطوات حاسمة وقوية ضد المحاصصة والميليشيات
يحتاج الكاظمي إلى اتخاذ خطوات حاسمة وقوية ضد المحاصصة والميليشيات

قال تقرير لصحيفة "آسيا تايمز" إن اختيار مصطفى الكاظمي رئيسا لوزراء العراق أمر حاسم لتحقيق الاستقرار في بلد هزته الاحتجاجات الشعبية ووباء كورونا، فيما أشار إلى أن على العراق الاختيار بين أمرين، أما أن يكون مثل سنغافورة أو يكون مثل لبنان الغارق في المحاصصة والفساد.

وتطرق التقرير إلى مسألتين حاسمتين تواجهان الكاظمي من أجل تحقيق النجاح، هما تجاوز نظام المحاصصة الذي بنيت عليه العملية السياسية في العراق بعد عام 2003.

والثاني والأهم، هو دمج الميليشيات المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي في قوات الجيش الوطني.

يرى التقرير أن هاتين المسألتين هما من ستحددان مصير الكاظمي وفترة بقائه في منصبه.

يدعو التقرير رئيس الوزراء العراقي الجديد إلى استغلال التحولات في مواقف جهتين مهمتين يمكن أن تلعبا دورا بارزا في إنجاح مهمة الكاظمي.

الأولى داخلية، والمتمثلة بالمرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، حيث يشير خروج الفصائل الموالية له من الحشد إلى أن السيستاني سئم من عمل الميليشيات الشيعية الخارجة عن السيطرة والموالية لإيران، وهو على استعداد لممارسة نفوذه من أجل إخضاعها لسلطة الدولة، وفقا للتقرير.

أما الجهة الثانية، فهي الولايات المتحدة، التي يرى التقرير أن موقفها من نظام المحاصصة في العراق تغير، وظهر ذلك واضحا في تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو مطلع هذا الشهر عندما دعا القادة العراقيين إلى التخلي عن هذا النظام والمضي قدما لتشكيل حكومة ترضي الشعب.

يرى التقرير أن هذين الموقفين يشيران إلى حصول تغيير في مزاج جهتين قويتين، تتمثلان في مؤسسة النجف الدينية والولايات المتحدة، ولدى الكاظمي الفرصة للاستفادة من هذه التغيرات.

وللقيام بذلك يحتاج الكاظمي إلى اتخاذ خطوات حاسمة وقوية ضد المحاصصة والميليشيات، لأن التغيير التدريجي لن ينجح، وفقا لكاتب التقرير.

ويتابع "إذا كان الكاظمي في شك، فهو بحاجة فقط إلى إلقاء نظرة على لبنان، حيث تتواجد ميليشيا غير حكومية متمثلة في حزب الله وهي أقوى من الجيش الوطني، فيما لا يزال السياسيون غارقون في التفكير الطائفي، وهذا ليس نموذجا يحتذى به لمستقبل العراق".

ويواصل التقرير "يقال إن النموذج المفضل لدى الكاظمي هو سنغافورة، حيث يحتفظ رئيس الوزراء الجديد بصورة في مكتبه ببغداد لأول رئيس وزراء لتلك الدولة المتطورة".

ويختتم "ولكي يصبح العراق مثل سنغافورة، سيحتاج إلى التوقف عن التصرف مثل لبنان، وهذا يعني اتخاذ قرارات مصيرية بعيدة المدى".