ساحة اشتباكات شبه يومية بين المتظاهرين وقوات الأمن في شارع الرشيد قرب مركز الاحتجاجات في ساحة التحرير وسط بغداد
ساحة اشتباكات شبه يومية بين المتظاهرين وقوات الأمن في شارع الرشيد قرب مركز الاحتجاجات في ساحة التحرير وسط بغداد

بعد أكثر من سنتين على عملية دحر داعش من الموصل التي كانت مفصلا في سقوط الخلافة المزعومة، يطل رأس ثعبان إرهاب جديد في العراق الذي تحول في الأشهر الماضية إلى بلد يسيطر عليه الرعب.

ومن رحم الجماعات التي شكلت تحت ذريعة محاربة داعش، خرج هذا الثعبان ليبث سمومه في العراق، فبات يسيطر، بأوامر من راعيه الإيراني، على مقدرات البلاد ليمعن في الأشهر الأخيرة في إرهاب المتظاهرين.

الحشد الشعبي الذي شكل عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، تحول لأداة قتل في العراق بعد أن أدرك أن المظاهرات التي تشهدها البلاد منذ أكتوبر الماضي تهدد وجوده ومكتسباته ونفوذ إيران.

ويتألف الحشد بصورة رئيسية، من فصائل شيعية موالية لإيران، تتواجد منذ سنوات في العراق، لكنها باتت اليوم جزءا من القوات الأمنية للبلاد، وهنا تكمن خطورته فهو يعمل تحت غطاء القانون ومؤسسات الدولة.

وعقب اندلاع المظاهرات المنددة بالفساد ونفوذ إيران، حاولت القوات الأمنية، ومن خلفها ميليشيات الحشد، احتواء الاحتجاجات عبر إرهاب المتظاهرين بالرصاص ومختلف وسائل القمع، ما أسفر عن مقتل المئات.

ولم يقف الإرهاب عند القتل العشوائي للمتظاهرين عبر القناصة أصحاب الأقنعة السوداء أو "الهجمات المجهولة"، بل شمل أيضا خطف الناشطين واغتيالهم لتتحول البلاد إلى أرض للخوق والرعب.

والخميس الماضي، اجتاح العشرات من مؤيدي الحشد الشعبي على متن شاحنة مزودة بنظام صوتي موقع المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، في محاولة جديدة لإرهاب المعتصمين.

وليلتها، توقف أنصار الحشد أمام مساحة وضعت فيها شموع وأمتعة شخصية لضحايا عمليات القمع من أحذية وملابس وخوذات خفيفة، في رسالة تهديد غير مباشرة للمتظاهرين المتمسكين برحيل الطبقة السياسية.

وتخوف المتظاهرون حينها من توابع استعراض القوة وشككوا في دوافع أنصار الحشد الشعبي، الذي يضم فصائل موالية لإيران وباتت تحمل صفة رسمية بعدما صارت جزءا من القوات العراقية.

بعدها بيوم واحد، هاجم مسلحون ملثمون جسر السنك قرب ساحة التحرير، موقع الاعتصام الرئيسي، وقتلوا نحو 25 شخصا وأصابوا أكثر من 120 آخرين، وحرقوا خيام المتظاهرين، وحتى عربات "التكتك" الصغيرة التي يستخدمها المتظاهرون في إسعاف الجرحى.

ويؤكد الباحث في الشأن العراقي، رعد هاشم، لـ"موقع الحرة" أن "هناك دلائل كثيرة على ارتكاب الحشد الشعبي للمذبحة، منها مركباتهم الحكومية وسياراتهم المعروفة، وهناك توثيق بأماكن خروجهم وأماكن انسحابهم، حتى أن الجيش وقطاعات منه انسحبت قبل وقت من دخولهم بقليل في تصرف غير مسؤول، ما سمح لهم بدخول أماكن الاعتصام".

واعتبرت منظمة العفو الدولية أن "الهجوم الجيد التنسيق" من قبل العديد من "الرجال المدججين بالسلاح في قافلة طويلة من المركبات" يطرح "تساؤلات جدية حول كيفية تمكنهم من عبور نقاط التفتيش في بغداد وارتكاب مثل هذه المذبحة".

وغداة هجوم الجمعة، أصدر رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، أمرا "بعدم تكليف أية قوة أو تشكيل من تشكيلات الهيئة في دور ميداني في ساحات التظاهر بشكل عام وساحة التحرير في بغداد بشكل خاص، وتحت أي عنوان كان كحماية المتظاهرين أو أية ممارسة ميدانية أخرى"، الأمر الذي اعتبره المتظاهرون اعترافا بالمسؤولية.

ويرى هاشم أن "هذا اعتراف واضح بأن عناصر من الحشد الشعبي هي من قامت بارتكاب مذبحة الجمعة، وإلا لماذا يوجههم السبت وبعد الهجوم بساعات بعدم الاقتراب من أماكن الاحتجاجات"، مضيفا أن "بيان الفياض جاء لتفادي انتقادات المجتمع الدولي".

وكان مسؤول أمني عراقي رفيع يعمل في قيادة عمليات بغداد قد كشف لـ"موقع الحرة"، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن "مجموعة من ميليشيا كتائب حزب الله التابعة لهيئة الحشد الشعبي يستقلون مركبات صغيرة تحمل أسلحة خفيفة ومتوسطة دخلت إلى ساحة الخلاني في قوت متأخر من ليلة الجمعة".

"الأكثر شراسة"

وبعد تشكيلها، أصبحت فصائل الحشد الشعبي عنصرا ثابتا مع تزايد النفوذ الإيراني، وأحيانا تعمل بالاشتراك مع قوات الأمن العراقية لكنها تحتفظ بهياكل القيادة الخاصة بها.

ويقول هاشم "عندما تم تشكيل الحشد الشعبي كانت هناك توجسات مخيفة حول ظهور هذه القوة الأكثر شراسة، ويبدو أن التظاهرات السلمية سرّعت بأن تكشف لنا هذه القوة الخطيرة ألا وهي الفصائل الميليشيا المنفلتة التي استغلت اسم الحشد وسخرت إمكانات الدولة لصالحها من رواتب وسلاح ومال، لتنفيذ أجندات إيران مباشرة من الحرس الثوري".

ويتابع "هذه حقيقة بات يعرفها المجتمع العراقي بعد أن كشفت له وقائع التعاطي مع المتظاهرين من عمليات هجوم غادرة وحملات تصفية وخطف واعتقالات".

ويوضح أن "ميليشيا حزب الله العراقي الذي يتبع للولي الفقيه ويستلم أوامره من قاسم سليماني مباشرة، قام باعتقال أكثر من 2700 شخص بتهمة التحريض ضد النظام السياسي، وهم في الأصل متظاهرون سلميون".

ويتساءل هاشم "من خوّل ميليشيا حزب الله العراقي التابع لهيئة الحشد الشعبي بأن تقوم مقام الشرطة أو قوات مكافحة الشغب وتعتقل المتظاهرين السلميين".

ويضيف "إن كان هذا هو عدد المعتقلين المعلوم فقط من ميليشيا واحدة من الحشد الشعبي، فكيف بالميليشيات الأخرى مثل عصائب أهل الحق وجند الإمام وكتائب الخرساني سيئة السمعة والتي وزعت قناصة بالقرب من أماكن الاحتجاجات وكانت أول من بادرت بإطلاق النار على المتظاهرين في بداية أكتوبر الماضي".

وكان مسؤولان عراقيان قد أكدا لرويترز، في أكتوبر الماضي، أن فصائل مدعومة من إيران نشرت قناصة على أسطح البنايات في بغداد خلال أكثر الاحتجاجات المناهضة للحكومة دموية منذ سنوات.

وقال المصدران الأمنيان لرويترز إن قادة فصائل متحالفة مع إيران قرروا من تلقاء أنفسهم المساعدة في إخماد الاحتجاجات الشعبية على حكومة رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، الذي تحظى إدارته منذ تولت السلطة قبل عام واحد بدعم من جماعات مسلحة قوية مدعومة من إيران ومن فصائل سياسية.

وقال أحد المصدرين الأمنيين "لدينا أدلة مؤكدة بأن القناصين كانوا عناصر من المجاميع المسلحة والذين يتلقون الأوامر من قادتهم بدلا من القائد العام للقوات المسلحة".

وغير القناصة، كثيرا ما شوهد مسلّحون يرتدون ملابس مدنية يهاجمون المتظاهرين في محافظات مختلفة ويطلقون أعيرة نارية وقنابل الغاز المسيل للدموع.

"حملة اغتيالات"

وقتل أكثر من 450 شخصا في أنحاء العراق جراء قمع السلطات للمتظاهرين في إطار الاحتجاجات التي دفعت عبد المهدي إلى الاستقالة. واتسعت رقعة الاحتجاجات لتطال مدنا عشائرية وزراعية ونفطية في جنوب العراق، حيث ووجهت بقمع عنيف.

كما اتسعت وسائل إرهاب المتظاهرين في الأيام القلية الماضية، حيث ارتفعت وتيرة اغتيال واختفاء النشطاء.

وعثر الاثنين على جثة ناشطة شابة، تبلغ من العمر 19 عاما، قتلت بطريقة بشعة بعد خطفها وترك جثتها خارج منزل عائلتها.

وفي وقت متأخر من مساء الأحد، اغتيل الناشط المدني البارز فاهم الطائي (53 عاما) برصاص مجهولين في مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، بينما كان في طريق العودة إلى منزله من التظاهرات المناهضة للحكومة.

والأحد أيضا، تعرض الناشط المدني المستقل إيهاب جواد الوزني لمحاولة اغتيال في محافظة كربلاء أيضا، بالتزامن مع محاولة مسلحين قتل الناشط المدني باسم الزبيدي في محافظة ميسان، حيث أصيب بطلق ناري.

كما تعرض الناشط الدكتور مهند الكعبي، أحد أعضاء تنسيقية كربلاء للحراك المدني المستقل، لمحاولة اغتيال بعبوة استهدفت سيارته أثناء وقوفها في منطقة سيف سعد، و"هو مصاب يرقد بالمستشفى"، بحسب بيان الحراك المدني في العراق الاثنين.

واختطف المصور الشاب زيد الخفاجي أمام منزله بعد عودته من ساحة التحرير فجرا، بحسب ما قال أقرباؤه، الذي أضافوا أن أربعة أشخاص وضعوه في سيارة سوداء رباعية الدفع تحت أنظار والدته، واقتادوه إلى جهة مجهولة.

وأشار البيان إلى أن "هذه الأحداث وغيرها وقعت بيوم واحد وتأتي من خلال سلسلة أحداث من بعد واقعة السنك تشير إلى أن الجهة التي قامت بتلك الحوادث جهة منظمة ولديها من المعلومات الاستخبارية بأماكن الناشطين وتواجدهم".

ويقول هاشم إنه ثبت أن الفصائل المسلحة التابعة للحشد الشعبي هي من تختطف النشطاء وتغتالهم، مشيرا إلى أن هناك فيديوهات توثق تعذيب بعض النشطاء المختطفين من خلال الطعن بالسكاكين حتى الموت.

"مسألة مصيرية"

وحول سبب إقدام ميليشيات الحشد الشعبي على عمليات قتل وخطف واغتيال المتظاهرين يقول هاشم "هم يعتبرون أن المظاهرات تقوض وجودهم، ولهذا هم مستقتلون على وأد التظاهرات".

يوضح "إذا نجحوا (المتظاهرون) في مسعاهم بتغيير النظام السياسي والأمني، فهذا سيجعل الميليشيات تخسر الكثير من نفوذها ووضعها" حيث أنها تحكم قبضتها حاليا على مقدرات العراق.

وأردف هاشم قائلا إن وأد المظاهرات بالنسبة لميليشيات الحشد أمر "مصيري"، ولذلك "يتعامون بقسوة، كما أنه إذا ما تفاقم الوضع سيؤثر على راعيهم الإيراني."

ودعت البعثات الدبلوماسية لعدد من الدول الغربية، الحكومة العراقية الى عدم السماح للجماعات المسلحة بـ"العمل خارج سيطرتها".

وبدون ذكر اسم فصيل محدد، قال سفراء كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إنهم "يشجعون الحكومة على ضمان.. إبعاد الحشد الشعبي عن أماكن الاحتجاجات".

والاثنين، استبق زعيم ميليشيات عصائب أهل الحق التي تتبع الحشد الشعبي، قيس الخزعلي، مظاهرات الثلاثاء ووصفها بـ"التخريبية"، مما جعل النشطاء يعبرون عن تخوفاتهم من مذبحة جديدة أوسع من التي حدثت الجمعة الماضية، وإقدام ميليشيات الحشد الشعبي على الهجوم على ساحة التحرير في بغداد.

والخزعلي احد الشخصيات التي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها بجانب ليث الخزعلي وحسين عزيز اللامي، وجميعهم قادة فصائل ضمن قوات الحشد الشعبي المقربة من إيران، لتورطهم في الحملة الأمنية ضد المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي شهدها العراق.

الميليشيات العراقية

باتت الميليشيات العراقية الموالية لإيران أمام مفترق طرق.

ضغط أميركي على صانع القرار العراقي لنزع سلاحها بطريقة فعالة وسريعة، بالتوازي مع محادثات نووية، تتضمن أيضا، وفق مراقبين، تفكيك شبكة الوكلاء التي تسخدمها طهران في التعاطي مع دول المنطقة.

هل تتخلى إيران عن مليشياتها العراقية؟

سؤال مشروع وفق مؤشرات عديدة.

وقف الهجمات

في ديسمبر، أعلنت مجموعات مسلحة عراقية إيقاف هجماتها على المصالح الأميركية وضد إسرائيل بشكل مؤقت. وأشارت تقارير إلى أن تلك المجاميع أو بعضها على الأقل، أبدت استعدادها لإلقاء السلاح والانضواء ضمن تشكيلات القوات المسلحة العراقية.

يشمل سلاح الميليشيات ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، حسبما ذكر مراقبون وخبراء مختصون بالشؤون العسكرية، سبق وتحدث معهم موقع "الحرة".

والسبت أنهت واشنطن وطهران الجولة الثانية من المفاوضات، دون الكشف عن طبيعة الملفات  الأخرى المطروحة على طاولة المفاوضات إلى جانب البرنامج النووي الإيراني، وما إذا كانت تضمنت ملف الميليشيات العراقية.

يقول الباحث في الشأن السياسي العراقي، رافد العطواني، إن طهران أبلغت الجانب الأميركي أن موضوع الحشد والفصائل المسلحة العراقية وأذرع إيران الأخرى في المنطقة، شأن داخلي خاص بالبلدان التي توجد تلك المجاميع فيها، "أي أنه ينبغي على الولايات المتحدة التفاوض مع هذه الفصائل والاتفاق معها بشكل مباشر".

ويكشف العطواني، المقرب من التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر، لـ"الحرة"، أن "الولايات المتحدة أوقفت هجماتها، وكذلك الهجمات الإسرائيلية على الفصائل الموجودة في العراق عقب مباحثات جرت بين الحكومة العراقية والجانب الأميركي، على أمل أن تقنع بغداد الفصائل بإلقاء سلاحها، لتجنيب العراق تداعيات الحرب والعمليات العسكرية التي تشهدها المنطقة".

رغم ذلك، يعتقد العطواني أن إيران لا تزال تملك القدرة على "إسكات هذه الفصائل أو تحريكها داخل العراق، أو المضي بها باتجاه إلقاء السلاح".

صيغة لنزع سلاح المليشيات

وتنضوي الميليشيات العراقية الموالية لإيران في هيئة الحشد الشعبي، ويقدر عددها بأكثر من 70 ميليشيا مسلحة معروفة، إلى جانب عشرات من الميليشيات غير المعروفة، التي أشرف الحرس الثوري الإيراني عبر جناحه الخارجي "فيلق القدس" على تأسيسها في أوقات مختلفة.

وكان وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، قال لرويترز، في يناير الماضي، إن العراق يحاول إقناع الفصائل المسلحة الموالية لإيران بإلقاء أسلحتها أو الانضمام إلى قوات الأمن الرسمية.

ولا ترتبط جميع فصائل الميليشيات العراقية بعلاقات ولائية مع طهران. 

يشير العطواني إلى وجود تصنيفات عديدة للفصائل العراقية، منها الفصائل المنضوية داخل الحشد الشعبي، والفصائل الموجودة خارج الحشد الشعبي، وفصائل تابعة للأحزاب السياسية، والمرجعيات الدينية، إلى جانب فصائل أخرى انخرطت داخل وزارة الدفاع ولم تنتم إلى الحشد وهي المعروفة بحشد العتبات.

ويتوقع العطواني أن تتكشف الأيام القادمة عن صيغة لدمج الحشد الشعبي في وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الأخرى.

ويعتقد العطواني أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أبلغ بعض الجهات التي تروم الدخول معه بقائمة أو تحالف في الانتخابات المقبلة، أن الولايات المتحدة أبلغت بغداد بأن المرحلة المقبلة يجب أن تكون من دون سلاح خارج سيطرة الدولة.

ويسعى السوداني نفسه إلى حل مشكلة السلاح المنفلت، وفق مسؤولين أميركيين يؤكدون أن رئيس الحكومة العراقية يريد أن يخضع المليشيات لحكومته.

واتصل موقع "الحرة" بكل من المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، والمتحدث باسم هيئة الحشد الشعبي، مؤيد الساعدي، لمعرفة للحصول على تعليق بشأن الموضوع، لكنهما لم يجيبا على أي سؤال من أسئلة "الحرة"، ورفض محللون سياسيون مقربون من الحشد الشعبي وقوى "الإطار التنسيقي"، أي الائتلاف الشيعي الحاكم، الادلاء بأي تصريحات بشأن هذا الملف.

ويحذر العطواني من أن أي تحرك عسكري للفصائل سيجر العراق إلى تداعيات خطيرة منها عقوبات اقتصادية وحتى استهداف عسكري.

"سلاح الفصائل يحتاج إلى تفكيك". ويعتقد العطواني أن هناك تنسيقا بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل "يتمثل باستمرار أحدهما بالتفاوض بينما سيلجأ الآخر إلى استخدام القوة إذا لم نشهد نزعا حقيقيا لسلاح الفصائل".

"المرحلة المقبلة ستكون بلا سلاح وبلا أذرع إيرانية في المنطقة،" يقول الباحث العراقي.

تقليص نفوذ إيران

يتراجع النفوذ الإيران سياسيا وعسكريا بشكل ملحوظ على خلفية الأحداث الجارية في الشرق الأوسط منذ أشهر، وتمثلت في جزء منها تعرض حلفاء إيران المسلحين في غزة ولبنان لضربات مدمرة، إلى جانب الإطاحة بنظام بشار الأسد أوثق حلفاء طهران في المنطقة.

ويلفت رئيس مركز التفكير السياسي العراقي، إحسان الشمري، إلى أن مخاوف عراقية ناتجة على نحو خاص عن عدم وجود مقاربة أميركية واضحة تجاه العراق إلى الآن.

ويرى الشمري أن المذكرة الرئاسية للأمن القومي التي استعادت من خلالها واشنطن سياسة "الضغوط القصوى" على إيران، بينت أنه لا يوجد فصل بين العراق وإيران.

ويعتقد الشمري في حديث لـ"الحرة" أن "الملف العراقي سيكون ضمن الملف الإيراني كأحد أوراق التفاوض باعتبار أن واشنطن تعتبر المعادلة السياسية التي تسيطر على مجلس النواب العراقي وكذلك الحكومة الحالية مشكلة من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، لذلك التعاطي مع العراق بشكل منفصل، مازال مبكرا".

لكن الشمري يرى في الوقت ذاته أن الأمور في العراق تتجه نحو تقليص النفوذ الإيراني على اعتبار أن هذا النفوذ أصبح مرفوضا داخليا، إلى جانب ما يشهده من انهيار الإقليمي. 

ويوضح " تشعر إيران الآن بانكسار كبير على مستوى الداخل العراقي، وحتى على مستوى المنطقة، هذا كله يشجع واشنطن على اتخاذ سياسة تهدف إلى تقليص هذا النفوذ وإنهائه في مراحل لاحقة".

وكثفت الميليشيات العراقية الموالية لإيران المنضوية في ما يُسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" خلال العامين الماضيين هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على البعثات الدبلوماسية وقواعد التحالف الدولي والمصالح الأميركية في إقليم كردستان ومناطق عراقية أخرى.

وشنت هجمات أيضا على إسرائيل وقواعد أميركية في سوريا، انطلاقا من الأراضي العراقية.

الخشية من شرق أوسط جديد

يشدد الشمري على أن "المعادلة السياسية الحاكمة في العراق تخشى من الشرق الأوسط الجديد"، وان إعادة هيكلة هذه العملية السياسية الحالية أصبحت واحدة من الأهداف بالنسبة للمعارضة العراقية والمعارضين لحكومة السوداني وللإطار التنسيقي.

ويشير الشمري الى أن هذا الشعور يتزامن مع الرؤية الأميركية التي تدفع باتجاه إنهاء وتقويض النفوذ الإيراني في الداخل العراقي.

ويعزو الشمري اندفاع القوى السياسية الحليفة لإيران في العراق باتجاه طهران بشكل كبير إلى عدم اعطاء الولايات المتحدة الأميركية أي تطمينات لهذه القوى لذلك يجدون في إيران نوعا من الطمأنينة".

تعتيم إيراني

ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية إسماعيل بقائي، الاثنين الماضي، خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي، الكشف عن تفاصيل القضايا التي بحثت خلال الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية الأميركية.

وقال بقائي "لا نؤكد أيا من التفاصيل والقضايا التي أثيرت حول الأمور التي نوقشت في المفاوضات"، وأشار إلى أن ما يذكر عن مواضيع المفاوضات ليس سوى تكهنات وتحليلات إعلامية.

وأكد بقائي على أن هذه المحادثات تتركز حصرا على الملف النووي ورفع العقوبات، مبينا "هذا هو إطار التفاوض، ولا يتم تناول أي قضايا أخرى خارجه، كما ذكرنا منذ البداية، رفع الحظر بالنسبة لنا يعد مطلبا جوهريا وأساسيا".

الخوف من الانهيار

ويؤكد الخبير الاستراتيجي العراقي، علاء النشوع، على أن مخاوف الفصائل العراقية الموالية لإيران من أن يكون الملف العراقي من ضمن شروط المفاوضات، نابعة من مخاوفها من تخلي إيران عنها، أي أنها أصبحت عرضة للضربات العسكرية الأميركية، وفي هذه الحالة ستكون هذه الفصائل معرضة إلى الانهيار والتدمير الكامل سواء عن طريق الضربات أو الملاحقات القانونية.

ويتابع النشوع في حديث مع "الحرة" قوله إن "الولايات المتحدة لا تفرط بالعراق لا لإيران ولا لتركيا أو لأي دولة أخرى لأسباب كثيرة منها جيوستراتجية واقتصادية وسياسية".

ويرى النشوع إلى أن الطبقة السياسية في العراق ستكون خاضعة للمتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة.

ويرجح النشوع أن تخضع إيران للشروط  الأميركية وتتخلى عما تمتلكه من المقدرات العسكرية في المنطقة، سواء كانت معدات وأسلحة، أو النفوذ المتمثل بالمليشيات والمجاميع المسلحة التي دخلت في حيز الصراع الإقليمي والدولي، في عدد من الدول، بينها العراق.