عنصر في الميليشيا العراقية يحاول تحطيم زجاج واجهة السفارة الأميركية في بغداد
عنصر في الميليشيا العراقية يحاول تحطيم زجاج واجهة السفارة الأميركية في بغداد

رضا الشمري - واشنطن / 

بعد أقل من 24 ساعة على تأكيد رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي، أن حادثة قصف معسكرات ميليشيا كتائب حزب الله "سيكون لها مضاعفات" شكك في قدرته "على احتوائها"، هاجمت عناصر ترتدي الزي العسكري وتحمل أعلام الكتائب وميليشيات أخرى، مبنى السفارة الأميركية لدى بغداد في المنطقة الخضراء المفترض أنها محصنة أمنيا.

وقال مصدر في رئاسة الوزراء العراقية لموقع الحرة، طالبا عدم الكشف عن هويته، إن المهاجمين "دخلوا من الجسر المعلق، وسياراتهم أوصلتهم إلى آخر نقطة تفتيش قبل السفارة"، مشيرا إلى أن "العناصر التي هاجمت السفارة دخلت بسهولة بالغة من نقطة سيطرة الجسر المعلق المخصصة لدخول موظفي المنطقة الخضراء والمخولين بدخولها حصرا".

ويلمح النائب في البرلمان العراقي، فائق الشيخ علي، إلى أن "من دخلوا إلى المنطقة الخضراء اليوم هم الملثمون الذين كانوا يطلقون النار على المتظاهرين ويقتلونهم"، مؤكدا أن بيدهم "مفاتيح ومغاليق المنطقة الخضراء يدخلون فيها من يريدون ويخرجون منها من لا يريدون".

طوال أسابيع، كان المتظاهرون العراقيون المتمركزون في التحرير يحاولون دخول المنطقة الخضراء من خلال جسر الجمهورية، المخصص لمرور عامة الناس، لكنهم لم يستطيعوا، بل أنهم فقدوا العشرات من القتلى بنيران القوات الأمنية التي دافعت عن مداخل الجسر بعنف.

ليس هذا فقط، بل أن القوات الأمنية منعت بالقوة والعنف الشديدين، المتظاهرين من دخول جسر السنك، الذي يبعد نحو كيلومتر عن مدخل الخضراء، حذرا من اقترابهم من بواباتها.

لكن عناصر الميليشيا دخلت بسهولة وفق تسجيل حصل عليه موقع "الحرة" يظهر عناصر الميليشيات تأمر ضباطا في الجيش العراقي بفتح أبواب المنطقة الخضراء".

كان على الميليشيات أن تتجه يمينا من الجسر المعلق لتجتاز كل نقاط التفتيش التابعة للقصر الجمهوري العراقي،  "حتى سياراتهم دخلت معهم، بيك آب وسيارات نقل أشخاص ومعدات أوصلتهم إلى نقطة التفتيش الرئيسة قبل السفارة"، يضيف المصدر.

هذه النقطة هي أصعب نقاط المنطقة الخضراء عادة، لكن الميليشيات لم تجد مشكلة في تجاوزها.

بحسب المحلل الأمني العراقي، هشام الهاشمي فإن كتائب حزب الله "فاعل هجين جزء منه في الدولة يستفيد من الدعم المالي والحماية القانونية، وجزء منه في اللادولة يأتمر بأوامر طهران".

هذه المنطقة الرمادية مفيدة للكتائب ولغيرها من الميليشيات، وهي مستمرة بالتحرك فيها حتى الآن.

فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي ومستشار الأمن الوطني العراقي مثلا، كان موجودا خلال تجمع المسلحين أمام السفارة الأميركية اليوم، وكذلك كان القيادي في الحشد وأمين عام منظمة بدر هادي العامري.

ورفع المهاجمون، الذين تجمعوا أمام السفارة أعلام كتائب حزب الله وأعلام العصائب، قبل اضرامهم النيران في بواباتها.

حريق سور السفارة

ومع أنهم يقولون إنهم من الحشد الشعبي الذي يأتمر بأوامر رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، فإن دعوات عبد المهدي الذي يطالب منذ ساعات بالتراجع عن محيط السفارة ويدين استهدافها، لم تلق آذانا صاغية حتى الآن.

 

وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية العراقي، إياد العنبر، لـموقع "الحرة" إن "رئيس الوزراء يتحدث بمنطق المراقب أو المحلل، وليس بمنطق المسؤول أو القائد العام للقوات المسلحة"، مضيفا "فيما تتحدث المجاميع المسلحة بمواضيع الدولة والسيادة لأغراض الدعاية فقط".

ويؤكد العنبر أن "المفارقة أن أكثر من يهدد الدولة في العراق هي المجموعات التي تهيمن على الدولة"، مشيرا إلى أن "حالة التخبط، وتضارب المواقف، وسوء الإدارة تشير إلى هشاشة الحكومة الحالية، سواء بعد استقالتها بضغط المتظاهرين، أو حتى قبل الاستقالة".

"حكومة هشة منذ البداية ولم تستطع ضبط الأوضاع" يشدد العنبر، الذي يضيف "تعتقد هذه الجماعات أن رسالتها إلى الخارج منفصلة عن موقف الحكومة".

تعرف الولايات المتحدة هذا، فهي تشدد دائما على أن المجاميع المسلحة هذه تأخذ أوامرها من إيران، بل أن الرئيس دونالد ترامب كتب متهما طهران بـ"التنسيق" للهجوم على السفارة الأميركية في بغداد.

يقول الصحفي العراقي المقيم في بريطانيا صفاء صبحي إن "النسق الذي تتم به إدارة الدولة في العراق هو النسق ذاته الذي نراه في إيران، نسق المستويات المتعددة أو الدولة داخل الدولة وهو نموذج مطبق في كل الدول التي تتأثر بالنفوذ الإيراني مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن".

ويردف صبحي لـموقع "الحرة" قائلا "نحن نعلم أن مؤسسة الحشد الشعبي العراقي مغطاة بالقانون ولها صفة رسمية لكنها عمليا لا تنتمي إلى الدولة العراقية وقرار الدولة العراقية بقدر ما تنتمي إلى القرار الإيراني والمنظومة الإيرانية"، مضيفا "هم يستخدمون الدستور والقانون كأداة لخلق هذا النموذج وإضفاء الشرعية عليه".

ويحذر صبحي من أن "مثل هذه الأفعال تقوض السيادة العراقية الهشة والمقبولية الدولية للنظام العراقي بصفته نظاما ديمقراطيا، وهي مقبولية بدأت بالتناقص بشكل كبير منذ بداية التظاهرات".

ويشير صبحي إلى وجود مفارقة كبيرة في تصرفات القوى المدعومة إيرانيا "لماذا يتظاهر نواب كتلة البناء وهي الكتلة الأكبر في داخل البرلمان العراقي فيما هم قادرون على إبطال الاتفاقية الأمنية الإطارية ورفع الغطاء القانوني عن وجود القوات الأميركية في العراق بل وحتى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة وإنهاء وجود السفارة؟”.

كل هذه التفاصيل لا يراها العالم، بحسب المتظاهر غيث سلام، الذي يعتصم في التحرير منذ أسابيع، "العالم سيرى أفرادا بأزياء عسكرية يهاجمون سفارة لدولة حليفة، يشعلون فيها النيران، ويرمون عليها الحجارة"، يضيف سلام.

"كما أن الإعلام العالمي بدأ بوصف عناصر الميليشيات بالمتظاهرين، بهذا تمكنت الميليشيات من تشويه صورة الدولة، وعلاقاتها الخارجية، وسيادتها، وأيضا تشويه صورة المتظاهرين"، يضيف سلام بمرارة واضحة.

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.